مقالات

خبير التقنية وحوكمة البيانات حمزة العكاليك يكتب : من التسويات الفورية في المطار إلى ريادة الكاتب العدل الرقمية: رؤية وطن

رقمنة

*الدكتور حمزة العكاليك

في لحظةٍ تبدو فيها التحولات الرقمية عنوان المرحلة لم يكن إطلاق خدمة الكاتب العدل الإلكتروني في الأردن مجرد تحديثٍ إجرائي، بل إعلانًا عمليًا عن نضج نموذج حوكمي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. هذا الإنجاز الذي جاء برؤية ملكية واضحة ومتابعة حثيثة من سمو ولي العهد تُرجم على أرض الواقع من خلال عمل مؤسسي متناغم قاده معالي د. بسام التلهوني عبر وزارة العدل وبشراكة إستراتيجية متقدمة مع وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، ليقدم نموذجًا يُحتذى في تكامل الأدوار الحكومية.

جوهر هذه التجربة لا يكمن في التقنية بحد ذاتها بل في الفلسفة التي قامت عليها: كيف يمكن لكل جهة، وكل مسؤول، أن يجعل الخدمة أبسط، أسرع، وأكثر موثوقية للمواطن؟ هذا السؤال، الذي يبدو بسيطا في ظاهره، هو في الحقيقة أساس الشرعية الحديثة للدولة؛ حيث تُقاس الثقة بمدى قدرة الحكومة على تحويل وعودها إلى خدمات ملموسة، دقيقة، وسهلة الوصول.
على مدى سنوات شكّل القيد المكاني أحد أبرز التحديات أمام الخدمات العدلية. فالمواطن كان مضطرًا للحضور الشخصي أمام كاتب العدل في وقتٍ كانت فيه طبيعة الأعمال والاستثمارات تتجه نحو العولمة والمرونة. كما ان التعديلات التشريعية التي أُقرت عام 2025 إلى جانب نظام الرسوم الجديد لعام 2026 أحدثت تحولًا نوعيًا إذ تم كسر هذا القيد بالكامل وأصبح بالإمكان إنجاز المعاملات عن بُعد باستخدام تقنيات الاتصال المرئي والمسموع دون المساس بحجية الوثائق أو سلامتها القانونية.
فالأثر العملي لهذا التحول كان مباشرًا وقابلًا للقياس. فتخفيض الرسوم بنسبة تصل إلى 40 % عند استخدام القنوات الإلكترونية لم يكن مجرد حافز مالي، بل أداة سياسة عامة ذكية لتسريع الانتقال الرقمي. والنتيجة كانت تخفيف الضغط على المحاكم وتقليص أوقات الانتظار وتحسين تجربة المستخدم بشكل ملحوظ.
ولعل المثال الأبرز على أهمية هذا التحول يظهر في شريحة المغتربين الأردنيين الذين يشكلون رافعة اقتصادية مهمة. فسابقًا كانت توثيق وكالة عدلية أو بيع عقار يتطلب السفر أو الاعتماد على وسطاء بما يحمله ذلك من تكلفة ومخاطر. واما اليوم فيمكن للمغترب إتمام هذه الإجراءات من أي مكان في العالم خلال وقت قياسي مع ضمان قانوني كامل. هذه ليست مجرد خدمة بل إعادة ربط اقتصادية ذكية بين الدولة ومواطنيها في الخارج.
وفي قلب هذا النظام تبرز حوكمة البيانات كعنصر حاسم. فالتوقيع الرقمي لم يعد مجرد أداة تقنية بل منظومة ثقة متكاملة تعتمد على الهوية الرقمية الموثقة عبر تطبيق سند. فهذه الهوية تضمن التحقق من الشخصية وتمنع التزوير وتحافظ على سلامة المستندات من أي تعديل بعد التوقيع. هنا تحديدًا يظهر دور وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة كمُمكّن رئيس من خلال توفير البنية التحتية السحابية الحكومية وأدوات التوثيق الرقمي التي تسمح للجهات الأخرى بتقديم خدماتها بكفاءة عالية.
ومن منظور سياسات عامة يمكن قراءة تجربة الكاتب العدل الإلكتروني كنموذج ناجح لما يُعرف بـالملكية المشتركة للتحول الرقمي. فلم يعد التحول مسؤولية جهة تقنية فقط بل أصبح مسؤولية موزعة تشترك فيها الجهات التشريعية والتنفيذية والتقنية. وهذا النموذج يقلل من فجوات التنفيذ ويزيد من سرعة التبني ويعزز من استدامة النتائج.
والأهم من ذلك أن هذا الإنجاز يعكس قيادة واعية تدرك أن التكنولوجيا ليست غاية بحد ذاتها بل وسيلة لتعزيز كرامة المواطن. فحين يتمكن المواطن من إنجاز معاملته بسهولة دون تعقيد أو تأخير فإن ذلك لا يوفر وقته وماله فحسب بل يعزز شعوره بالثقة والانتماء. وهذه هي القيمة الحقيقية للتحول الرقمي: تحويل الخدمة إلى تجربة إيجابية تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
التجربة الأردنية في هذا السياق تقدم درسًا واضحًا: النجاح لا يأتي من وفرة الموارد بل من جودة التنسيق. ما تحقق بين وزارة العدل الأردنية ووزارة الاقتصاد الرقمي والريادة ليس مجرد تعاون بل نموذج تناغم مؤسسي يجب أن يُعمم على باقي القطاعات. فحين تتكامل الأدوار وتتوحد الرؤية يصبح الإنجاز أسرع وأكثر تأثيرًا وأعمق استدامة.
في النهاية يمكن القول إن خدمة الكاتب العدل الإلكتروني ليست مجرد منصة رقمية بل قصة نجاح حكومي متكامل تؤكد أن الأردن يسير بثبات نحو نموذج دولة رقمية حديثة. وإذا استمر هذا النهج القائم على التكامل والتبسيط وحماية البيانات فإن المملكة لا تعزز فقط تنافسيتها الإقليمية بل ترسم ملامح تجربة ملهمة يمكن أن تُحتذى عالميًا. لأن الخدمات الأفضل لا تُبنى بجهد فردي بل بمنظومة تعمل بانسجام حيث المواطن هو المحور والتكنولوجيا هي الأداة والقانون هو الضامن.
ملاحظة أخيرة معاليك لو يتم معالجة قضية تعطل النظام كل يوم سبت فهو دوام مدفوع الأجر.

*خبير في مجال حوكمة البيانات

المصدر : صحيفة الغد اليومية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى