
رقمنة
بينما تتسارع التغيرات الاقتصادية والإقليمية والعالمية تطفو على السطح فرصا أمام الاقتصاد الوطني، بحسب خبراء يرون أن هذه الفرص يمكن لها أن تعزز النمو وتعزيز المنافسه في حال استغلالها.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تعزيز فرص النمو خلال عام 2027 يتطلب البناء على المزايا التي يمتلكها الاقتصاد الأردني، وفي مقدمتها الاستقرار وموقع المملكة الجغرافي، وتحويلها إلى فرص استثمارية وإنتاجية قادرة على توسيع النشاط الاقتصادي ورفع مساهمة القطاعات الرئيسية في الناتج المحلي.
وأوضحوا في تصريحات لـ”الغد” أهمية تسريع تنفيذ المشاريع الإستراتيجية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية والتصديرية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد ويفتح أسواقا جديدة أمام المنتجات والخدمات الأردنية.
وبينوا أن قطاعات الصناعة والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة تمتلك فرصا للنمو والتوسع، إلى جانب إمكانات واعدة في مجالات الطاقة المتجددة والخدمات القابلة للتصدير، داعين إلى معالجة التحديات المرتبطة بكلف الإنتاج والتمويل والطاقة، وتطوير البنية التحتية وسلاسل الإمداد، بما يمكن الاقتصاد من الاستفادة من المتغيرات الإقليمية وتعزيز قدرته على مواصلة النمو وخلق فرص العمل.
أداء الاقتصاد الوطني في 2026
ويشار إلى أن الاقتصاد الأردني سجل نموا بنسبة 3 % خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة مع 2.8 % خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعا بأداء إيجابي لعدد من القطاعات، في مقدمتها الزراعة التي نمت بنسبة 7.8 %، والصناعات التحويلية بنسبة 6.2 %، والكهرباء بنسبة 5 %.
وعلى صعيد التجارة الخارجية، ارتفعت الصادرات الكلية خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي بنسبة 11.2 %، لتبلغ نحو 7.46 مليار دينار، منها 6.46 مليار دينار صادرات وطنية، فيما تراجعت الفجوة التجارية بنسبة 9.6 %، وانخفض العجز إلى نحو 5.83 مليار دينار.
كما بلغ معدل التضخم 2.26 % خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، فيما تراجع معدل البطالة بين الأردنيين إلى 21 % خلال الربع الثاني وفي المقابل، ارتفع الدخل السياحي بنسبة 4.9 % خلال الأشهر التسعة الأولى ليبلغ نحو 6.35 مليار دولار.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي ارتفاع نمو الاقتصاد الأردني إلى 3.1 % خلال عام 2027، مقارنة مع 2.7 % خلال العام الحالي.
السرحان: فرص واعدة للاقتصاد الأردني في 2027 والأولوية لتعزيز الاستثمار
وأكد الخبير الاقتصادي د.محمد الحدب السرحان أن عام 2027 يحمل فرصا حقيقية لتسريع نمو الاقتصاد الأردني، خصوصا مع توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع النمو إلى 3.1 % مقارنة مع 2.7 % متوقعة للعام الحالي.
وأوضح أن هذه التوقعات تعكس قدرة الاقتصاد على تجاوز الضغوط الإقليمية، لكن تحقيق نمو أعلى يتطلب استثمار الفرص المتاحة لزيادة الإنتاج والصادرات، بدلا من الاعتماد على تحسن الظروف الخارجية وحده.
وبين السرحان أن أبرز الفرص تتمثل في زيادة الاستثمارات الخاصة والاستفادة من التحسن التدريجي في حركة التجارة الإقليمية، مشيرا إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ارتفعت بنسبة 25.1 % خلال عام 2025 لتبلغ نحو ملياري دولار.
وأكد أن المطلوب خلال 2027 هو تحويل هذا الاهتمام الاستثماري إلى مشاريع إنتاجية فعلية، من خلال اختصار إجراءات الترخيص، وتوفير الأراضي المخدومة، وتقديم حوافز مرتبطة بحجم الصادرات والوظائف المستحدثة، بدلا من منح امتيازات لا ترتبط بنتائج اقتصادية واضحة.
وأشار السرحان إلى أن تسريع المشاريع الكبرى في المياه والطاقة والنقل يمثل فرصة لاستقطاب استثمارات إضافية، بشرط ألا يقتصر أثرها على مرحلة الإنشاء.
واقترح إعداد قائمة بالمشاريع الاستثمارية المكملة لكل مشروع إستراتيجي، وطرحها أمام المستثمرين بالتزامن مع التنفيذ، بحيث تستقطب البنية التحتية الجديدة مصانع وشركات وخدمات إنتاجية، وتتحول الاستثمارات الحكومية إلى محرك لاستثمارات خاصة أكبر حجما وأكثر استدامة. ولفت السرحان إلى أن الصناعة التحويلية والصناعات الدوائية والغذائية والتكنولوجيا تعد من أكثر القطاعات قدرة على قيادة النمو، مستشهدا بارتفاع الصادرات الصناعية بنسبة 8.3 % خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 لتبلغ 6.04 مليار دينار.
وأكد ضرورة توجيه الاهتمام نحو الصناعات الأعلى قيمة مضافة، وتوسيع الروابط بين المصانع الكبرى والموردين المحليين، ودعم البحث والتطوير والابتكار، بما يرفع الإنتاجية ويزيد فرص تشغيل الكفاءات الأردنية.
وأضاف السرحان أن السياحة والخدمات القابلة للتصدير توفران فرصا مهمة للنمو خلال العام المقبل، خصوصا بعد ارتفاع الدخل السياحي بنسبة 4.9 % خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 ليبلغ نحو 6.35 مليار دولار.
وأوضح أن الأولوية ينبغي أن تنتقل من زيادة أعداد السياح وحدها إلى رفع متوسط إنفاق الزائر ومدة إقامته، إلى جانب التوسع في تصدير الخدمات الرقمية والهندسية والتعليمية والصحية، التي تستطيع توليد دخل بالعملات الأجنبية وفرص عمل دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة.
وأوضح السرحان أن تحسن حركة التجارة مع الأسواق الإقليمية يفتح فرصة أمام الأردن لتوسيع صادراته، خصوصا إلى العراق وسورية ودول الخليج، مع ضرورة الاستفادة من الاتفاقيات التجارية للوصول إلى أسواق جديدة. وأشار إلى أن ارتفاع الصادرات الكلية بنسبة 11.2 % خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 يمثل تطورا إيجابيا، إلا أن استدامته تتطلب زيادة الصادرات الوطنية ذات القيمة المضافة، وتنويع الأسواق والمنتجات، حتى لا يبقى الأداء التجاري معرضا لتقلبات الطلب في عدد محدود من الأسواق.
وبين السرحان أن تعزيز مرونة الاقتصاد في مواجهة المتغيرات الخارجية يتطلب تقليل تعرض القطاعات الإنتاجية لارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد وشح المياه، من خلال التوسع في الطاقة المتجددة والتخزين، وإعادة استخدام المياه المعالجة للأغراض الصناعية والزراعية، وتنويع مصادر المواد الأولية ومسارات التوريد.
كما دعا إلى تطوير أدوات تأمين وضمان الصادرات لمساعدة الشركات الأردنية على دخول الأسواق الجديدة وتقليل مخاطر التعاملات التجارية.
ويرى السرحان أن الفرصة الاقتصادية الأهم في عام 2027 تتمثل في الانتقال إلى نمو تقوده الاستثمارات الخاصة والصادرات والإنتاجية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع الأزمات دون الاعتماد على تحسن الأوضاع الإقليمية. وأكد أهمية متابعة ثلاثة مؤشرات بصورة دورية، هي حجم الاستثمارات المنفذة فعليا، ونمو الصادرات الوطنية، وعدد فرص العمل المستدامة المستحدثة، باعتبارها المقياس الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية وانعكاس النمو على حياة المواطنين.
الحموري: تعزيز النمو في 2027 يتطلب دعم القطاعات الإنتاجية ومعالجة كلف الطاقة
من جانبه قال أستاذ الاقتصاد د.قاسم الحموري إن الاقتصاد الوطني يمتلك فرصا لتعزيز معدلات النمو خلال العام المقبل، إلا أن استثمار هذه الفرص يتطلب التركيز على القطاعات القادرة على توسيع الإنتاج وخلق فرص العمل، إلى جانب معالجة التحديات التي لا تزال تحد من تنافسية الاقتصاد، لافتا إلى أن معدلات النمو الحالية، التي لا تزال دون 3 %، تحتاج إلى مستويات أعلى لإحداث أثر ملموس في مؤشرات البطالة والفقر.
وأضاف أن الاستثمار لا يزال أحد أبرز العوامل التي تتطلب مزيدا من الاهتمام لتعزيز النمو الاقتصادي، مشيرا إلى أن بيئة الاستثمار والتشريعات الناظمة لها لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، ولا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير لتعزيز تنافسية الأردن مقارنة ببعض الدول المجاورة التي تتجه إليها الاستثمارات في المنطقة.
وبين أن تحسين بيئة الاستثمار يتطلب تحقيق الاستقرار في التعليمات والتشريعات، وتوحيد الجهات الرقابية المشرفة على القطاع الخاص، والحد من تعدد المرجعيات والتدخلات في أعماله، إلى جانب خفض كلف التمويل، التي تشكل عائقا أمام توسع الشركات وتنفيذ المشاريع الجديدة.
ولفت إلى أن القطاع السياحي يعد من القطاعات الواعدة والقادرة على الإسهام في النمو الاقتصادي، إلا أن أداءه يبقى شديد التأثر بالظروف الإقليمية وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، وهي عوامل تنعكس على حركة السياحة والاستثمارات المرتبطة بها.
وأشار الحموري إلى أن القطاع الصناعي يمثل أحد البدائل المهمة لتعزيز النمو وخلق فرص العمل، ما يستدعي منحه اهتماما أكبر ضمن السياسات الاقتصادية الحكومية، لافتا إلى أن هذا القطاع يشغل نحو ربع القوى العاملة في المملكة، ولديه قدرة على التوسع وزيادة مساهمته في الاقتصاد إذا توافرت البيئة المناسبة لذلك.
وشدد على أن الصناعة تواجه تحديات تتعلق بارتفاع كلف التمويل، واستمرار بعض التدخلات والإجراءات الرقابية التي تعيق عمل المنشآت، إلى جانب كلف الطاقة التي تحد من تنافسية المنتجات الأردنية، مؤكدا أن ملف الطاقة لا يزال بحاجة إلى رؤية واضحة لمعالجة الاختلالات القائمة.
وأضاف أن المستثمرين والمنشآت الذين يتجهون إلى إنتاج الطاقة من خلال الأنظمة الشمسية يواجهون معوقات وإشكاليات تنظيمية، في وقت لا تزال فيه تحديات قطاع الكهرباء تنعكس على كلف الإنتاج والقدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية، وخصوصا القطاع الصناعي.
وفيما يتعلق بقطاع المياه، أشار الحموري إلى أهمية التعامل مع هذا الملف باعتباره أولوية اقتصادية وتنموية، لافتا إلى أن تركيز جلالة الملك على قضية المياه خلال افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة يشكل رسالة تستدعي ترجمتها إلى برامج وإجراءات حكومية واضحة، نظرا لارتباط الأمن المائي باستدامة النشاط الاقتصادي وقدرة القطاعات المختلفة على التوسع.
وأكد ضرورة تعزيز جاهزية الأردن في مجال سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، من خلال تطوير البنية التحتية اللازمة، والعمل على إنشاء ميناء بري متطور، وتسريع مشاريع الربط بالسكك الحديدية، بما يعزز موقع المملكة كمركز لوجستي إقليمي، ويدعم حركة التجارة والنقل ويرفع قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع المتغيرات الخارجية.
دية: تطوير النقل والخدمات اللوجستية واستكمال المشاريع الكبرى يعززان فرص النمو والاستثمار في 2027
بدوره قال الخبير الاقتصادي منير دية إن الأردن يمتلك مجموعة من المزايا التي يمكن البناء عليها لتعزيز فرص النمو الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي تتمتع به المملكة في ظل التحديات والتوترات التي تشهدها المنطقة، مشيرا إلى أن هذه العوامل تتيح فرصا لتعزيز موقع الأردن كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية والترانزيت والشحن.
وأضاف أن أداء ميناء العقبة خلال الفترة الماضية يعكس الإمكانات المتاحة في هذا المجال، في ظل ارتفاع تجارة الترانزيت بأكثر من 150 %، مدفوعة بزيادة الطلب على مسارات النقل البري للأسواق المجاورة، خصوصا سورية والعراق ودول الخليج، في ضوء الاضطرابات التي أثرت على حركة الشحن البحري وإغلاق بعض الممرات المائية.
وأكد دية أهمية البناء على هذه المؤشرات من خلال استكمال المشاريع الاقتصادية الكبرى ومشاريع البنية التحتية والنقل، وتطوير مرافق ميناء العقبة، بما يعزز قدرة المملكة على استقطاب حركة التجارة الإقليمية، ويدعم نمو الصادرات الوطنية وإعادة التصدير، لافتا إلى أن ارتفاع الصادرات الكلية وإعادة التصدير بأكثر من 14 % يعكس أهمية هذا القطاع وضرورة مواصلة الاستثمار في متطلباته اللوجستية. وأشار إلى أن مواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها مشروع غاز الريشة، ومشاريع البنية التحتية، ومشروع مدينة عمرة، من شأنها أن تعزز النشاط الاقتصادي وتوفر فرصا جديدة للاستثمار، فضلا عن دعم القطاعات الإنتاجية ورفع مساهمتها في النمو.
ولفت دية إلى أن المؤشرات الاقتصادية التي حققها الأردن خلال الفترة الماضية، بما فيها ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات قياسية، وتحسن معدلات النمو، وزيادة تدفقات الاستثمار والصادرات الوطنية، تشكل عناصر إيجابية يمكن توظيفها في تعزيز ثقة المستثمرين واستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وشدد على أهمية مواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع المنبثقة عن رؤية التحديث الاقتصادي، والتركيز على القطاعات الإنتاجية الرئيسية، بما يسهم في تعزيز تنافسية الصادرات الوطنية وخفض كلف الإنتاج، خصوصا في القطاعين الصناعي والتعديني.
وفي هذا السياق، أشار إلى ضرورة استكمال إيصال الغاز الطبيعي إلى المناطق الصناعية، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، بما فيها الطاقة الشمسية، إلى جانب تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، لما لهذه المشاريع من أهمية في خفض كلف الطاقة وتعزيز جاذبية الاستثمار في القطاعات الاقتصادية.
كما دعا إلى تقديم حزم جديدة من الحوافز والإعفاءات الاستثمارية، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات وممارسة الأعمال، إلى جانب تطوير المزايا الممنوحة للمستثمرين في مجالات الإقامة ومنح الجنسية، بما يعزز تنافسية الأردن مقارنة بدول الإقليم ويشجع على استقطاب استثمارات جديدة.
وبين دية أن تحسن مؤشرات الثقة بالاقتصاد الوطني، سواء الصادرة عن المؤسسات الدولية أو وكالات التصنيف الائتماني، وما تعكسه من نظرة مستقرة للاقتصاد الأردني، يمنح المملكة فرصة لتعزيز موقعها التنافسي وجذب الاستثمارات، مؤكدا أهمية مواصلة الإجراءات التي تدعم نمو القطاعات الرئيسية، وفي مقدمتها الصناعات التحويلية والتعدين، واستكمال المشاريع المرتبطة بها، نظرا لدورها في دعم النمو الاقتصادي وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
الغد – عبد الرحمن الخوالدة



