الاقتصادطاقة ونفط ومعادن

السعودية تعيد رسم مسارات صادرات النفط وسط اضطرابات الملاحة في الخليج والبحر الأحمر

رقمنة

تعيد السعودية توجيه صادراتها النفطية عبر موانئها على الخليج العربي والبحر الأحمر، في ظل اضطرابات الملاحة البحرية والتحديات الأمنية التي تواجه طرق نقل الطاقة في المنطقة، ما أدى إلى تغير مسارات شحن الخام المتجه إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، وزيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب والمنافذ البديلة للحفاظ على تدفق الإمدادات.

وتكشف بيانات شركة كبلر (Kpler)، المتخصصة في تتبع حركة السفن وتدفقات الطاقة، عن تراجع شحنات الخام السعودي العابرة لمضيق باب المندب إلى مستويات تقترب من الصفر خلال أكتوبر/ تشرين الأول، بالتزامن مع تحول الناقلات إلى المسار الشمالي للبحر الأحمر، مرورًا بالموانئ المصرية وقناة السويس، بدلًا من الإبحار جنوبًا نحو الأسواق الآسيوية.

وتعكس هذه التحولات أهمية البنية التحتية السعودية لنقل النفط، خصوصًا خط أنابيب شرق-غرب، الذي يربط مناطق الإنتاج في شرق المملكة بمرافق التصدير على ساحل البحر الأحمر، ويوفر بديلًا لشحن النفط عبر مضيق هرمز. كما تبرز الدور المتزايد لقناة السويس وخط أنابيب سوميد المصري في إعادة توزيع إمدادات الخام بين الأسواق، وسط مخاوف من تأثير أي اضطرابات إضافية في صادرات الديزل ووقود الطائرات إلى أوروبا.

تعافي صادرات رأس تنورة

أظهرت بيانات كبلر الصادرة في 20 أكتوبر/ تشرين الأول أن متوسط صادرات السعودية من النفط الخام بلغ 5.6 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من الشهر، منها 3 ملايين برميل يوميًا عبر ميناء رأس تنورة على الخليج العربي، و2.3 مليون برميل يوميًا عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر.

ورغم التحسن الذي سجلته الصادرات خلال بعض الأسابيع، حذر همايون فلاكشاهي، المدير الأول لقطاع الاستكشاف والإنتاج في شركة كبلر (Kpler)، في تصريحات لفوربس الشرق الأوسط، من اعتبار التقلبات الأسبوعية دليلًا على تعافٍ مستدام، خصوصًا مع استمرار التغيرات في مستويات التحميل بين الموانئ السعودية.

وتوضح البيانات حجم التقلبات في الصادرات السعودية، إذ ارتفعت من 4 ملايين برميل يوميًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 14 سبتمبر/ أيلول إلى 9.4 مليون برميل يوميًا في الأسبوع التالي.

وخلال الأسبوع الذي بدأ في 5 أكتوبر/ تشرين الأول، بلغت كميات الخام المحملة على الناقلات 7.2 مليون برميل يوميًا، منها 4.1 مليون برميل من رأس تنورة و3.1 مليون برميل من ينبع.

وارتفع الإجمالي إلى 8.3 مليون برميل يوميًا في الأسبوع التالي، بواقع 4.3 مليون برميل من رأس تنورة و3.1 مليون برميل من ينبع، إلى جانب نحو مليون برميل يوميًا لم تتمكن البيانات الأولية من تحديد محطة التحميل التي صدرت منها.

في المقابل، أظهرت التقديرات الأولية للأسبوع الذي بدأ في 19 أكتوبر/ تشرين الأول انخفاض الكميات المحملة إلى 3.1 مليون برميل يوميًا، منها 2.5 مليون برميل من ينبع و500 ألف برميل من رأس تنورة، لكن فلاكشاهي شدد على أن هذه البيانات لم تكن مكتملة بعد، وبالتالي لا يمكن اعتبارها مؤشرًا نهائيًا على تراجع الصادرات.

وأوضح أن الكميات التي لم تُنسب إلى محطة تصدير محددة، والبالغة نحو مليون برميل يوميًا في الأسبوع الذي بدأ في 12 أكتوبر/ تشرين الأول، كانت قد سجلت مستويات مماثلة خلال معظم أغسطس/ آب، مرجحًا ارتباطها بميناء ينبع، ما يعني أن مساهمة الميناء الفعلية في الصادرات قد تكون أعلى من الأرقام المعلنة في بيانات التتبع.

وعند سؤاله عما إذا كان ارتفاع الصادرات خلال أكتوبر/ تشرين الأول يشير إلى تعافٍ مستدام، أجاب فلاكشاهي: “ليس بعد، من وجهة نظرنا”.

وأوضح أن التحسن يرجع أساسًا إلى استعادة ميناء رأس تنورة نشاطه، بعدما كان متوقفًا فعليًا عن العمل من أبريل/ نيسان حتى منتصف يونيو/ حزيران، قبل استئناف العمليات في أواخر يونيو/ حزيران، ثم تراجع متوسط التحميل مجددًا إلى نحو مليون برميل يوميًا خلال أغسطس/ آب.

وأضاف أن صادرات رأس تنورة عادت إلى مستوى يقارب 4 ملايين برميل يوميًا منذ منتصف سبتمبر/ أيلول.

أما ميناء ينبع، فلم يستعد حتى الآن مستويات التصدير التي سجلها في وقت سابق من العام.

وقال فلاكشاهي إن “ينبع يقدم صورة مختلفة”، موضحًا أن متوسط كميات الخام المحملة عبر الميناء بلغ نحو 4 ملايين برميل يوميًا من أبريل/ نيسان حتى منتصف يونيو/ حزيران، عندما أصبح المنفذ الرئيسي لصادرات النفط السعودية.

لكن الكميات انخفضت لاحقًا إلى ما بين 700 ألف و1.2 مليون برميل يوميًا خلال عدة أسابيع من أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول، قبل أن ترتفع إلى نحو 3.1 مليون برميل يوميًا في أكتوبر/ تشرين الأول.

ولخص فلاكشاهي هذا التباين بقوله: “الجانب المطل على الخليج يتعافى، بينما لم يعد الجانب المطل على البحر الأحمر إلى المستويات التي سجلها خلال الربيع”.

خطوط الأنابيب تعزز مرونة التصدير

تعتمد قدرة السعودية على تغيير مسارات صادراتها النفطية على شبكة خطوط الأنابيب التي تربط مناطق الإنتاج ومرافق التخزين بموانئ التصدير، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق-غرب، الذي يتيح نقل الخام من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، بما يقلل الاعتماد على مرور الناقلات عبر مضيق هرمز.

وتكتسب هذه الشبكة أهمية خاصة في فترات اضطراب الملاحة، إذ تسمح للمملكة بتغيير نقطة خروج النفط إلى الأسواق العالمية بحسب الظروف الأمنية والتشغيلية، بدلًا من الاعتماد الكامل على مسار بحري واحد.

ووفقًا لبيانات كبلر، تعرضت محطة ضخ واحدة على الأقل ضمن خط أنابيب شرق غرب لأضرار جسيمة نتيجة هجوم بطائرة مسيرة خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر/ أيلول، ما تسبب في اضطراب تدفقات النفط باتجاه الساحل الغربي للمملكة.

واستؤنفت عمليات تحميل الخام من موانئ الساحل الغربي في 17 سبتمبر/ أيلول، فيما أشار تحليل كبلر إلى أن خط الأنابيب كان قد عاد إلى العمل بحلول 22 سبتمبر/ أيلول على أبعد تقدير.

وبلغت كميات الخام المؤكد تحميلها 42 مليون برميل خلال الفترة من 17 سبتمبر/ أيلول إلى 4 أكتوبر/ تشرين الأول.

وأظهرت صور الرادار الملتقطة في 4 أكتوبر/ تشرين الأول وجود ناقلتي نفط في ميناء ينبع، إلى جانب إشغال أرصفة التحميل الثلاثة في مرافق المعجز النفطية، ما يعكس استئناف نشاط التصدير عبر الساحل الغربي.

وفي 6 أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن كميات النفط التي يجري ضخها عبر خط أنابيب شرق-غرب إلى مركز التصدير في ينبع بلغت 5.8 مليون برميل.

وفي 12 أكتوبر/ تشرين الأول، كشف الوزير عن خطط لزيادة الطاقة الاستيعابية لخطوط أنابيب تصدير الخام في المملكة إلى ما يصل إلى 10 ملايين برميل يوميًا خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة.

وخلال مشاركته في مؤتمر البترول العالمي بالرياض، أوضح أن تحويل خط أنابيب مخصص لنقل الغاز محليًا بصورة مؤقتة لاستخدامه في نقل النفط الخام يمكن أن يضيف طاقة نقل تبلغ 1.2 مليون برميل يوميًا خلال فترة تتراوح بين سبعة وثمانية أسابيع.

وأشار إلى أن استثمارات إضافية قد ترفع الطاقة الاستيعابية بما يصل إلى 3 ملايين برميل يوميًا.

وبموجب هذه الترتيبات، يمكن لشركة ارامكو السعودية استخدام خط الأنابيب المحول لنقل الخام حتى مايو/ أيار، قبل إعادته إلى وظيفته الأصلية في نقل الغاز، بينما توفر التوسعات المخطط لها في شبكة شرق-غرب خيارات إضافية لتصدير النفط عند تعطل طرق الشحن البحرية.

وقال راهول تشودري، نائب رئيس أبحاث النفط والغاز في شركة ريستاد إنرجي (Rystad Energy)، لفوربس الشرق الأوسط، إن السعودية أظهرت “مرونة حقيقية” في إعادة تنظيم عمليات تصدير النفط مع تصاعد المخاطر التي تواجه طرق الملاحة الإقليمية.

وأوضح أنه عندما أُغلق مضيق هرمز في مارس/ آذار، حولت المملكة جزءًا كبيرًا من شحناتها إلى ميناء ينبع، ما رفع كميات الخام المحملة عبره من أقل من مليون برميل يوميًا إلى أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا.

وبعد فرض الحوثيين حصارًا على مضيق باب المندب في يوليو/ تموز، أعادت الرياض توجيه شحنات ينبع شمالًا عبر خط أنابيب سوميد المصري، الذي يربط منطقة العين السخنة على البحر الأحمر بسيدي كرير على ساحل البحر المتوسط، ويوفر مسارًا لنقل النفط بين البحرين دون الحاجة إلى عبور الناقلات قناة السويس بكامل رحلتها.

وعندما تعرض خط أنابيب شرق-غرب للهجوم في سبتمبر/ أيلول، نقلت السعودية جزءًا من عمليات التصدير مجددًا إلى موانئها الشرقية، ما أدى إلى زيادة كميات الخام المحملة عبر الخليج العربي بنحو 3 ملايين برميل يوميًا خلال أسابيع، وفقًا لتشودري.

لكن هذه المرونة تظل مرتبطة باستمرار عمل أحد المسارين الرئيسيين على الأقل.

وحذر تشودري من أن تعرض خط أنابيب شرق غرب ومضيق هرمز لاضطرابات مستمرة في الوقت نفسه سيمثل تهديدًا خطيرًا لصادرات النفط السعودية، لأنه سيحد بصورة كبيرة من قدرة المملكة على التحول بين منافذ التصدير الرئيسية.

ولتقليل هذه المخاطر، تدرس الرياض إنشاء خط أنابيب يمتد عبر صحراء الربع الخالي وصولًا إلى ميناء الدقم في سلطنة عمان، بما يتيح تصدير الخام مباشرة عبر بحر العرب، دون الحاجة إلى المرور بمضيقي هرمز وباب المندب.

 

وأشار تشودري إلى أن موقع الدقم على بحر العرب، على مسافة تقارب 650 كيلومترًا من الساحل الإيراني، يجعل استهداف محطة التصدير هناك أكثر صعوبة مقارنة بالمنافذ الواقعة بالقرب من مناطق التوتر الرئيسية.

توقف شحنات الخام السعودي عبر باب المندب

تراجعت حركة شحنات النفط الخام السعودي عبر مضيق باب المندب إلى مستويات شبه معدومة، بعدما دفعت التهديدات الأمنية شركات الشحن ومالكي الناقلات إلى تجنب المرور عبر المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويشكل أحد الممرات الرئيسية لحركة التجارة والطاقة بين أوروبا وآسيا.

ووفقًا لبيانات كبلر، بلغ متوسط شحنات الخام السعودي العابرة للمضيق نحو 3.2 مليون برميل يوميًا خلال الفترة من منتصف مارس/ آذار إلى منتصف يوليو/ تموز، عندما كان ميناء ينبع يؤدي دورًا رئيسيًا في توجيه الصادرات السعودية نحو المشترين الآسيويين.

لكن الكميات تراجعت إلى نحو 500 ألف برميل يوميًا خلال أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول، قبل أن تنخفض إلى مستويات تقترب من الصفر في أكتوبر/ تشرين الأول.

وسجلت الشحنات السعودية العابرة للمضيق نحو 290 ألف برميل يوميًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 5 أكتوبر/ تشرين الأول، بينما لم ترصد كبلر أي شحنات من الخام السعودي عبر المضيق خلال الأسبوعين التاليين.

 

ولا يعني ذلك توقف الصادرات النفطية السعودية من البحر الأحمر، وإنما تغير وجهتها ومسارها، إذ أصبحت الناقلات التي تحمل الخام من ينبع تتجه شمالًا نحو الموانئ المصرية وقناة السويس، بدلًا من المرور جنوبًا عبر باب المندب للوصول إلى الأسواق الآسيوية.

وفي الأسبوع الذي بدأ في 19 أكتوبر/ تشرين الأول، بلغ إجمالي تدفقات النفط الخام المتجهة جنوبًا عبر باب المندب نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، مقارنة بمتوسط بلغ 2.4 مليون برميل يوميًا قبل الحرب، ومستوى قياسي وصل إلى 5.9 مليون برميل يوميًا خلال الفترة من مارس/ آذار إلى يوليو/ تموز.

وتكونت الشحنات المتبقية بصورة رئيسية من النفط الروسي، الذي تراوحت كمياته بين 1.3 مليون و1.7 مليون برميل يوميًا في المتوسط، إلى جانب كميات أقل من الخام السوداني والليبي.

وقال فلاكشاهي إن “النفط الخام السعودي المحمل من ينبع لم يعد يمر عبر باب المندب بكميات ذات أهمية فعلية”.

وأضاف: “إنه يتجه شمالًا نحو العين السخنة وقناة السويس، وهو ما يتوافق مع تجنب مالكي الناقلات المرور عبر المضيق بسبب تهديد الحوثيين، ويعني أن مسار التصدير عبر البحر الأحمر أصبح يعتمد على الطاقة الاستيعابية للمنافذ المرتبطة بقناة السويس، بدلًا من إمكانية الوصول إلى آسيا عبر المسار الجنوبي”.

 

وتوضح هذه التطورات أن أهمية المسار السعودي عبر البحر الأحمر لم تتراجع بالضرورة، وإنما تغيرت وظيفته في شبكة التجارة النفطية، من منفذ يتيح الوصول المباشر إلى آسيا عبر باب المندب، إلى طريق بديل يخدم حركة الخام باتجاه الشمال والأسواق المرتبطة بالبحر المتوسط.

وفي الاتجاه المقابل، لم تُسجل شحنات من الخام السعودي متجهة شمالًا عبر باب المندب منذ مارس/ آذار.

أما تدفقات الخام العراقي عبر المضيق، فقد ارتفعت إلى متوسط يقارب 500 ألف برميل يوميًا خلال الفترة من منتصف أغسطس/ آب إلى منتصف أكتوبر/ تشرين الأول، مقارنة بنحو 300 ألف برميل يوميًا قبل الحرب، رغم استمرار التقلبات الكبيرة في الكميات المسجلة أسبوعيًا.

ارتفاع إمدادات النفط إلى أوروبا

بدأت المصافي الأوروبية استقبال كميات أكبر من النفط الخام القادم من الشرق الأوسط، مع تعافي حركة الشحن عبر قناة السويس، ما ساهم في زيادة المعروض من بعض أنواع الخام في الأسواق الأوروبية، وفرض ضغوطًا هبوطية على فروق أسعارها مقارنة بخام برنت، رغم استمرار ارتفاع تكاليف النقل البحري.

وتشير فروق الأسعار في أسواق النفط إلى مقدار الزيادة أو الخصم الذي يُباع به نوع معين من الخام مقارنة بسعر خام مرجعي، مثل برنت، وتتأثر هذه الفروق بجودة النفط، ومحتواه من الكبريت، ومستويات العرض والطلب، وتكاليف النقل والتأمين.

 

وبحسب بيانات كبلر، تراجعت كميات الخام الشرق أوسطي الواصلة إلى أوروبا إلى نحو 400 ألف برميل يوميًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 21 سبتمبر/ أيلول، قبل أن تتعافى إلى 1.4 مليون برميل يوميًا في الأسبوع الذي بدأ في 12 أكتوبر/ تشرين الأول.

وكان من المتوقع ارتفاع الكميات إلى 1.7 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع الذي بدأ في 19 أكتوبر/ تشرين الأول، مقارنة بنحو 1.2 مليون برميل يوميًا في أوائل سبتمبر/ أيلول.

وجاء هذا التعافي مدفوعًا بصورة رئيسية بزيادة الشحنات العابرة لقناة السويس، التي شكلت نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من إجمالي الكميات الواصلة إلى أوروبا خلال الأسبوع الذي بدأ في 19 أكتوبر/ تشرين الأول.

في المقابل، انخفضت الكميات المنقولة عبر محطة سيدي كرير المصرية من نحو 300 ألف برميل يوميًا في أواخر سبتمبر/ أيلول إلى أقل من 100 ألف برميل يوميًا.

ويشير هذا التراجع إلى أن النفط المنقول عبر خط أنابيب سوميد لا يزال يتجه بصورة رئيسية إلى الأسواق الآسيوية، رغم تنامي دور الممرات المصرية في إعادة توزيع تدفقات الخام بين مناطق الاستهلاك.

 

وفي ظل تحسن الإمدادات، أصدرت أرامكو السعودية مخصصات توريد لشهر نوفمبر/ تشرين الثاني إلى ثلاث مصافٍ أوروبية على الأقل، كما عرضت شحنات للبيع الفوري من ميناء ينبع ومحطة سيدي كرير، بعد أسابيع من إلغاء بعض الشحنات أو تأجيل تسليمها.

وتختلف مخصصات التوريد عن الشحنات الفورية، إذ تشير الأولى إلى الكميات التي تخصصها الشركات المنتجة لعملائها بموجب ترتيبات توريد قائمة، بينما تُطرح الشحنات الفورية للبيع في السوق لتسليمها خلال فترة محددة، وفقًا لظروف العرض والطلب والأسعار السائدة.

وبدأت زيادة المعروض تنعكس على أسعار بعض أنواع الخام في منطقة البحر المتوسط.

فقد انخفضت علاوة سعر خام البصرة المتوسط العراقي عند تسليمه إلى ميناء أوغوستا الإيطالي إلى ما بين دولار و3 دولارات للبرميل فوق سعر خام برنت المؤرخ، مقارنة بعلاوة تراوحت بين 5.5 و6.5 دولار للبرميل قبل أسبوع واحد.

 

وجرى احتساب هذه الأسعار على أساس التكلفة والتأمين والشحن (CIF)، وهو أساس تسعير يشمل تكلفة الخام ونقله والتأمين عليه حتى ميناء الوصول المحدد.

أما خام برنت المؤرخ (Dated Brent)، فهو أحد المؤشرات المرجعية المستخدمة لتسعير شحنات النفط الخام الفعلية في الأسواق العالمية، خصوصًا في أوروبا وحوض الأطلسي.

وتعكس هذه التحركات انخفاض العلاوة السعرية التي يدفعها المشترون الأوروبيون للحصول على خام البصرة المتوسط، مع تحسن توافر الإمدادات، رغم أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين لا يزال يمثل عامل ضغط على تكلفة استيراد النفط.

وتتوقع كبلر استمرار الضغوط الهبوطية على أسعار الخامات الكبريتية خلال الأسبوعين التاليين، مع وصول مخصصات التوريد الخاصة بشهر نوفمبر/ تشرين الثاني.

 

ويُقصد بالخامات الكبريتية أنواع النفط التي تحتوي على نسب مرتفعة نسبيًا من الكبريت، مقارنة بالخامات الحلوة منخفضة الكبريت، ما يجعل معالجتها تتطلب تجهيزات تكرير مناسبة لإزالة الكبريت وإنتاج مشتقات نفطية مطابقة للمواصفات البيئية.

ورغم الضغوط على الأسعار، يُرجح أن تواصل المصافي الأوروبية إعطاء الأولوية للخامات المتوسطة خلال نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول، بهدف زيادة إنتاج الديزل والمشتقات النفطية متوسطة التقطير، في ظل ارتفاع هوامش أرباح الديزل مقارنة بالبنزين.

وتشمل المشتقات متوسطة التقطير المنتجات التي تُستخرج خلال عمليات تكرير النفط في نطاقات حرارية متوسطة، ومن أبرزها الديزل ووقود الطائرات، وهي منتجات ترتبط بالطلب في قطاعات النقل والصناعة والطيران والتدفئة.

وتظل احتمالات تجدد الهجمات على حركة الشحن في الخليج العربي، أو انخفاض كميات الخام المحملة في موانئ الشرق الأوسط، أو فرض قيود إضافية على المرور عبر الممرات البحرية، من أبرز المخاطر التي تهدد استمرار تحسن الإمدادات الأوروبية.

مخاطر تهدد إمدادات الديزل ووقود الطائرات

رغم تعافي تدفقات النفط الخام إلى أوروبا، لا تزال إمدادات الديزل ووقود الطائرات معرضة لمخاطر الاضطراب، خصوصًا مع اعتماد جزء من صادرات المنتجات النفطية السعودية على المصافي الواقعة على ساحل البحر الأحمر، التي تتلقى احتياجاتها من الخام عبر خط أنابيب شرق غرب.

وقبل الهجوم الذي استهدف خط الأنابيب في سبتمبر/ أيلول، كانت المصافي السعودية على الساحل الغربي تصدر نحو 400 ألف برميل يوميًا من المنتجات النفطية المكررة، معظمها من زيت الغاز والديزل ووقود الطائرات، وكانت أوروبا من أبرز وجهاتها.

ويُستخدم مصطلح زيت الغاز (Gasoil) للإشارة إلى مجموعة من المشتقات النفطية متوسطة التقطير التي تدخل في إنتاج وقود الديزل أو تُستخدم لأغراض صناعية وتدفئة، بحسب مواصفات المنتج والسوق المستهدفة.

وكانت الطاقة التصديرية للمنتجات المكررة قد تعرضت لضغوط إضافية بعد توقف مصفاة جازان، التي تبلغ طاقتها التكريرية 400 ألف برميل يوميًا، عقب هجمات الحوثيين في يوليو/ تموز.

 

وقال تشودري إن “أي اضطراب جديد في ينبع سيؤثر مباشرة في إمدادات الديزل ووقود الطائرات إلى أوروبا”، موضحًا أن المصافي السعودية الواقعة على الساحل الغربي تعتمد على النفط الخام المنقول عبر خط أنابيب شرق غرب لتشغيل وحداتها الإنتاجية.

وتعني هذه العلاقة أن تعطل إمدادات الخام لا يقتصر تأثيره على صادرات النفط غير المكرر، بل يمكن أن يمتد إلى إنتاج المشتقات النفطية وتصديرها، حتى لو ظلت بعض الموانئ ومرافق الشحن قادرة على العمل.

ووفقًا لتشودري، ظلت صادرات الديزل من الشرق الأوسط خلال سبتمبر/ أيلول أقل بنسبة 27% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

وكان منتجو النفط في منطقة الخليج قد صدروا نحو 3.3 مليون برميل يوميًا من المنتجات النفطية المكررة خلال عام 2025، شكل الديزل ووقود الطائرات جزءًا كبيرًا منها، ما يبرز أهمية المنطقة في تلبية الطلب العالمي على وقود النقل والطيران.

وتوفر المخزونات النفطية للمصافي السعودية الواقعة على الساحل الغربي قدرة تقديرية على مواصلة التشغيل لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أسابيع في حال انقطاع إمدادات الخام.

لكن استمرار التعطل لفترة أطول قد يضطر المصافي إلى خفض الإنتاج وتقليص صادرات المنتجات المكررة، في وقت يتزايد فيه الطلب الأوروبي على وقود التدفئة مع اقتراب ذروة الاستهلاك الموسمي خلال فصل الشتاء.

وبذلك، لا تقتصر تداعيات التحولات في مسارات صادرات النفط السعودية على تغيير وجهات شحن الخام بين أوروبا وآسيا، بل تمتد إلى توافر المنتجات المكررة وتكاليف الإمداد وأسعار النفط في الأسواق المستوردة، مع استمرار ارتباط استقرار التدفقات بسلامة خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البحرية الرئيسية.

 

ترجمة: مهند أنسي

فوربس الشرق الاوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى