الاقتصاد

وايت روي: السعودية تتجه نحو اقتصاد قائم على الابتكار

رقمنة

تتسارع التحولات الاقتصادية في السعودية نحو نموذج أكثر تنوعًا يعتمد على الابتكار وريادة الأعمال والاستثمارات الخاصة، في ظل تنامي اهتمام المستثمرين الدوليين بالفرص المتاحة في المملكة، وتطور منظومة الأعمال والاستثمار بما يدعم تأسيس الشركات وتوسيع أنشطتها.

وقال وايت روي (Wyatt Roy)، الوزير الأسترالي السابق والرئيس السابق للابتكار في NEOM، إن المملكة تمر بمرحلة تحول اقتصادي تفتح المجال أمام دور أكبر للقطاع الخاص ورأس المال الاستثماري، مشيرًا إلى تغير نظرة المستثمرين الدوليين إلى السوق السعودية، التي أصبحت وجهة لبناء الشركات وتطوير الأعمال، إلى جانب كونها سوقًا لرؤوس الأموال والاستثمارات.

وجاءت تصريحات روي خلال حديثه في بودكاست Argaam OnPoint، حيث استعرض ملامح التحول الاقتصادي السعودي، ودور الابتكار والمشروعات الكبرى والاستثمار الجريء في بناء منظومة اقتصادية أكثر تنوعًا، إلى جانب العوامل التي قد تدعم المرحلة المقبلة من نمو الأعمال في المملكة.

السعودية تعزز جاذبيتها للمستثمرين الدوليين

أوضح روي أن النظرة الدولية إلى السعودية تشهد تغيرًا تدريجيًا، مع تزايد اهتمام المستثمرين بالفرص التي تتيحها السوق المحلية لتأسيس الشركات وتطوير المنتجات والخدمات والتوسع في قطاعات جديدة.

ويعكس هذا التحول انتقال الاهتمام من الاستثمار في الفرص القائمة فقط إلى المشاركة في بناء الأعمال وتطويرها داخل المملكة، وهو ما يمنح السوق السعودية دورًا أكبر في استقطاب الشركات ورواد الأعمال والخبرات الدولية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ظل سعي الاقتصاد السعودي إلى تنويع مصادر النمو وتعزيز مساهمة الأنشطة غير النفطية، إذ يتطلب بناء اقتصاد متنوع وجود شركات قادرة على المنافسة والتوسع، إلى جانب بيئة أعمال تساعد على تحويل الأفكار إلى مشروعات تجارية قابلة للاستمرار.

وأشار روي إلى أن تزايد اهتمام المستثمرين الدوليين يرتبط بالفرص المتاحة في السوق، وبالتطور الذي تشهده منظومة ريادة الأعمال والاستثمار، فضلًا عن الرؤية الاقتصادية طويلة المدى التي توجه مسار التحول في المملكة.

القطاع الخاص يقود مرحلة جديدة من النمو

سلط روي الضوء على الدور المتنامي للقطاع الخاص في دعم التحول الاقتصادي، معتبرًا أن توسيع مشاركة الشركات والمستثمرين يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء اقتصاد يعتمد على أنشطة متنوعة ومصادر متعددة للنمو.

ويشمل هذا الدور تأسيس الشركات وتطويرها، وتمويل المشروعات الجديدة، وتوسيع نطاق الأعمال القائمة، إلى جانب توفير الخبرات والقدرات التشغيلية اللازمة لتحويل الفرص الاستثمارية إلى أنشطة اقتصادية فعلية.

ويعتمد نجاح هذا التوجه على تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والشركات والمستثمرين، بحيث تسهم السياسات والأطر التنظيمية في تهيئة بيئة مناسبة لممارسة الأعمال، بينما يتولى القطاع الخاص تطوير المنتجات والخدمات وتحديد الفرص القابلة للنمو والتوسع.

كما أن زيادة مشاركة المستثمرين المحليين والدوليين يمكن أن تدعم تنوع الشركات العاملة في السوق، وتفتح المجال أمام دخول نماذج أعمال جديدة، بما يعزز المنافسة ويزيد فرص بناء قطاعات اقتصادية قادرة على الاستمرار على المدى الطويل.

الاستثمار الجريء يدعم منظومة الابتكار

تناول روي أهمية رأس المال الخاص والاستثمار الجريء في تمويل الشركات الناشئة والمشروعات التي تستهدف تطوير حلول جديدة أو دخول أسواق غير تقليدية.

ويمثل الاستثمار الجريء أحد مصادر التمويل المهمة للشركات في مراحلها المبكرة، خصوصًا عندما تحتاج إلى موارد مالية تساعدها على تطوير منتجاتها، وتكوين فرق العمل، واختبار نماذج أعمالها، ثم التوسع في السوق.

ولا يقتصر أثر هذا النوع من الاستثمار على توفير التمويل؛ إذ يمكن أن يتيح للشركات الناشئة الوصول إلى شبكات من المستثمرين والخبراء والشركاء، بما يدعم قدرتها على بناء أعمال أكثر نضجًا والاستعداد للتوسع.

وفي السياق السعودي، تزداد أهمية الربط بين رأس المال وريادة الأعمال والابتكار، لأن بناء منظومة اقتصادية متطورة يتطلب وجود شركات قادرة على تقديم حلول تنافسية، إلى جانب مستثمرين مستعدين لتمويل نموها على مراحل مختلفة.

ويرتبط ذلك أيضًا بقدرة السوق على استقطاب رؤوس الأموال العالمية، وتوجيهها نحو الفرص التي تتوافق مع احتياجات الاقتصاد السعودي، بما يدعم تأسيس شركات جديدة وتوسيع نطاق الشركات القائمة.

تجربة NEOM ودور المشروعات الكبرى

استعرض روي تجربته السابقة في تطوير منظومة الابتكار في NEOM، مشيرًا إلى أهمية الاستفادة من المشروعات الكبرى في فتح مجالات جديدة للاستثمار وتطوير الأعمال.

وتوفر المشروعات واسعة النطاق فرصًا لتطوير قطاعات وأنشطة اقتصادية متعددة، كما تتيح مجالًا أمام الشركات لتقديم الخدمات والحلول التقنية والتشغيلية التي تحتاج إليها هذه المشروعات، بما يوسع نطاق المشاركة الاقتصادية للقطاع الخاص.

وتبرز أهمية هذه المشروعات في قدرتها على جمع أطراف مختلفة ضمن منظومة واحدة، تشمل الجهات الحكومية والمستثمرين والشركات ومقدمي الحلول ورواد الأعمال. ويساعد هذا التكامل على ربط الاحتياجات الاستثمارية بالقدرات المتاحة، وخلق فرص لتطوير أعمال جديدة حول المشروعات القائمة.

وتتجاوز الاستفادة المحتملة من المشروعات الكبرى مرحلة التنفيذ المباشر، إذ يمكن أن تسهم الخبرات والتقنيات والعلاقات التجارية التي تتكون خلالها في دعم أنشطة اقتصادية أخرى، متى أمكن نقل هذه القدرات إلى شركات وأسواق جديدة.

ومن هذا المنطلق، ترتبط قيمة المشروعات الكبرى بقدرتها على المساهمة في بناء منظومات اقتصادية متكاملة، وتوسيع قاعدة الشركات القادرة على العمل والنمو داخل المملكة.

الشباب والتقنية يدعمان التحول الاقتصادي

أشار روي إلى أن شريحة الشباب المتمكنة من التقنية تمثل أحد المقومات المهمة للمرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي السعودي، إلى جانب الرؤية طويلة المدى والتطور المتسارع في منظومة ريادة الأعمال والاستثمار.

وتوفر الكفاءات الشابة قاعدة مهمة لتطوير المشروعات الجديدة، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على الحلول الرقمية والتقنيات الحديثة. كما يمكن أن تسهم هذه الكفاءات في تأسيس شركات تستجيب لاحتياجات السوق المحلية، وتعمل على تطوير منتجات وخدمات قابلة للتوسع إلى أسواق أخرى.

ويحتاج تحويل هذه الإمكانات إلى نمو اقتصادي مستدام إلى منظومة متكاملة تتيح الوصول إلى التمويل والخبرات والشركاء، وتساعد رواد الأعمال على الانتقال من مرحلة تطوير الفكرة إلى تأسيس الشركة، ثم بناء نموذج عمل قادر على الاستمرار والتوسع.

وتبرز هنا أهمية التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص في توفير بيئة تساعد على تطوير المواهب، وتسهيل تأسيس الأعمال، وربط رواد الأعمال بالفرص الاستثمارية المتاحة داخل المملكة وخارجها.

بيئة الأعمال تحتاج إلى تكامل حكومي وخاص

أكد روي أهمية التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص في تهيئة بيئة أعمال داعمة للابتكار، مع التركيز على تطوير الأطر التنظيمية وتعزيز قدرة الشركات ورواد الأعمال على تحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للنمو.

ويؤثر وضوح البيئة التنظيمية واستقرارها في قرارات المستثمرين والشركات، إذ تحتاج المشروعات إلى فهم المتطلبات والإجراءات التي تحكم تأسيس الأعمال وتشغيلها والتوسع فيها. كما تساعد البيئة الملائمة على تقليل العقبات التي قد تواجه الشركات خلال مراحل نموها المختلفة.

ويكتسب التعاون بين الجهات الحكومية والشركات أهمية إضافية عندما يتعلق الأمر بالابتكار، لأن تطوير الحلول الجديدة يحتاج إلى تفاعل بين احتياجات السوق والقدرات التقنية والتمويل والخبرات المتخصصة.

ويساعد هذا التكامل على بناء بيئة أكثر قدرة على استقطاب الشركات الدولية، وفي الوقت نفسه يمنح الشركات المحلية فرصًا أكبر لتطوير قدراتها والاستفادة من الاستثمارات والخبرات التي تدخل السوق السعودية.

ربط رأس المال العالمي بالفرص السعودية

شدد روي على أهمية ربط رؤوس الأموال العالمية بالفرص الاستثمارية داخل المملكة، بما يدعم مشاركة القطاع الخاص ويعزز دور الاستثمارات الدولية في الاقتصاد السعودي.

ويعني هذا التوجه أن جاذبية السوق لا ترتبط فقط بتوافر الفرص الاستثمارية، وإنما أيضًا بقدرة الشركات والمستثمرين على الوصول إليها، وفهم احتياجاتها، وبناء شراكات تساعد على تنفيذ المشروعات وتوسيع نطاقها.

ويمكن أن يسهم دخول المستثمرين الدوليين في توفير التمويل والخبرات والعلاقات التجارية التي تحتاج إليها الشركات المحلية، كما قد يساعد على فتح قنوات جديدة للتوسع خارج السوق السعودية.

وفي المقابل، يتطلب جذب استثمارات طويلة الأجل وجود فرص واضحة، وشركات قادرة على التنفيذ، وبيئة أعمال تساعد على بناء علاقات مستدامة بين المستثمرين ورواد الأعمال والجهات المعنية.

ومن هنا، يصبح ربط رأس المال العالمي بمنظومة الابتكار وريادة الأعمال أحد المسارات المهمة لتعزيز دور القطاع الخاص في المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي.

التحول الاقتصادي السعودي لا يزال في بدايته

يرى روي أن السعودية تمتلك فرصة لبناء نموذج ابتكار يتناسب مع خصوصية اقتصادها واحتياجاته، مستفيدة من التكامل بين المشروعات الكبرى والاستثمار والقطاع الخاص، مع الإشارة إلى أن التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة لا يزال في مراحله الأولى.

ويعكس هذا التقييم أن بناء اقتصاد أكثر تنوعًا لا يعتمد على جذب الاستثمارات وحده، وإنما يحتاج إلى تطوير شركات قادرة على تحويل التمويل إلى منتجات وخدمات وفرص عمل ونشاط اقتصادي مستمر.

كما يتطلب ترسيخ منظومة الابتكار ربط الكفاءات بالتقنيات ورؤوس الأموال، وتوفير الظروف التي تسمح للشركات الناشئة بالنمو، وللشركات القائمة بالتوسع، وللمستثمرين بالوصول إلى فرص واضحة وقابلة للتنفيذ.

وتظل قدرة الاقتصاد على تحويل الفرص المتاحة إلى شركات مستدامة ومشروعات منتجة عاملًا مهمًا في تحديد نتائج هذه المرحلة، خصوصًا مع اتساع دور القطاع الخاص في قطاعات متعددة.

جولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى