
رقمنة
وسط تطورات لافتة يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي حول العالم ، ورغم المخاوف المتزايدة من أن تؤدي هذه التقنية إلى تقليص أعداد العاملين في قطاع التكنولوجيا، تكشف بيانات سوق العمل اتجاهًا مختلفًا حتى الآن، مع ارتفاع عدد الوظائف التقنية المفتوحة وتراجع وتيرة تسريح الموظفين مقارنة بالسنوات التي أعقبت طفرة التوظيف خلال جائحة كورونا.
ووفقًا لبيانات منصة TrueUp، التي تتابع سوق التوظيف لدى أكثر من 9 آلاف شركة تكنولوجية، تجاوز عدد الوظائف التقنية المفتوحة حاليًا 280 ألف وظيفة لدى الشركات الناشئة وكبرى شركات التكنولوجيا، في ارتفاع واضح مقارنة ببداية عام 2026.
وتأتي هذه الأرقام في وقت كان فيه انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وخاصة أدوات كتابة البرمجيات، يثير توقعات واسعة بأن الشركات ستحتاج إلى عدد أقل من المهندسين والمبرمجين، مع قدرة الأنظمة الذكية على تنفيذ أجزاء متزايدة من المهام التي كانت تعتمد سابقًا على الموظفين.
لكن بيانات التوظيف الحالية تشير إلى تحول مختلف؛ إذ يبدو أن الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع الطلب على المهارات والأدوار التقنية، مع ارتفاع الحاجة إلى المهندسين الذين يبنون البنية المادية التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي حافظ فيه الطلب على مهندسي البرمجيات على قدر من المرونة.
أكثر من 280 ألف وظيفة تقنية
تشير بيانات TrueUp إلى وجود أكثر من 280 ألف وظيفة تقنية مفتوحة حاليًا في الشركات الناشئة وكبرى شركات التكنولوجيا، بعدما شهدت السوق ارتفاعًا في الوظائف المتاحة منذ بداية العام.
وتتبع المنصة أكثر من 9 آلاف شركة تكنولوجية، ما يجعل بياناتها مؤشرًا على حركة التوظيف داخل القطاع في الوقت الذي تعيد فيه الشركات تحديد احتياجاتها من المواهب بالتزامن مع تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ويأتي ارتفاع الوظائف المفتوحة في قطاع التكنولوجيا بعد مرحلة اتسمت بتقليص أعداد الموظفين وإبطاء عمليات التوظيف، خصوصًا خلال عامي 2022 و2023، عندما بدأت شركات التكنولوجيا في مراجعة مستويات الإنفاق والتوظيف التي ارتفعت بقوة خلال فترة الجائحة.
تسريحات أقل من ذروة 2023
لم تختفِ عمليات تسريح الموظفين من قطاع التكنولوجيا، إلا أن وتيرتها أصبحت أقل بكثير مقارنة بالفترة السابقة.
وتشير بيانات TrueUp إلى تسريح نحو 190 ألف موظف تقني منذ بداية 2026، وهو مستوى يضع العام الحالي على مسار أقل كثيرًا من ذروة التسريحات التي سجلها القطاع في 2023، عندما وصل عدد الوظائف التي جرى الاستغناء عنها إلى نحو 430 ألف وظيفة.
ويعكس الفارق بين الرقمين تغيرًا في طبيعة سوق العمل التقنية بعد موجة إعادة الهيكلة التي أعقبت التوسع الكبير في التوظيف خلال الجائحة.
وتزامن ذلك مع استمرار الشركات في مراجعة تكاليفها وإعادة توزيع الموظفين والاستثمارات وفق المجالات التي تحقق لها أكبر قيمة، مع توجيه جزء متزايد من الإنفاق نحو البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسيع قدراتها.
الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على المهندسين
ويظهر أحد أبرز التغيرات في سوق العمل التقنية في الطلب على مهندسي الأجهزة والمكونات المادية، الذي شهد ارتفاعًا قويًا خلال العام.
هذه الزيادة ترتبط بصورة مباشرة بالإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى شرائح متقدمة ووحدات معالجة رسومية وخوادم ومراكز بيانات وأنظمة روبوتية ومعدات تصنيع متخصصة.
وقال أميت تايلور، مؤسس TrueUp، إن ارتفاع الطلب على مهندسي الأجهزة ليس مفاجئًا في ظل الاهتمام المتزايد بابتكار وحدات معالجة الرسومات، والروبوتات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والشركات الناشئة في مجال التصنيع داخل الولايات المتحدة، إلى جانب شركات مثل SpaceX.
ويكشف ذلك عن تحول مهم في دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؛ فكلما توسعت الشركات في بناء نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، زادت حاجتها إلى طبقة مادية كاملة قادرة على تشغيل هذه الأنظمة على نطاق واسع.
البنية المادية تصبح أولوية
ويعتمد الذكاء الاصطناعي الحديث على منظومة تقنية تتجاوز نموذج الذكاء الاصطناعي نفسه.
وتوجد وراء كل نموذج متقدم شرائح حوسبة، وخوادم، ومراكز بيانات، وشبكات اتصال، وأنظمة تبريد وطاقة، ومعدات تصنيع، إضافة إلى روبوتات وأنظمة تشغيلية قادرة على التعامل مع البنية التحتية الضخمة.
ولهذا ينتقل جزء من الطلب على المواهب التقنية نحو المهندسين الذين يعملون على هذه الطبقة المادية.
وتشمل المجالات التي تشهد اهتمامًا متزايدًا تطوير الشرائح، وتصميم الخوادم، ومراكز البيانات، والروبوتات، والتصنيع المتقدم، وهي المجالات التي أصبحت أكثر ارتباطًا بالإنفاق المتسارع على الذكاء الاصطناعي.
البرمجيات لم تنهَر
في المقابل، لم تحقق وظائف هندسة البرمجيات الانخفاض الكبير الذي توقعه البعض مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على كتابة الأكواد.
وتشير بيانات TrueUp إلى أن قوائم الوظائف الخاصة بهندسة البرمجيات حافظت على قدر من القوة، رغم التوقعات بأن يؤدي انتشار أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقليل الطلب على المبرمجين والمهندسين.
وهذا يعني أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي لم يؤدِ حتى الآن إلى اختفاء الحاجة إلى مهندسي البرمجيات، وإنما بدأ يؤثر بصورة أكبر في طبيعة المهام التي يؤديها هؤلاء الموظفون وكيفية توزيع العمل داخل فرق التطوير.
وتشير البيانات إلى أن الشركات لا تتوقف عن توظيف المهندسين، وإنما تعيد تحديد المجالات التي تحتاج فيها إلى خبراتهم بصورة أكبر.
من كتابة الكود إلى بناء الأنظمة
يعكس هذا التحول تغيرًا في الطريقة التي تنظر بها الشركات إلى المهارات التقنية.
فمع زيادة قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الأكواد وتنفيذ بعض المهام البرمجية المتكررة، أصبحت القيمة المرتبطة بالمهندس مرتبطة بدرجة أكبر بقدرته على بناء الأنظمة وإدارتها وفهم البنية التي تعمل عليها، إلى جانب التعامل مع المشكلات المعقدة التي لا يمكن اختزالها في إنتاج كود.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الشركات التي تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي إلى مهارات متخصصة في الشرائح والحوسبة ومراكز البيانات والشبكات والروبوتات والتصنيع.
وهكذا تتغير خريطة الطلب داخل قطاع التكنولوجيا، مع بقاء الحاجة إلى المهارات البرمجية وظهور طلب أكبر على المهارات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يحرك التوظيف
يرتبط ارتفاع الوظائف التقنية المفتوحة بصورة وثيقة بالتدفقات الاستثمارية الكبيرة نحو الذكاء الاصطناعي.
فالشركات التي تنفق مليارات الدولارات على بناء مراكز البيانات وتوفير وحدات المعالجة وتوسيع قدراتها الحوسبية تحتاج إلى كوادر تستطيع تصميم هذه الأنظمة وتشغيلها وتطويرها.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا أصبح مهندسو الأجهزة من أكثر الفئات استفادة من دورة الاستثمار الحالية.
كما أن توسع شركات الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الروبوتات والتصنيع يزيد الحاجة إلى تخصصات هندسية كانت أقل ارتباطًا بصورة مباشرة بموجة البرمجيات التي هيمنت على قطاع التكنولوجيا خلال السنوات الماضية.
شركات التكنولوجيا تعيد تشكيل احتياجاتها
لا يعني ارتفاع الوظائف المفتوحة أن سوق العمل التقنية عاد إلى مستويات الطفرة التي سبقت تصحيح القطاع.
الشركات ما زالت تتعامل مع الإنفاق بحذر، وما زالت عمليات تسريح الموظفين مستمرة في بعض المجالات، إلا أن الصورة أصبحت أكثر توازنًا مقارنة بمرحلة التخفيضات الحادة.
وتوضح بيانات TrueUp أن الشركات تستغني عن وظائف في بعض المجالات، بينما تفتح وظائف جديدة بصورة نشطة في المجالات التي تستفيد مباشرة من موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وهذا يضع سوق العمل أمام عملية إعادة توزيع للفرص بدلًا من اختفاء شامل للوظائف التقنية.
بداية مختلفة لدورة التوظيف
كان قطاع التكنولوجيا خلال فترة الجائحة من أكبر المستفيدين من التحول الرقمي السريع، ما دفع الشركات إلى توظيف أعداد كبيرة من الموظفين لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات الرقمية.
ومع عودة الأسواق إلى أوضاع أكثر طبيعية، بدأت الشركات في 2022 و2023 مراجعة مستويات التوظيف، ما أدى إلى موجة واسعة من التسريحات.
المرحلة الحالية تبدو مختلفة في طبيعتها؛ إذ يتزامن ارتفاع الوظائف المفتوحة مع تركيز استثماري ضخم على الذكاء الاصطناعي، ما يدفع الشركات إلى البحث عن مهارات جديدة مرتبطة بالدورة الاستثمارية الحالية.
مؤشر آخر على مرونة سوق التقنية
تأتي بيانات TrueUp بالتزامن مع مؤشرات أخرى على استمرار الطلب على المواهب التقنية.
وأظهرت بيانات CompTIA الصادرة في أكتوبر 2026 أن أصحاب العمل في الولايات المتحدة نشروا 272,040 وظيفة جديدة في تخصصات تكنولوجيا المعلومات خلال سبتمبر، بينما ارتفع عدد الوظائف التقنية النشطة إلى 625,633 وظيفة، وهو أعلى مستوى خلال أكثر من ثلاث سنوات.
كما ارتفعت الوظائف الجديدة في سبتمبر بنسبة 16% مقارنة بالشهر نفسه من 2025، بينما زادت الوظائف النشطة بنسبة 22.4% على أساس سنوي.
وتعطي هذه الأرقام صورة أوسع عن استمرار الطلب على المهارات التقنية، حتى مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الوظائف.
الوظائف التقنية تدخل مرحلة إعادة توزيع
تكشف البيانات مجتمعة عن سوق عمل أكثر تعقيدًا من فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى استبدال العاملين في التكنولوجيا بصورة مباشرة.
فالطلب يتراجع أو يتباطأ في بعض المهام والمجالات، بينما يرتفع في مجالات أخرى مرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ويظهر هذا التحول بصورة واضحة في انتقال جزء من الاهتمام نحو الشرائح والخوادم ومراكز البيانات والروبوتات والتصنيع، مع استمرار الحاجة إلى مهندسي البرمجيات.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الشركات قادرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجية فرقها الحالية، ما يسمح لها بإعادة توزيع الموظفين والمهام بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة عدد العاملين.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الوظيفة التقنية
النتيجة التي تبرزها البيانات لا تتمثل في اختفاء الوظائف التقنية، وإنما في تغير طبيعة الطلب عليها.
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى أشخاص يبنون البنية التي يعمل عليها، ويطورون الشرائح والخوادم ومراكز البيانات، ويصممون الروبوتات، ويديرون الأنظمة، ويطورون البرمجيات التي تربط هذه المكونات ببعضها.
وفي الوقت نفسه، تظل هندسة البرمجيات جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة، مع استمرار الشركات في نشر وظائف جديدة رغم تطور أدوات كتابة الأكواد.
وتشير هذه الصورة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل قد يكون أقرب إلى إعادة توزيع الطلب على المهارات منه إلى اختفاء واسع للوظائف التقنية خلال المرحلة الحالية.
جولة




