الاقتصاد

تحسن كفاءة الموانئ.. طريق لمركز لوجستي إقليمي

رقمنة

أظهرت أحدث قراءة لأداء الأردن اللوجستي تحسنا في عدد من المؤشرات التشغيلية المرتبطة بكفاءة الموانئ، في وقت يرى فيه خبراء أن البناء على هذا التحسن يتطلب معالجة فجوات الاتصال البحري، وخفض كلف وزمن الشحن، وتسريع تنفيذ مشاريع السكك الحديدية والمراكز اللوجستية، بما يعزز تنافسية التجارة الأردنية ويحوّل الموقع الجغرافي للمملكة إلى ميزة اقتصادية أكثر فاعلية.

وبحسب ورقة سياسات أصدرها منتدى الإستراتيجيات الأردني بعنوان “الأردن والممرات الاقتصادية: فرص إستراتيجية في اقتصاد عالمي متغير”، أظهرت قراءة أداء الأردن اللوجستي للعام 2024 أن زمن دوران السفن في الميناء بلغ نحو 0.6 يوم، ليحل الأردن في المرتبة الثالثة عربيا والـ21 عالميا في هذا المؤشر، فيما بلغ زمن بقاء حاويات التصدير في الميناء 4.7 يوم، وهو أداء أفضل من الوسيط العالمي.
وفي المقابل، أظهرت الورقة وجود تحديات في الاتصال المباشر بشبكات النقل البحري، إذ بلغ عدد الشركاء البحريين للأردن 23 شريكا، وعدد خدمات الخطوط الملاحية المباشرة 11 خدمة، فيما بلغ الزمن المستغرق في موانئ الترانزيت نحو 13.4 يوم، ووصل زمن الاستيراد من ميناء المنشأ إلى بلد المقصد إلى 35.7 يوم.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن كفاءة العمليات داخل الميناء تحتاج إلى استكمالها بتحسين الاتصال الخارجي وتقليص الزمن الذي تستغرقه رحلة الشحنة كاملة، بما يضمن انتقال التحسن التشغيلي في الموانئ إلى أداء أكثر تنافسية على مستوى سلسلة الإمداد بأكملها.
ويرى خبراء أن تحسين الأداء اللوجستي لا ينعكس على قطاع النقل وحده، وإنما يمتد أثره إلى كلف الإنتاج والتجارة والصادرات والاستثمار، في ظل اعتماد الاقتصاد والصناعة الوطنية بدرجة كبيرة على حركة السلع والمدخلات عبر الحدود.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد البشير أن كلفة الشحن تمثل أحد أبرز التحديات أمام تنافسية الصادرات الأردنية، مشيرا إلى أن الموقع الجغرافي للمملكة وإحياء مشاريع السكك الحديدية يمكن أن يساهما في خفض كلف النقل وفتح مسارات تجارية جديدة نحو البحر المتوسط والأسواق المجاورة، بما يعزز قدرة المنتجات الأردنية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
من جانبه، يرى خبير النقل والمرور المهندس خالد حدادين أن تحسين الأداء اللوجستي يتطلب الانتقال من إدارة كل وسيلة نقل بصورة منفصلة إلى إدارة سلسلة لوجستية متكاملة، تبدأ من ميناء العقبة والمعابر الحدودية وتنتهي بالمصانع والأسواق.
ويؤكد حدادين أن تحقيق ذلك يتطلب تطوير البنية التحتية، وربط وسائل النقل المختلفة، وتعزيز التكامل بين الجهات المعنية، بحيث تصبح حركة البضائع أكثر انسيابية، وتقل الفترات الزمنية والتكاليف الناجمة عن تعدد الإجراءات ونقاط التوقف.
أما الخبير الاقتصادي الدكتور قاسم الحموري، فيرى أن موقع الأردن ومشاريع مثل ميناء الماضونة البري، إلى جانب الربط المستقبلي بشبكة السكك الحديدية، تشكل عناصر جذب للاستثمارات، ويمكن أن تعزز دور المملكة كمركز لوجستي يخدم المنطقة، خصوصا مع الفرص المرتبطة بإعادة إعمار سورية والعراق.
وتكتسب هذه الفرص أهمية إضافية في ضوء حجم انكشاف الاقتصاد الوطني على التجارة الخارجية. وتشير ورقة منتدى الإستراتيجيات إلى أن متوسط قيمة صادرات ومستوردات السلع والخدمات بلغ نحو 101.4 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2022-2024، فيما تعتمد الصناعة الوطنية على مدخلات إنتاج مستوردة لتلبية نحو 80 % من احتياجاتها.
ويجعل هذا الاعتماد من كلف النقل وسرعة وصول البضائع عاملين مؤثرين بصورة مباشرة في تنافسية الاقتصاد، إذ إن ارتفاع كلف الشحن أو طول الفترة الزمنية اللازمة لوصول المدخلات والسلع يمكن أن ينعكس على كلف الإنتاج، وهوامش الشركات، وقدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
وفي جانب الصادرات، قدرت الورقة قيمة الصادرات الوطنية بنحو 13.6 مليار دولار في 2025، مع متوسط نمو سنوي بلغ 9 % خلال السنوات العشر الماضية.
وأشارت الورقة إلى أن مركز التجارة الدولية يقدر الفرص التصديرية غير المستغلة أمام الأردن بنحو 7.8 مليار دولار خلال الفترة 2026-2030، منها نحو 5.6 مليار دولار في أسواق الدول الواقعة ضمن مسارات الربط المقترحة بين الهند والخليج والأردن وسورية وتركيا وأوروبا، وبنسبة تبلغ 41 %.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب المعطيات الواردة في الورقة، أن تطوير الممرات الاقتصادية لا يرتبط فقط بتحسين حركة البضائع العابرة للأردن، وإنما يمكن أن يفتح المجال أمام زيادة الصادرات الوطنية والوصول إلى أسواق جديدة، إذا ما ترافقت مشاريع الربط مع خفض كلف النقل وتحسين كفاءة الخدمات اللوجستية.
وأشار منتدى الإستراتيجيات إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد دفع دولا عديدة إلى تنويع مسارات التجارة والنقل وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية ونقاط الاختناق.
وأدى ذلك إلى توسع مفهوم الممرات الاقتصادية، بحيث لم يعد مقتصرا على الطرق والسكك الحديدية، بل أصبح يشمل الربط البحري والبري وشبكات الطاقة والبنية التحتية الرقمية والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعاون الصناعي والاستثماري.
وفي هذا السياق، دعا منتدى الإستراتيجيات إلى تبني إستراتيجية وطنية متعددة الممرات، تبدأ بتسريع رقمنة الجمارك وتطبيق النافذة الواحدة وتحديث المعابر، ثم استكمال سكة حديد العقبة وتوسيعها تدريجيا إلى شبكة وطنية للشحن.
كما تشمل التوصيات تطوير ميناء العقبة والطرق المرتبطة بالعراق وسورية والسعودية، إلى جانب إنشاء المناطق اللوجستية والمستودعات وسلاسل التبريد ومحطات الحاويات، بما يعزز قدرة الأردن على التعامل مع حركة التجارة بكفاءة أعلى.
ويشير حدادين إلى أن أبرز التحديات تتمثل في الاعتماد الكبير على الشاحنات، ومحدودية شبكة السكك الحديدية، وتعدد الجهات والإجراءات، إلى جانب الحاجة إلى مزيد من التكامل بين أنظمة الموانئ والجمارك والجهات الرقابية.
وبذلك، تظهر مؤشرات 2024 تقدما في كفاءة العمل داخل الموانئ، مقابل تحديات ما تزال قائمة في الاتصال البحري وزمن الرحلة الكلي للشحن.
ويضع ذلك الأردن أمام فرصة لتحويل التحسن التشغيلي في الموانئ إلى مكاسب أوسع للتجارة والاستثمار، من خلال استكمال مشاريع الربط والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية، وتسريع الرقمنة وتكامل الإجراءات، بما يعزز تنافسية الصادرات ويخفض كلف سلاسل الإمداد، ويدعم موقع المملكة كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية والممرات التجارية.

الغد – محمود خضر الشبول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى