
رقمنة
* الاستاذ الدكتور عزام سليط
أصبحت الرقمنة عنوانًا بارزًا لعصرنا، حتى بدا وكأنها الحل السحري لكل تحديات المؤسسات. غير أن هذا التصور، على جاذبيته، يخفي حقيقة أكثر تعقيدًا: الرقمنة ليست قيمة مطلقة، بل أداة قد تكون نافعة أو ضارة بحسب طريقة توظيفها.
حين تُطبّق الرقمنة دون رؤية واضحة، تتحول من وسيلة للتطوير إلى عبء إداري ومالي. فالمؤسسة التي تُدخل أنظمة رقمية فقط لمواكبة الآخرين، دون أن تعالج مشكلاتها الحقيقية، تجد نفسها أمام واجهات حديثة تخفي خلفها نفس التعقيدات القديمة. بل إن هذه الأنظمة قد تضيف طبقة جديدة من التعقيد، فتُبطئ العمل بدل أن تُسرّعه.
كما أن الكلفة تمثل عاملًا حاسمًا. فالتحول الرقمي يتطلب استثمارات في البنية التحتية والتدريب والصيانة، وإذا لم يقابل ذلك تحسن ملموس في الأداء أو الإنتاجية، تصبح الرقمنة عبئًا اقتصاديًا لا مبرر له. ويزداد الأمر سوءًا عندما يفتقر الموظفون إلى التأهيل أو القناعة، فتظهر مقاومة داخلية تُفرغ المشروع من مضمونه.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني؛ فالإفراط في الاعتماد على الأنظمة الرقمية قد يُضعف العلاقة مع العملاء، خاصة في القطاعات التي تقوم على التفاعل المباشر والثقة.
ختاما، الرقمنة ليست غاية، بل وسيلة. نجاحها لا يقاس بمدى حداثتها، بل بقدرتها على حل المشكلات وتحقيق قيمة حقيقية. أما حين تُستخدم بلا وعي، فإنها تتحول من أداة للتقدم إلى وهم مكلف بلا قيمة.
* اكاديمي ووزير الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق




