
رقمنة
تسطع شرارة الإبداع اليوم الثلاثاء في أنحاء المعمورة، معلنة انطلاق احتفالات اليوم العالمي للإبداع والابتكار تحت شعار: “تسخير الإبداع من أجل التقدم العالمي”، لتكون المناسبة صرخة توقظ الضمير الإنساني والذكاء البشري لتوجيههما في خدمة التنمية المستدامة بوصفها طوق النجاة الوحيد.
ويرى خبراء متخصصون، في أحاديثهم لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن اليوم العالمي للإبداع والابتكار يعد فرصة لوقفة تأمل عميقة في كيفية تحويل التفكير الإبداعي إلى أدوات ملموسة لحل المعضلات وتحسين جودة حياة البشر؛ فهو ليس مجرد تاريخ على التقويم، بل دعوة مفتوحة سنويا لزيادة الوعي بالدور المحوري للإبداع في إنتاج السلع وتقديم الخدمات بما يخدم الأهداف العالمية الـ17 للتنمية المستدامة.
وإذ تتجلى أهمية هذا اليوم في قصص ملهمة تثبت أن الإرادة هي المحرك الأول للابتكار، كقصة المبدعة تغريد عريضة، التي بدأت رحلتها من فكرة بسيطة وإمكانات بسيطة، لكنها كانت مسلحة بإيمان راسخ بأن الشغف قادر على صنع الفارق المستحيل.
ومن هذا الإيمان انطلق مشروعها “Lucky Trees”، الذي استطاع ببراعة فائقة تحويل النحاس والأخشاب المهملة إلى قطع فنية تنبض بالحياة والجمال؛ فقد بدأت تغريد برؤية وإصرار، معتمدة على فلسفة إعادة التدوير لتقليل الهدر البيئي، وصناعة هوية بصرية فريدة في عالم الديكور قائمة على التميز والاستدامة.
واليوم، يبرز مشروعها كعلامة تجارية رائدة تقدم فواحات عطرية راقية، وأشجار “بونساي” معدنية مبتكرة، وأشجار زيتون تحمل عبق التراث الوطني والمعالم الأثرية، لتؤكد أن كل قطعة فنية هي حكاية تحكي صمود الجذور واستمرارية الحياة، مستلهمة ذلك من مفهوم “شجرة الحياة” التي لا تموت، بل تتجدد بإبداع يد الإنسان.
هذا المسار الإبداعي الفردي يدعمه فكر مؤسسي يمثله خبير الابتكار والتفكير الإبداعي أسامة بدندي، الذي يرى في هذا اليوم مناسبة عالمية لترسيخ التفكير الإبداعي في مواجهة الأزمات، حيث يشير إلى أن قضية إعادة توظيف الخشب المهمل هي أنموذج عملي صارخ يجسد مفهوم الابتكار المستدام، محولا بقايا المواد إلى قيمة جمالية ووظيفية تدعم البيئة والحرف اليدوية والهوية الثقافية.
ولفت إلى أن هذا النوع من المبادرات يعكس وعيا متقدما بأن الابتكار لا ينحصر في المختبرات التقنية المعقدة، بل يمتد ليشمل إعادة اكتشاف الموارد المتاحة وتحويلها إلى فرص تنموية حقيقية توازن بين متطلبات التنمية وحماية البيئة.
بدوره، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن الإبداع والابتكار تحولا من خيار تنموي إلى ضرورة استراتيجية لمواجهة الفقر وعدم المساواة وتغير المناخ.
وقال إن الاقتصادات الحديثة اليوم تبنى على المعرفة، إذ يسهم الاقتصاد الرقمي بنحو 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بقيمة تتجاوز 16 تريليون دولار، مع توقعات بقفزات كبرى في المستقبل.
وبين أن زيادة بسيطة بنسبة 10 بالمئة في تبني التكنولوجيا ترفع معدلات النمو بنسبة تصل إلى 2 بالمئة، ما يجعل الابتكار المحرك الأساسي للإنتاجية وتوفير فرص العمل في ظل الثورة الصناعية الرابعة والاقتصاد الأخضر والأزرق.
وقال إن الدول التي تستثمر في منظومة متكاملة تشمل التعليم النوعي والبحث العلمي والبيئة التشريعية هي التي تحقق قفزات نوعية في الدخل والقدرة على التكيف مع الأزمات الاقتصادية العالمية.
وفي الحالة الأردنية، يبرز تعزيز بيئة الابتكار كأولوية قصوى ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، مستفيدة من القاعدة الشبابية المؤهلة والبنية الرقمية النامية لتطوير قطاعات تكنولوجية متقدمة ودعم الشركات الناشئة وتسهيل وصولها إلى التمويل.
وهذا التكامل بين الموهبة الفردية والرؤية الاقتصادية، بحسب الحدب، يهدف في النهاية إلى تحسين جودة الحياة وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية وضمان كفاءة استخدام موارد المياه والطاقة.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع الاستثمار في الابتكار، وبناء بيئة حاضنة للأفكار الجديدة، و أن الدول التي تستثمر اليوم في الإبداع هي من ستقود اقتصاد المستقبل.
يشار إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت هذا اليوم بموجب القرار 284/71، بعد أن بدأ الاحتفال به لأول مرة كأسبوع كامل في عام 2006، قبل أن يعتمد رسميا في عام 2017، ليصبح الـ21 من نيسان موعدا عالميا موحدا للاحتفاء بالعقل البشري.
ووفق الرؤية الأممية، فإن الإبداع والابتكار هما أغلى الموارد التي تمتلكها المجتمعات اليوم، وهما الأدوات الوحيدة القادرة على ردم الفجوة بين الواقع الصعب والمستقبل المأمول؛ إذ إن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وتوفير بيئة حاضنة للأفكار الجريئة هو السبيل الوحيد لتعزيز الرفاهية الاجتماعية، وضمان أن تظل شعلة الابتكار متقدة، تحول التحديات إلى فرص، والمهملات إلى كنوز، والأفكار البسيطة إلى قوى اقتصادية وتنموية تقود العالم نحو آفاق غير مسبوقة من التقدم والازدهار.
بترا – بشرى نيروخ




