بنوك

المحروق : البنوك الأردنية تقود التمويل الأخضر لتعزيز تنافسية الاقتصاد واستدامة النمو

رقمنة

في وقت يتسارع فيه التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر باعتباره أحد أبرز محركات النمو والاستثمار خلال العقود المقبلة، يبرز القطاع المصرفي الأردني كلاعب رئيسي في تمويل هذا التحول ودعم مسار التنمية المستدامة، مستفيدا من متانة الجهاز المصرفي وتطور البيئة التشريعية والرقابية، وتزايد الاهتمام بدمج معايير الاستدامة في السياسات المالية والائتمانية.

ويأتي ذلك في ظل توجهات وطنية واضحة لتعزيز التمويل المستدام، انسجاما مع رؤية التحديث الاقتصادي، والتزامات المملكة في مواجهة تحديات التغير المناخي، وتعزيز أمن الطاقة والمياه، ورفع كفاءة استخدام الموارد.

وأكد الرئيس التنفيذي لجمعية البنوك في الأردن الدكتور ماهر المحروق، أن القطاع المصرفي الأردني أصبح اليوم في موقع متقدم يؤهله للقيام بدور محوري في قيادة التحول نحو الاقتصاد الأخضر، مستندا إلى متانة الجهاز المصرفي، وتطور البيئة التنظيمية والرقابية، وارتفاع مستويات الحوكمة وإدارة المخاطر، إلى جانب تنامي إدراك البنوك لأهمية دمج مبادئ الاستدامة ضمن استراتيجياتها ونماذج أعمالها.

وقال المحروق في مقابلة مع وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن التحول نحو الاقتصاد الأخضر لم يعد ينظر إليه باعتباره استجابة للتحديات البيئية فحسب، وإنما أصبح خيارا اقتصاديا واستثماريا يعزز النمو المستدام، ويرفع كفاءة استخدام الموارد، ويزيد من تنافسية الاقتصاد الوطني، فضلا عن دوره في تعزيز أمن الطاقة والمياه وتحسين قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات والمتغيرات العالمية.

وأضاف إن القطاع المصرفي الأردني شهد خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في مستوى جاهزيته لدعم هذا التحول، سواء من خلال دمج مفاهيم الاستدامة في السياسات المؤسسية، أو تطوير أدوات إدارة المخاطر البيئية والمناخية، أو التوسع في تقديم منتجات تمويلية تدعم المشاريع ذات الأثر البيئي الإيجابي، مشيرا إلى أن إطلاق البنك المركزي الأردني لاستراتيجية التمويل الأخضر للأعوام 2023-2028 شكل محطة مفصلية في تنظيم هذا المسار، ووفر إطارا وطنيا واضحا لتعزيز دور القطاع المالي في تمويل المشاريع الخضراء والمستدامة.

وأوضح أن البنوك الأردنية باتت تدرك بصورة متزايدة أن قضايا التغير المناخي وأمن الطاقة والمياه أصبحت ترتبط بشكل مباشر بالاستقرار المالي وجودة المحافظ الائتمانية، الأمر الذي دفعها إلى دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحوكمة في قراراتها الائتمانية والاستثمارية، باعتبارها جزءا من الإدارة الرشيدة للمخاطر، وليس مجرد التزام بالمسؤولية المجتمعية.

وأشار إلى أن التمويل الأخضر في الأردن يشهد نموا تدريجيا ومتواصلا، إلا أن عملية قياس حجمه الإجمالي على مستوى القطاع ما تزال في طور التطور، في ظل الحاجة إلى توحيد التعاريف والمعايير وآليات التصنيف والإفصاح الخاصة بالتمويل المستدام، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية.

وبين أن التمويلات الخضراء تركزت خلال السنوات الماضية في عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها مشاريع الطاقة المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية، ومشاريع كفاءة الطاقة، وإدارة الموارد المائية، والمباني الخضراء، والنقل المستدام، إضافة إلى عدد من المشاريع الصناعية التي تعتمد تقنيات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية.

وأضاف إن البنوك لم تقتصر في هذا المجال على تمويل الشركات، وإنما توسعت أيضا في تقديم منتجات تمويلية موجهة للأفراد، تشمل تمويل أنظمة الطاقة الشمسية للمنازل، وتمويل المركبات الكهربائية، بما يعكس اتساع مفهوم التمويل الأخضر ليشمل مختلف مكونات الاقتصاد الوطني، ويعزز مساهمة الأفراد في تحقيق أهداف الاستدامة.

وأكد أن التمويل الأخضر يمثل فرصة استثمارية واعدة للقطاع المصرفي، إلى جانب كونه أداة لدعم التنمية الاقتصادية، موضحا أن الاستثمار في المشاريع الخضراء يسهم في رفع كفاءة الإنتاج، وخفض الكلف التشغيلية، وتعزيز تنافسية الشركات، بما ينعكس إيجابا على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وقال المحروق إن هناك مجموعة من التحديات ما تزال تؤثر في وتيرة توسع التمويل الأخضر، من أبرزها محدودية عدد المشاريع الخضراء الجاهزة للتمويل، وارتفاع الكلفة الرأسمالية لبعض التقنيات والحلول المستدامة مقارنة بالحلول التقليدية، إضافة إلى نقص البيانات البيئية والفنية لدى بعض الشركات، لا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وأضاف إن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال تطوير تصنيف وطني واضح للمشاريع الخضراء، إلى جانب بناء قواعد بيانات وآليات أكثر دقة لقياس الأثر البيئي، بما يسهم في تعزيز الشفافية، وتحسين كفاءة اتخاذ القرار الائتماني، وتسهيل تدفق التمويل إلى المشاريع المؤهلة.

وأشار إلى أن رفع مستوى الوعي لدى الشركات والأفراد بأهمية التمويل الأخضر وعوائده الاقتصادية طويلة الأجل يعد عاملا أساسيا في توسيع قاعدة المستفيدين، لافتا إلى أن العديد من المشاريع الخضراء لا تحقق أثرا بيئيا فقط، وإنما تسهم أيضا في تخفيض النفقات التشغيلية وتحسين الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات.

وأوضح أن توفير المزيد من الحوافز والضمانات وبرامج الدعم الفني سيشكل عاملا مهما في تخفيض المخاطر الاستثمارية، وتشجيع البنوك والمستثمرين على التوسع في تمويل المشاريع المستدامة، خاصة في القطاعات ذات الأولوية الوطنية.

وفيما يتعلق بالتنسيق بين جمعية البنوك والبنك المركزي الأردني، أكد وجود تعاون وثيق ومستمر في مختلف الملفات المرتبطة بالاستدامة والتمويل الأخضر، من خلال اللجان الفنية وورشات العمل وبرامج بناء القدرات والحوار المستمر مع البنوك العاملة في المملكة.

وأضاف إن جمعية البنوك تؤدي دورا محوريا في نقل ملاحظات البنوك ومقترحاتها إلى الجهات التنظيمية، بما يسهم في تطوير سياسات وتعليمات قابلة للتطبيق تراعي خصوصية السوق المصرفي الأردني، وتسهم في تسريع التحول نحو التمويل المستدام.

وأشار إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع مستوى الجاهزية المؤسسية لدى البنوك، وتعزيز إدماج المخاطر المناخية ضمن أنظمة إدارة المخاطر والائتمان، إضافة إلى تطوير المنتجات والخدمات المالية المرتبطة بالاستدامة، بما ينسجم مع التطورات العالمية في هذا المجال.

وأكد المحروق، أن توسيع الاستفادة من التمويل الأخضر يتطلب التركيز بصورة أكبر على الشركات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها تمثل شريحة واسعة من النشاط الاقتصادي في المملكة، من خلال تطوير منتجات تمويلية أكثر مرونة، وتوفير التمويل الميسر والضمانات التي تساعدها على الاستثمار في التقنيات الموفرة للطاقة والمياه.

وأضاف إن تعزيز الثقافة المالية والبيئية لدى مختلف شرائح المجتمع سيزيد من الطلب على المنتجات التمويلية الخضراء، خاصة مع تزايد إدراك الأفراد والشركات بأن هذه المشاريع تحقق وفورات اقتصادية مستدامة إلى جانب آثارها البيئية الإيجابية.

وأكد أن الاستدامة أصبحت اليوم توجها استراتيجيا لدى العديد من البنوك الأردنية، ولم تعد تقتصر على برامج المسؤولية المجتمعية، بل أصبحت جزءا من السياسات الائتمانية والاستثمارية وإدارة المخاطر، في ظل إدراك متزايد بأن التغيرات المناخية أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في استقرار الاقتصاد والقطاع المالي.

وتوقع المحروق أن يشهد التمويل الأخضر في الأردن نموا متسارعا خلال السنوات المقبلة، مدعوما بتطور التشريعات، وارتفاع الطلب على الاستثمار في قطاعات الطاقة المتجددة والمياه والنقل المستدام والبنية التحتية الخضراء، إلى جانب تنامي الاهتمام الدولي بتمويل المشاريع منخفضة الانبعاثات.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعا في استخدام أدوات التمويل المستدام، مثل السندات الخضراء والتمويل المرتبط بالاستدامة، فضلا عن تعزيز الشراكات مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، بما يسهم في استقطاب المزيد من الاستثمارات النوعية ودعم تنفيذ المشاريع الاستراتيجية.

وأكد أن البنوك الأردنية بدأت بالفعل بالانتقال من مرحلة الوعي بالمخاطر المناخية إلى مرحلة دمج الاعتبارات البيئية في عمليات التمويل وإدارة المخاطر، مع تزايد الاهتمام بتقييم الأثر البيئي للمشاريع وتشجيع الاستثمارات الأقل انبعاثا، لافتا إلى أن قياس البصمة الكربونية للمحافظ التمويلية ما يزال يتطلب المزيد من تطوير قواعد البيانات والمنهجيات الفنية، إلا أن الاتجاه العام للقطاع المصرفي واضح ويتمثل في تعزيز التمويل المستدام، ودعم المشاريع ذات الأثر البيئي الإيجابي، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية، ويعزز دور القطاع المصرفي في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ودعم مسيرة التحديث الاقتصادي في المملكة.

بترا – رائف الشياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى