
رقمنة
*محمد المحتسب
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وما تشهده منطقة الشرق الأوسط من حالة عدم يقين جيوسياسي، لم يعد النقاش حول رأس المال الجريء يقتصر على حجم التمويل المتاح فحسب، بل بات يتمحور حول كفاءة تخصيص هذا التمويل، وقدرته على توليد قيمة اقتصادية مستدامة.
ان هذا التحول يعكس مرحلة جديدة في تطور منظومة الابتكار، ويعيد تعريف دور المؤسسات الاستثمارية، لا سيما الصناديق السيادية، من كونها مجرد مزود للسيولة إلى لاعب استراتيجي مسؤول عن بناء أسواق قادرة على الصمود والنمو.
تشير البيانات إلى ان سوق رأس المال الجريء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهد نضجاً تدريجياً خلال السنوات السابقة، حيث بلغت الاستثمارات نحو 3.8 مليار دولار في عام 2025 عبر مئات الصفقات، مدفوعة بزيادة ملحوظة في مشاركة المستثمرين الدوليين الذين شكلوا قرابة 50% من إجمالي التدفقات، إلا أن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي وراءها تحدياً هيكلياً يتمثل في استدامة هذا الزخم، خصوصاً في ظل توجه المستثمرين بشكل عام نحو إعادة تسعير المخاطر، واحتمالية تراجع شهية المستثمرين الدوليين بشكل خاص تجاه أسواق منطقة الشرق الأوسط على المدى القصير وربما المتوسط.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني نهج أكثر دقة في توجيه رأس المال في المنطقة، يقوم على الكفاءة والمرونة بدلاً من التوسع الكمي. حيث لم يعد التمويل بحد ذاته معيار النجاح، بل كيفية تصميمه وتوزيعه لتعظيم الأثر الاقتصادي والاستدامة المبنية على الجدوى، وهذا يتطلب ربط الاستثمارات بمؤشرات أداء جدوى واضحة، والتركيز على الشركات ذات القدرة الحقيقية على النمو والتوسع، إلى جانب تقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
في هذا الإطار، يكتسب دور الصناديق السيادية وصناديق الصناديق أهمية مضاعفة، فهذه الأدوات لا تقتصر على توفير التمويل، بل تسهم في إعادة تشكيل هيكل السوق، من خلال تحفيز مشاركة رأس المال الخاص، وتوزيع المخاطر، وخلق مسارات تمويل متكاملة تغطي مختلف مراحل نمو الشركات الناشئة، حيث تؤكد تجارب الأسواق الناشئة، مدعومة بدراسات البنك الدولي، أن كل دولار من التمويل المؤسسي يمكنه أن يستقطب عدة أضعافه من الاستثمارات الخاصة إذا ما تم توظيفه ضمن هيكل استثماري ذكي ومدروس.
غير أن التحدي في المنطقة لا يرتبط فقط بجانب التمويل، بل بخصائص الأسواق ذاتها، فغالبية الشركات الناشئة تنطلق من أسواق محلية محدودة، ما يفرض عليها تحقيق معدلات نمو مرتفعة ضمن بيئات غير مهيأة بالكامل للتوسع.
وعليه، يصبح التكامل الإقليمي ضرورة اقتصادية ملحة،، إن تسهيل تدفقات رأس المال، وتعزيز الترابط بين الأسواق الرئيسية مثل عمّان والجليج والمشرق، من شأنه أن يخلق سوقاً إقليمية أكثر عمقاً، قادرة على احتضان شركات تكنولوجية ذات تنافسية عالمية.
وفي هذا المشهد ، أعتقد أن الأردن يمتلك موقعاً فريداً يمكنه من لعب دور محوري في منظومة اقتصاد الابتكار الإقليمي مستنداً إلي مرونته في امتصاص الصدمات الإقليمية (صندوق النقد الدولي يتوقع نمر الاقتصاد على الرغم من الأزمة بنسبة ٢،٧٪ في ٢٠٢٦ و ٣،١٪ في ٢٠٢٧) مدعوماً بوجود كفاءات منافسة و قوى عاملة مستقرة محلياً إلى جانب كلف تشغيلية مناسبة وقربه من أسواق الخليخ والمشرق.
بالتوازي، تظل البيئة التشريعية المحلية عاملاً حاسماً في تحديد جاذبية الاستثمار. فتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتطوير أطر التخارج، وتبني أدوات مالية حديثة مثل السندات القابلة للتحويل، تشكل عناصر أساسية لرفع كفاءة السوق. كما أن الاستقرار التشريعي والوضوح التنظيمي يمثلان شرطاً ضرورياً لجذب المستثمرين الدوليين، الذين يضعون تقليل المخاطر التشريعية في صلب قراراتهم الاستثمارية.
ولتعزيز الدور المحوري لرأس المال البشري في هذه المعادلة. فان التحدي لم يعد في الكم، بل في نوعية المهارات ومواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. إن التركيز في التعليم على مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات المتقدمة، لم يعد خياراً ، بل ضرورة استراتيجية (وربما سيادية) لضمان قدرة الشركات الناشئة في المنطقة على المنافسة عالمياً، وليس فقط محلياً.
في المحصلة، يتضح أن مستقبل اقتصاد الابتكار في الأردن والمنطقة في الفترة القادمة لن يُقاس بحجم رأس المال المتاح، بل بمدى كفاءة ” هندسته ” وقدرته على التكيف مع الأزمات وإعادة التموضع.
ان الفرصة الحقيقية تكمن في بناء منظومة متكاملة تتقاطع فيها الاستثمارات الذكية مع بيئة تنظيمية ممكنة، ورأس مال بشري مؤهل، وأسواق إقليمية مترابطة.
المرحلة القادمة تتطلب انتقالاً واضحاً من عقلية “ضخ التمويل” إلى عقلية “بناء السوق” مع تخفيف أثر صدمة الأزمات. هذا التحول، إذا ما تم تنفيذه بفعالية، لن يقتصر أثره على دعم الشركات الناشئة فحسب، بل سيمتد ليعيد تشكيل الاقتصاد الرقمي في المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو المستدام.
*الرئيس التنفيذي للصندوق الاردني للريادة ” ISSF”
المصدر : صحيفة الرأي اليومية



