
رقمنة
تتواصل شركات التكنولوجيا الكبرى في ضخ مئات المليارات من الدولارات لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، عبر إنشاء مراكز بيانات جديدة وشراء الرقائق المتقدمة وتطوير قدرات الحوسبة السحابية. وفي الوقت الذي ينظر فيه كثير من المستثمرين إلى هذه الاستثمارات باعتبارها أساس المرحلة المقبلة من النمو، بدأت أصوات داخل المؤسسات المالية العالمية تدعو إلى التريث قبل زيادة التعرض لأسهم الشركات التي تتحمل الجزء الأكبر من هذا الإنفاق.
وفي هذا السياق، يرى مانيش كابرا، رئيس استراتيجية الأسهم الأمريكية في بنك Societe Generale ، أن الوقت لا يزال مبكراً للدخول بقوة إلى أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة التي تنفق بكثافة على الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن الأسواق لم تحصل بعد على أدلة كافية تثبت أن هذه الاستثمارات ستتحول إلى تدفقات نقدية وعوائد مستدامة للمساهمين.
الإنفاق يتجاوز وتيرة تحقيق العوائد
يشير كابرا إلى أن شركات مثل Microsoft وAlphabet وAmazon وMeta رفعت إنفاقها الرأسمالي إلى مستويات غير مسبوقة، بهدف بناء بنية تحتية قادرة على تلبية الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن هذه الاستثمارات تعزز القدرات التقنية للشركات، فإن الأسواق لا تزال تنتظر تحولها إلى أرباح تشغيلية وتدفقات نقدية حرة تعكس حجم الأموال التي يتم ضخها حالياً، وهو ما يجعل تقييم هذه الشركات أكثر حساسية خلال المرحلة الحالية.
التدفقات النقدية أصبحت محور الاهتمام
بحسب رؤية Societe Generale ، فإن العامل الأكثر أهمية خلال الفترة المقبلة لن يكون حجم الإنفاق، وإنما قدرة الشركات على استعادة قوة تدفقاتها النقدية الحرة بعد سنوات من الاستثمار المكثف.
وأوضح كابرا أن الوصول إلى هذه المرحلة قد يحتاج إلى مزيد من الوقت، لذلك يفضل الانتظار حتى تظهر مؤشرات أوضح على تحسن العوائد المالية قبل زيادة المراكز الاستثمارية في هذه الشركات.
شركات الرقائق تواصل الاستفادة
في المقابل، استفادت شركات تصنيع الرقائق وموردو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة من موجة الإنفاق الحالية، حيث ارتفعت الطلبات على المعالجات والخوادم ومعدات تصنيع أشباه الموصلات مع استمرار شركات التكنولوجيا في توسيع مراكز البيانات.
ويرى محللون أن شركات مثل Nvidia وASML وموردي المعدات والبنية التحتية ما زالوا يحققون مكاسب مباشرة من دورة الإنفاق الحالية، بينما تتحمل شركات التكنولوجيا العملاقة الجزء الأكبر من تكاليف الاستثمار.
الأسواق تعيد تقييم دورة الذكاء الاصطناعي
خلال الأشهر الماضية، بدأ المستثمرون في التمييز بين الشركات التي تستفيد من الإنفاق الرأسمالي، وتلك التي تتحمل تكلفته.
وأدى هذا التغير إلى ظهور اتجاه استثماري جديد يعتمد على الاستثمار في الشركات التي تبيع الرقائق والمعدات والخوادم، مقابل الحذر تجاه الشركات التي تمول مشاريع الذكاء الاصطناعي الضخمة، خاصة مع استمرار ارتفاع الإنفاق وتأخر ظهور العوائد المالية المباشرة.
مخاوف التقييمات المرتفعة تتزايد
يتزامن هذا الحذر مع استمرار ارتفاع تقييمات العديد من شركات التكنولوجيا، وهو ما دفع بعض المستثمرين إلى التساؤل حول قدرة الأرباح المستقبلية على تبرير هذه الأسعار.
كما شهدت أسهم شركات الرقائق تقلبات ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، بعدما بدأت الأسواق في تقييم مدى استدامة دورة الإنفاق الحالية، وإمكانية استمرارها بنفس الوتيرة خلال الأعوام المقبلة.
الذكاء الاصطناعي يبقى المحرك الرئيسي
ورغم التحذيرات المتعلقة بالتوقيت، لا يرى كابرا أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد انتهت، وإنما يعتبر أن السوق تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى مزيد من الوضوح بشأن العوائد الاقتصادية لهذه الاستثمارات.
وتتوقع مؤسسات مالية أن يظل الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مرتفعاً خلال السنوات المقبلة، مع استمرار المنافسة بين كبرى شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج أكثر تقدماً وتوسيع قدراتها الحاسوبية.
المرحلة المقبلة تعتمد على النتائج
يرى مراقبون أن موسم النتائج المالية المقبل سيكون عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، إذ سيترقب المستثمرون مؤشرات تتعلق بتحسن الإيرادات الناتجة عن خدمات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطور التدفقات النقدية والعائد على الإنفاق الرأسمالي.
وفي حال نجحت الشركات في إثبات قدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى أرباح مستدامة، فقد تستعيد أسهمها زخماً أكبر، أما استمرار ارتفاع الإنفاق دون انعكاس واضح على النتائج فقد يبقي الضغوط قائمة خلال الفترة المقبلة.
جولة



