ذكاء اصطناعي

“صُنع بالذكاء الاصطناعي”.. هل يصبح ملصقا يرافق كل نص صنعته الآلة؟

الذكاء الاصطناعي يغيّر مفهوم الكتابة، من نص يُنسب إلى صاحبه إلى محتوى قد تتداخل في إنتاجه الكلمات البشرية والخوارزميات

رقمنة

بالكلمات شُيّدت القوانين، وأُعلنت الثورات، وسُجلت الهزائم والانتصارات، وعبرت الأفكار والفلسفات حدود الزمان والمكان. لم تكن الكتابة يوما مجرد حروف مصطفّة في صفحة، بل كانت وسيلة الإنسان لحفظ أثره ومقاومة النسيان، ونقل ما عرفه وفكر فيه إلى من لم يعاصروه.

ولم تكن قيمة النص في مضمونه وحده، بل في معرفة صاحبه أيضا، فنسبة القول إلى قائله جزء من أمانة المعرفة، وقد عبّر الإمام جلال الدين السيوطي عن هذا المعنى بقوله “من أمانة العلم عزو كل قول إلى صاحبه”. وظل هذا المبدأ حاضرا في تقاليد التأليف والبحث، حيث لا تنفصل الأفكار عن أصحابها ولا تكتمل الأمانة العلمية من دون الإشارة إلى مصادرها.

وعلى امتداد التاريخ، تبدلت أدوات الكتابة، لكن ظل وراء النص افتراض راسخ، أن إنسانا هو من صاغ كلماته، واختار عباراته، حتى إن استعان بغيره في تنقيحها أو تحريرها.

أما اليوم، فقد دخلت الآلة إلى صميم هذه العملية، إذ لم تعد تكتفي بتصحيح الأخطاء أو اقتراح العبارات، بل باتت تنتج مقالات ورسائل ونصوصا أدبية، وتحاكي الأساليب البشرية بدرجة جعلت التمييز بين ما يكتبه الإنسان وما تولده الخوارزميات أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

وبينما تتسابق أدوات رقمية إلى كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، تتطور في المقابل تقنيات تسعى إلى توثيق مصدر المحتوى ومراحل إنتاجه، وتسجيل ما طرأ عليه من تعديلات. فهل نقترب من زمن يصبح فيه لكل نص سجلّ يرافقه، ويكشف كيف كُتب، ومن أسهم في صياغته، وما الذي أضافته الآلة إلى كلمات الإنسان؟

أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي تحلل خصائص الكتابة وتقدّر مصدرها، لكنها لا تقدم دليلا قاطعا على هوية كاتبها (بيكسل)

كواشف الذكاء الاصطناعي.. حين يصبح التخمين اتهاما

تبدو أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، للوهلة الأولى، وكأنها تقدم إجابة مباشرة عن سؤال “هل كتب الإنسان هذا النص أم أنتجه نموذج ذكاء اصطناعي؟” لكنها لا تفحص سجلّ الكتابة ولا تعرف بالضرورة الأدوات التي استخدمها المؤلف، بل تحلل خصائص النص وتحاول تقدير احتمال أن يكون مكتوبا بشريا أو مولدا آليا.

وتبرز أداة “بانغرام” (Pangram) ضمن الأدوات التي أثارت اهتماما في هذا المجال. ففي تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية في 24 سبتمبر/أيلول 2026، تناول الصحفي نيكولا سيكس طريقة عمل الأداة والجدل الذي أحاط باتهام الكاتب الهاييتي الكيبيكي تيليسّون أوريليان باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة روايته الأولى “إمّا هذا أو الموت” (C’était ça ou Mourir) التي حققت نجاحا لافتا.

وبحسب التقرير، انتشرت أدوات عديدة، مجانية ومدفوعة، لتصنيف النصوص على أنها مكتوبة بشريا أو مولدة بالذكاء الاصطناعي. لكن الصحيفة تشير إلى أن التحقق من مصدر النصوص بيقين مطلق لا يزال تحديا علميا معقدا. وتلفت إلى أن شركة “أوبن إيه آي“ أوقفت في 2023 مشروع تطوير أداة للكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، بعدما واجهت صعوبة في ضبط معدلات الخطأ.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية، فنتيجة أداة الكشف ليست سجلا يثبت من كتب النص، ولا شهادة موثقة عن طريقة إنتاجه، وقد تكون مؤشرا يستدعي التحقق، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم على صاحبه.

وتكتسب هذه التحذيرات دلالة عملية في ضوء تجربة أندرو جينكس، مؤسس شركة “فيكتورلاين بارتنرز” (VectorLine Partners) الاستشارية، المتخصصة في توثيق مصدر المحتوى وأصالته، وتعزيز الثقة ونزاهة أنظمة الذكاء الاصطناعي. فقد ذكر جينكس، في رسالة مُرفقة بتصريحاته للجزيرة نت، أنه أخضع إجاباته عن أسئلتنا لأداتين من أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، فصنّفت كلتاهما كتابته على أنها مولدة آليا، رغم أنه كتبها بنفسه.

ومن هذا المنطلق يرى جينكس أن “كواشف النصوص لا تكشف الذكاء الاصطناعي، بل تقيس مدى قابلية الصياغة للتنبؤ، ثم تخمّن”. ويضيف أنه لا ينبغي أبدا أن تكون نتائج هذه الأدوات، بمفردها أساسا للتشكيك في مصداقية شخص.

ويختصر جينكس فكرته بالقول إن “العمل الصحفي الحقيقي يخلّف أثرا متتابعا لعمليّة إنتاجه”، وهي مقاربة تنقل النقاش من محاولة تخمين مصدر النص بعد نشره إلى البحث عن أدلة توثق مراحل إنتاجه.

العلامة المائية.. بصمة خفية في النص

إحدى المقاربات المختلفة عن أدوات الكشف التقليدية هي العلامة المائية النصية. وبدلا من تحليل النص بعد إنتاجه اعتمادا على خصائصه اللغوية، تقوم هذه التقنية على توجيه عملية توليد النص لترك نمط إحصائي غير مرئي، يمكن التحقق لاحقا من وجوده باستخدام مفتاح خاص.

وفي 14 آب 2026، أعلنت شركة “أنثروبيك“ أن الإصدارات المستقبلية من نموذجها “كلود” ستنتج نصوصا تحمل علامة مائية، موضحة أن التقنية التي اختارتها تستند إلى نهج “سينث آي دي-تكست” (SynthID-Text) الذي طورته “غوغل ديب مايند” (Google DeepMind)، ونُشرت أبحاثه في دورية “نيتشر” (Nature) عام 2024. وقالت الشركة إن هذه الخطوة تأتي في سياق التزامات الشفافية المرتبطة بقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي.

وتشرح الشركة أن نماذج اللغة تختار الكلمة التالية من بين احتمالات متعددة، وأن العلامة المائية تستفيد من هذه العملية لترك نمط يمكن اكتشافه لاحقا. وتستخدم الآلية مفتاحا خاصا والكلمات السابقة لتوجيه عملية الاختيار الإحصائي، من دون إضافة أحرف مخفية أو علامات مرئية إلى النص، أو الحاجة إلى رموز إضافية.

العلامة المائية النصية تتيح رصد مشاركة نماذج الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص عبر أنماط إحصائية غير مرئية (بيكسل)

لكن هذه التقنية لا تعني أن كل نص يحمل العلامة يمكن وصفه ببساطة بأنه “كتبه الذكاء الاصطناعي بالكامل”. فبحسب “أنثروبيك”، يتيح الكشف تقدير احتمال أن يكون “كلود” قد شارك في كتابة النص، ولا يحدد حجم هذه المشاركة أو طبيعتها بدقة. كما لا يستطيع إثبات أن النص الذي لا يحمل علامة كتبه إنسان، أو أن نموذجا آخر لم يشارك في إنتاجه.

وتقر الشركة بوجود قيود عملية، إذ تقل فاعلية العلامة المائية في النصوص القصيرة، وفي المقاطع التي تتطلب إجابات واقعية محددة لا تتيح للنموذج مساحة واسعة للاختيار بين الكلمات. كما قد لا تكون كافية للكشف عن مشاركة “كلود” في مراجعة نص بشري إذا اقتصرت التعديلات على تصحيحات لغوية طفيفة.

وتكشف هذه الحدود أن العلامة المائية، رغم اختلافها عن كواشف النصوص التقليدية، ليست حلا شاملا. فهي ترتبط بنموذج محدد ومفتاح خاص، وتتأثر بطول النص وطبيعة التعديلات التي أُجريت عليه. كما أن إعادة كتابة النص بالكامل قد تزيل النمط الذي تعتمد عليه عملية الكشف، وفق ما توضحه الشركة.

“سي 2 بي إيه”.. سجلّ يروي رحلة النص

تأخذ تقنيات إثبات المنشأ مسارا آخر، فبدلا من محاولة استنتاج ما إذا كان النص مولدا بالذكاء الاصطناعي انطلاقا من أسلوبه، تسعى إلى تسجيل معلومات عن مصدر المحتوى، والأدوات التي أنشأته أو عدلته.

ومن أبرز المبادرات في هذا المجال معيار “سي 2 بي إيه” (C2PA)، الذي يتيح إنشاء بيانات اعتماد المحتوى (Content Credentials)، وهي بيانات وصفية مهيكلة وموقّعة تشفيريّا، تتيح تسجيل معلومات عن مصدر المحتوى والتعديلات التي طرأت عليه، مع آليات تساعد على كشف التحقق من سلامة سجل البيانات وكشف التلاعب به.

وفي دليل تطبيقي نشرته المبادرة في 31 تموز 2026، عرضت “سي 2 بي إيه” طُرقا لتصنيف المحتوى المنشأ بالذكاء الاصطناعي أو المعدل بواسطته، إلى جانب المحتوى غير الاصطناعي. كما تناول الدليل إمكانية تسجيل إجراءات الإنشاء والتحرير، وتحديد أجزاء معينة من المحتوى تأثرت بالذكاء الاصطناعي، متى توافرت البيانات والأدوات اللازمة لذلك.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه لا يكتفي بوضع وصف عام على الملف بأكمله، بل يتيح، من حيث المبدأ، تسجيل مراحل مختلفة من إنتاجه. فقد يكون المحتوى قد بدأ بكتابة بشرية، ثم خضع للتعديل باستخدام الذكاء الاصطناعي، قبل أن يُراجعه شخص مرة أخرى.

معيار "سي 2 بي إيه" يتيح توثيق مصدر المحتوى الرقمي وتسجيل مراحل إنشائه والتعديلات التي أدخلها الإنسان أو الذكاء الاصطناعي عليه.(مولدة بالذكاء الاصطناعي/الجزيرة)

لكن وجود معيار تقني لا يعني أن كل نص منشور سيحمل تلقائيا سجلا موثوقا لمنشئه. فنجاح هذه العملية يتوقف على مشاركة الأدوات والمنصات التي يمر بها المحتوى، وعلى قدرتها على الاحتفاظ ببيانات الاعتماد خلال مراحل التحرير والنقل والنشر.

وهذه واحدة من النقاط التي يلفت إليها جينكس، إذ يرى أن إثبات المنشأ يكون أكثر فاعلية داخل الأنظمة القادرة على الحفاظ على سجل المحتوى، مثل المستندات الرقمية ومنصات النشر وأدوات غرف الأخبار، مقارنة بالملفات النصية البسيطة التي يسهل نسخها ولصقها وتغييرها.

ويحذر من أن كل عملية تحرير أو نسخ أو إعادة صياغة قد تؤدي إلى فقدان سجل المنشأ. لذلك، فإن إثبات مصدر النصوص يظل أكثر تعقيدا خصوصا عندما تنتقل بين أدوات لا تدعم الاحتفاظ ببيانات المنشأ.

ملصق للنصوص.. من يحدد حصة الآلة؟

إذا كانت هذه التقنيات تتطور، فهل يمكن أن نصل إلى مرحلة يحمل فيها كل نص ملصقا يوضح للقارئ كيف أُنتج؟ وهل يمكن التمييز بين نص كتبه الذكاء الاصطناعي بالكامل، وآخر أعاد صياغته بصورة جوهرية، وثالث استعان به في تصحيح لغوي محدود؟

يرى جينكس أن المفردات التقنية اللازمة لتسجيل هذا الطيف من الحالات موجودة بالفعل في معيار بيانات اعتماد المحتوى. ويشير إلى أن المعيار يستطيع التعبير عن 24 حالة، تمتد من المحتوى الذي أنشأه الإنسان إلى المحتوى الذي استعان فيه بالذكاء الاصطناعي جزئيا، وصولا إلى المحتوى الذي أنشأه الذكاء الاصطناعي بالكامل.

لكنه يميز بين القدرة التقنية على تسجيل ما حدث وبين الاتفاق على كيفية وصفه. فتحديد اللحظة التي يصبح فيها التعديل “جوهريا” بدلا من أن يكون طفيفا، بحسب تعبيره، “مسألة تحريرية لا تقنية”. وقد تتخذ غرف الأخبار قرارات مختلفة في هذا الشأن ما لم تتفق على تعريفات مشتركة.

ويضيف أن دور المعيار ينبغي أن يكون تسجيل ما حدث بأمانة، وترك الحكم على دلالته للأشخاص والمؤسسات. وهذا يعني أن بيانات المنشأ يمكن أن توثق أن أداة ذكاء اصطناعي شاركت في تحرير فقرة، لكنها لا تحسم وحدها ما إذا كانت هذه المشاركة كافية لوصف الفقرة بأنها مولدة بالذكاء الاصطناعي.

توثيق النص.. عقبات في الطريق

لا تقتصر التحديات على تحديد طبيعة مساهمة الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى العقبات العملية التي تواجه توثيق رحلة النص.

وبحسب جينكس، تتمثل العقبة الأولى في ضرورة مشاركة جميع الأدوات في سلسلة الإنتاج، من مساعد الذكاء الاصطناعي إلى معالج النصوص ونظام إدارة المحتوى، وإذا لم تسجل إحدى هذه الأدوات دورها، فقد تنقطع سلسلة التوثيق.

أما العقبة الثانية فتتعلق بطبيعة النصوص، فالنسخ واللصق قد يزيلان السياق، كما يصعب تحديد مصدر جملة أعاد الإنسان والذكاء الاصطناعي صياغتها بالتناوب.

ويثير جينكس أيضا مسألة الخصوصية، محذرا من أن إنشاء سجل مفصل بما يكفي لقياس حصة الذكاء الاصطناعي في الوثيقة قد يتحول إلى ما يشبه مراقبة ضغطات المفاتيح. ويكتسب هذا التخوف أهمية خاصة لدى الصحفيين الذين يحتاجون إلى حماية مصادرهم، ولا يرغبون في أن تتحول عملية توثيق الكتابة إلى وسيلة لتتبع كل خطوة يُنجزونها.

أما العقبة الرابعة، فتتعلق بالحوافز، فالأشخاص الذين يرغبون في تقديم نصوص مولدة آليا على أنها مكتوبة بشريا قد لا يختارون أصلا استخدام أنظمة إثبات المنشأ. ولهذا يصف جينكس هذه التقنيات بأنها أدوات لإثبات الأصالة، لا أدوات لاكتشاف الخداع. ويضيف أن انتشار هذه الأنظمة وفهم الجمهور لدلالات علاماتها شرطان أساسيان حتى تصبح ذات معنى عملي.

جينكس يرى أن توثيق مساهمة الذكاء الاصطناعي في الكتابة ممكن تقنيا، لكن تحديد ما إذا كان التعديل جوهريا أم طفيفا يظل مسألة تحريرية لا تقنية (بيكسل)

حين يغيب الدليل.. لا مكان للاتهام

من أكثر النقاط التي يشدد عليها جينكس ضرورة التعامل بحذر مع النصوص التي لا تحمل بيانات اعتماد أو سجلا موثقا لمنشئها. فغياب السجل، بحسب قوله، “لا يعني سوى عدم وجود معلومات إضافية”، ولا يجعل احتمال أن يكون النص مولدا آليا أكبر من احتمال أن يكون مكتوبا بشريا.

ويصف غياب بيانات المنشأ بأنه الوضع السائد اليوم، إذ إن معظم النصوص لا تحمل مثل هذه السجلات. لذلك، فإن التعامل مع النصوص غير الموثقة باعتبارها موضع شبهة مسبقة قد يحوّل أداة يُفترض أن تعزز الشفافية إلى معيار يستبعد أعمالا لم تتوفر لها ببساطة البنية التقنية اللازمة للتوثيق.

ويؤكد جينكس أن إثبات المنشأ ينبغي أن يكون “إشارة إيجابية” تتيح للمؤلفين والناشرين تقديم معلومات إضافية عن أعمالهم، فيما يجب أن يظل غيابه إشارة محايدة، لا حكما بالإدانة.

وقد لا يكون السؤال الأكثر أهمية في النهاية هو كيف نوثق مساهمته من دون أن نخلط بين الاحتمال والدليل، أو بين غياب المعلومات ووجود شبهة. ويختصر جينكس هذا التحول بالقول إن العلامات المستقبلية ستصف “عملية جرى توثيقها، لا حكما جرى استنتاجه”. وهو، كما يضيف، وعد أضيق من “كشف الذكاء الاصطناعي”، لكنه وعد يمكن الوفاء به فعلا.

المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى