
رقمنة
تسجل السعودية والإمارات وقطر تكاليف تنافسية لإنشاء مراكز البيانات مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية، وفق مؤشر Data Centre Construction Cost Index 2026–27 الصادر عن شركة Turner & Townsend، والذي يرصد تكاليف الإنشاء في 62 سوقًا حول العالم، استنادًا إلى بيانات أكثر من 500 مشروع قائم أو مكتمل حديثًا.
وتشير نتائج المؤشر إلى أن متوسط تكلفة إنشاء مراكز البيانات في الأسواق الخليجية الثلاث يبلغ نحو 9.93 دولار لكل واط من القدرة، وهو مستوى يقل عن المتوسطات المسجلة في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية. وجاءت الإمارات الأقل تكلفة بين الدول الخليجية الثلاث المشمولة بالدراسة، تلتها قطر ثم السعودية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية مع تصاعد الطلب على البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وما يصاحبه من توسع في الاستثمارات الموجهة إلى مراكز البيانات. وفي الوقت نفسه، تواجه المشروعات تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف العمالة والمواد، وتوافر الطاقة والمعدات المتخصصة، والقدرة على تنفيذ المشروعات وفق الجداول الزمنية المحددة.
الإمارات الأقل تكلفة خليجيًا
أظهر مؤشر Turner & Townsend أن تكلفة إنشاء مراكز البيانات في الإمارات تبلغ نحو 9.20 دولار لكل واط من القدرة، لتأتي في المرتبة 58 ضمن الأسواق الـ62 التي يغطيها المؤشر، وهي من بين الأسواق الأقل تكلفة عالميًا وفق التصنيف.
وجاءت قطر في المرتبة 53، بتكلفة تبلغ 9.80 دولار لكل واط، فيما سجلت السعودية تكلفة قدرها 10.80 دولار لكل واط، لتحتل المرتبة 40 في القائمة.
وتعكس هذه الأرقام تفاوت تكاليف إنشاء مراكز البيانات بين الأسواق الثلاثة، رغم انتمائها إلى منطقة جغرافية واحدة. كما توضح أن الإمارات تتمتع بأقل تكلفة إنشاء وفق المنهجية المستخدمة في المؤشر، بينما تأتي السعودية عند مستوى أعلى نسبيًا.
ولا يعني انخفاض تكلفة الإنشاء بالضرورة أن جميع عناصر الاستثمار في مراكز البيانات أقل تكلفة في السوق نفسها، إذ يعتمد المؤشر على تكلفة بناء القدرة الاستيعابية للمنشأة، ولا يشمل شراء الأراضي أو توصيل المرافق أو معدات تقنية المعلومات والحوسبة. ولذلك، فإن ترتيب الأسواق من حيث تكلفة الإنشاء لا يمثل بالضرورة ترتيبها من حيث إجمالي تكلفة المشروع أو العائد الاستثماري المتوقع.
الخليج أقل تكلفة من الأسواق الكبرى
بلغ متوسط تكلفة إنشاء مراكز البيانات في الأسواق الخليجية الثلاثة نحو 9.93 دولار لكل واط، مقارنة بنحو 12.76 دولار في أوروبا، و12.10 دولار في آسيا، و12.06 دولار في أمريكا الشمالية، وفق البيانات الواردة في التقرير.
وتشير المقارنة إلى أن منطقة الخليج توفر، وفق المؤشر، تكلفة إنشاء أقل من المتوسطات الإقليمية المذكورة، وهو ما قد يعزز جاذبيتها لدى الشركات التي تدرس توسيع قدراتها في مجال مراكز البيانات.
وتأتي هذه الميزة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب أحمال العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مع توسع استخدام التطبيقات التي تتطلب قدرة حاسوبية كبيرة وسرعات معالجة مرتفعة.
لكن تكلفة الإنشاء ليست العامل الوحيد الذي يحدد اختيار موقع مركز البيانات. فالشركات تحتاج أيضًا إلى تقييم توافر الكهرباء واستقرار الإمدادات، وسرعة توصيل المرافق، وتوافر الأراضي المناسبة، وسلاسل توريد المعدات، والعمالة المتخصصة، إلى جانب المتطلبات التنظيمية والتشغيلية.
وتكتسب هذه العوامل أهمية خاصة في المشروعات الكبيرة، التي قد تحتاج إلى سنوات من التخطيط والتنفيذ قبل بدء التشغيل التجاري. وبالتالي، فإن انخفاض تكلفة البناء يمثل عنصرًا من عناصر المفاضلة بين الأسواق، وليس ضمانًا مستقلًا لنجاح الاستثمار.
طوكيو تتصدر الأسواق الأعلى تكلفة
على المستوى العالمي، تصدرت طوكيو قائمة الأسواق الأعلى تكلفة لإنشاء مراكز البيانات، مسجلة 18.28 دولار لكل واط، لتحتفظ بالمركز الأول للعام الرابع على التوالي.
وجاءت أوساكا اليابانية في المرتبة التالية بتكلفة تبلغ 17.15 دولار لكل واط، ثم زيورخ السويسرية بتكلفة 15.93 دولار. وحلت سنغافورة في المرتبة التالية عند 15.39 دولار، تلتها منطقة Silicon Valley في الولايات المتحدة بتكلفة 15.01 دولار لكل واط.
وتوضح هذه الأرقام اتساع الفارق بين الأسواق الأعلى تكلفة وبعض الأسواق الناشئة التي تتمتع بظروف إنشاء أقل تكلفة. كما أشار التقرير إلى أن 17 سوقًا أوروبية و13 سوقًا في أمريكا الشمالية تمثل قرابة نصف الأسواق الواردة في قائمة المؤشر، وهو ما يعكس استمرار أهمية هذه المناطق في صناعة مراكز البيانات عالميًا.
وفي المقابل، سجلت شنغهاي الصينية تكلفة تبلغ 5.79 دولار لكل واط، ومومباي الهندية 6.83 دولار، ومدينة Ho Chi Minh الفيتنامية 8.32 دولار، وبوغوتا الكولومبية 9.13 دولار، لتظهر هذه الأسواق ضمن المواقع الأقل تكلفة في التصنيف.
ويعكس التباين بين الأسواق اختلاف ظروف البناء وتكاليف العمالة وسلاسل التوريد وتوافر الموارد اللازمة لتنفيذ المشروعات. كما أن الأسواق التي لا تزال في مراحل نمو قطاع مراكز البيانات قد تستفيد من توافر الأراضي والموارد أو انخفاض بعض تكاليف الإنشاء مقارنة بالأسواق الأكثر نضجًا.
الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على مراكز البيانات
يربط تقرير Turner & Townsend التوسع في إنشاء مراكز البيانات بالطلب المتزايد على القدرة الحاسوبية، خصوصًا مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي وزيادة الاعتماد على الخدمات السحابية.
وتتطلب النماذج المتقدمة ومراكز الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي تجهيزات تختلف في بعض جوانبها عن المنشآت التقليدية، بما يشمل كثافة أعلى للخوادم وأنظمة تبريد أكثر تطورًا، إلى جانب احتياجات كبيرة من الطاقة الكهربائية.
وتؤثر هذه المتطلبات في تصميم المنشآت وتكلفة تجهيزها، كما تزيد أهمية التخطيط المبكر للطاقة والتبريد والبنية التحتية اللازمة لتشغيل الأجهزة بكفاءة.
وفي الولايات المتحدة، يقدّر التقرير أن تكلفة إنشاء مراكز البيانات المصممة خصيصًا لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي تزيد بنحو 10% على تكلفة المنشآت التقليدية. ويرتبط ذلك بارتفاع كثافة الخوادم، ومتطلبات التبريد السائل، وضغط الجداول الزمنية للتنفيذ.
وسجلت بعض المنشآت الأمريكية الأكثر تقدمًا والمخصصة للذكاء الاصطناعي تكاليف إنشاء تتراوح بين 14 و16 دولارًا لكل واط، مقارنة بمتوسط يبلغ 12.08 دولار للسوق الأمريكية.
ولا ينبغي تعميم هذه النسبة مباشرة على الأسواق الخليجية، لأن تقدير الزيادة البالغ 10% يتعلق بالولايات المتحدة وفق التقرير. لكن المؤشر يوضح أن تصميم مراكز البيانات لاستيعاب أحمال الذكاء الاصطناعي يضيف متطلبات تقنية وتنفيذية قد ترفع التكلفة، ما يجعل المقارنة بين الأسواق مرتبطة أيضًا بنوع المنشأة وتجهيزاتها.
الإنفاق العالمي يقترب من 800 مليار دولار سنويًا
تشير تقديرات أوردتها Turner & Townsend، استنادًا إلى بيانات من PwC، إلى أن الإنفاق الرأسمالي العالمي على مراكز البيانات يبلغ حاليًا نحو 800 مليار دولار سنويًا، مع توقعات بارتفاعه إلى 1.8 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2050.
وتعكس هذه التقديرات حجم الاستثمارات المرتبطة بتوسيع البنية التحتية الرقمية، مع زيادة الطلب على القدرة الحاسوبية ومراكز البيانات التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
وتؤدي هذه الاستثمارات إلى زيادة المنافسة على الأراضي المناسبة ومصادر الطاقة والمعدات المتخصصة والعمالة المؤهلة. ومع توسع المشروعات، قد تصبح القدرة على تأمين الموارد في الوقت المناسب عاملًا حاسمًا في تحديد سرعة التنفيذ والتكلفة النهائية.
ويشير التقرير إلى أن نمو القطاع لا يلغي القيود التي تواجه تنفيذه، إذ قد تتسبب محدودية المقاولين المتخصصين أو تأخر توصيل الكهرباء أو نقص المعدات في تعطيل المشروعات وزيادة تكاليفها.
ومن هنا، لا يعتمد التنافس بين الأسواق على جذب الاستثمارات المعلنة فقط، وإنما يتطلب تهيئة الظروف اللازمة لتحويل الخطط إلى منشآت عاملة، مع توفير الطاقة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد المطلوبة.
نقص العمالة المتخصصة يضغط على تكاليف البناء
كشف التقرير أن 81% من المشاركين في المسح يرون أن توافر العمالة الماهرة يمثل قيدًا على تنفيذ المشروعات في أسواقهم، وهو ما يضع نقص الكفاءات ضمن أبرز التحديات التي تواجه قطاع مراكز البيانات.
وتشمل التخصصات الأكثر طلبًا أعمال الأنظمة الميكانيكية والكهربائية والسباكة، المعروفة اختصارًا باسم MEP، إلى جانب تنامي الحاجة إلى الخبرات الكهربائية مع اتجاه بعض المشروعات إلى إضافة قدرات لتوليد الطاقة داخل المواقع.
وتؤثر محدودية الكفاءات المتخصصة في قدرة المقاولين على تنفيذ عدة مشروعات بالتوازي، كما قد تزيد المنافسة على العمالة المتاحة من تكاليف التوظيف والتنفيذ.
ولا تقتصر التحديات على العمالة، إذ أشار التقرير إلى أن 52% من المشاركين واجهوا تضخمًا في التكاليف يتراوح بين 6% و15% خلال عام 2026. ويعكس ذلك استمرار الضغوط على تكاليف تنفيذ المشروعات، حتى مع استقرار بعض المؤشرات مقارنة بفترات سابقة.
وتبرز هذه البيانات أهمية بناء قاعدة من الموردين والمقاولين والعمالة المؤهلة محليًا، خصوصًا في الأسواق التي تستهدف جذب مشروعات كبيرة ومتزامنة. فوجود تمويل كافٍ وخطط استثمارية طموحة لا يضمن وحده سرعة التنفيذ إذا كانت الموارد الفنية والقدرات التشغيلية غير كافية.
توافر الطاقة يحدد قدرة الأسواق على التوسع
يمثل الوصول إلى الطاقة الكهربائية أحد العناصر الأساسية في تخطيط مراكز البيانات، خصوصًا المنشآت المخصصة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتطلب قدرات معالجة مرتفعة وأنظمة تبريد متقدمة.
وتؤثر القدرة على توفير الكهرباء وتوصيلها في اختيار مواقع المشروعات، وفي الجدول الزمني اللازم لتشغيلها، فضلًا عن تكاليف البنية التحتية التي قد تحتاج إليها المنشآت.
ومع توسع حجم مراكز البيانات وزيادة كثافة الخوادم، تصبح إدارة الطاقة والتبريد جزءًا محوريًا من تصميم المشروع، وليس مجرد مرحلة لاحقة للبناء.
ويعني ذلك أن الأسواق التي تتمتع بتكاليف إنشاء تنافسية تحتاج أيضًا إلى ضمان توافر مصادر الطاقة والقدرة على توصيلها في المواعيد المطلوبة، حتى تتمكن من الاستفادة من الطلب المتزايد على البنية التحتية الرقمية.
وتزداد أهمية التخطيط المتكامل في المشروعات الكبرى، إذ يمكن أن تؤدي التأخيرات في توصيل المرافق أو التغييرات في التصميم إلى رفع التكاليف وتقليل المزايا المتوقعة من وفورات الحجم.
وفورات الحجم لا تضمن دائمًا تكلفة أقل
أشار التقرير إلى أن المشروعات الأكبر حجمًا لم تعد تضمن بالضرورة انخفاض تكلفة الإنشاء لكل واط، رغم أن زيادة الحجم كانت تُعد تقليديًا وسيلة لتحقيق وفورات في التكاليف.
ويرتبط ذلك بمجموعة من العوامل، من بينها اختلال التوازن بين العرض والطلب في سوق المقاولين، والحاجة إلى تصميمات أكثر مرونة لاستيعاب التطورات التقنية المستقبلية، وارتفاع المخاطر المرتبطة بالجداول الزمنية للمشروعات الضخمة.
كما قد تؤدي التغييرات في متطلبات الطاقة والتصميم ونطاق العمل أثناء التنفيذ إلى زيادة التعقيد والتكلفة، خصوصًا عندما تتزامن عدة مشروعات كبيرة على الموارد نفسها.
وتشير هذه المعطيات إلى أن نجاح المشروعات لا يعتمد على حجم الاستثمار وحده، وإنما على القدرة على إدارة المخاطر والتخطيط المبكر وتأمين الموردين والموارد الأساسية.
وبالنسبة إلى الأسواق الخليجية، فإن انخفاض تكلفة الإنشاء وفق المؤشر يمثل ميزة تنافسية أولية، لكن تحويلها إلى ميزة مستدامة يتطلب معالجة تحديات الطاقة والعمالة وسلاسل التوريد، إلى جانب بناء منظومة تنفيذ قادرة على تلبية الطلب المتوقع.
السعودية والإمارات وقطر أمام فرص النمو
تمنح التكاليف المسجلة في السعودية والإمارات وقطر هذه الأسواق موقعًا تنافسيًا ضمن خريطة إنشاء مراكز البيانات العالمية، خاصة مع تصاعد الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وتشير Turner & Townsend إلى أن انخفاض تكاليف الإنشاء والطاقة نسبيًا، إلى جانب الدعم الحكومي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يمكن أن يعزز فرص المنطقة في جذب مشروعات جديدة.
وفي السعودية، تتجه مبادرات مثل HUMAIN إلى تطوير قدرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة له. وفي الإمارات، تتواصل الاستثمارات في مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية واسعة النطاق من خلال شركات ومشروعات من بينها G42 وKhazna.
وتعكس هذه التحركات أهمية البنية التحتية الرقمية في خطط تطوير الاقتصاد، مع تزايد الحاجة إلى قدرات محلية تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
ومع ذلك، فإن الاستفادة من الفرص المتاحة تتطلب أكثر من انخفاض تكلفة البناء؛ إذ تحتاج الأسواق إلى توفير الكهرباء والمعدات والمقاولين المتخصصين، وتطوير سلاسل الإمداد، ورفع قدرة القطاع على تنفيذ المشروعات وفق الجداول الزمنية المحددة.
وتوضح نتائج المؤشر أن المنافسة العالمية على مراكز البيانات أصبحت مرتبطة بمجموعة من العناصر المتداخلة، تشمل التكلفة والطاقة والعمالة والجاهزية التشغيلية. وبالنسبة إلى الخليج، فإن الحفاظ على الميزة السعرية يتوقف على القدرة على تلبية هذه المتطلبات مع استمرار نمو الطلب العالمي.
جولة



