
رقمنة
أعلنت قطر إنشاء منصة جديدة داخل جهاز قطر للاستثمار مخصصة لإدارة وتنمية محفظة الاستثمارات المحلية، في خطوة تعكس توجهًا نحو إعطاء الاقتصاد الداخلي والقطاع الخاص دورًا أكبر في المرحلة المقبلة.
وجاء الإعلان عن المنصة الجديدة، التي تحمل اسم “الدوحة للاستثمار”، على لسان رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال النسخة الخاصة من منتدى قطر الاقتصادي المنعقدة في نيويورك بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتستهدف المنصة إدارة الاستثمارات المحلية التابعة لجهاز قطر للاستثمار، مع التركيز على دعم الشركات القطرية، وتنمية الشركات الناشئة، وتعميق أسواق رأس المال، وجذب رؤوس الأموال والخبرات الدولية إلى السوق القطرية.
“الدوحة للاستثمار” لإدارة المحفظة المحلية
تتولى “الدوحة للاستثمار” إدارة المحفظة المحلية لجهاز قطر للاستثمار، وستشرف في مرحلتها الأولى على 45 شركة مملوكة للدولة.
وقال وزير التجارة والصناعة القطري الشيخ فيصل بن ثاني آل ثاني إن هذه الشركات تمثل نحو ثلث إجمالي أصول جهاز قطر للاستثمار، الذي تُقدّر أصوله بنحو 580 مليار دولار.
ويأتي إنشاء المنصة في إطار إعادة تنظيم الاستثمارات المحلية التابعة للجهاز، حيث أوضح الشيخ فيصل أن الخطوة لا تمثل إنشاء محفظة جديدة من الصفر، وإنما عملية تجميع وتنظيم للاستثمارات المحلية ضمن منصة متخصصة، وهي فكرة كانت قيد الدراسة منذ أكثر من عقد.
القطاع الخاص في قلب المرحلة الجديدة
يركز التوجه الجديد على توسيع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد القطري، مع منح الشركات المحلية مساحة أكبر للنمو والمنافسة.
وقال رئيس الوزراء القطري عند الإعلان عن “الدوحة للاستثمار” إن الهدف يتمثل في توسيع دور القطاع الخاص في دفع النمو الاقتصادي، مع دعم الشركات القوية في السوق، ومساعدة الشركات الناشئة على النمو، وتعميق أسواق رأس المال، واستقطاب رؤوس الأموال والخبرات الدولية.
وتضع هذه الأهداف المنصة الجديدة في موقع يتجاوز إدارة الأصول الحكومية، لتصبح جزءًا من توجه أوسع نحو تطوير الشركات المحلية وربطها بمصادر التمويل والخبرات والأسواق العالمية.
خطة استثمار محلية بقيمة 60 مليار دولار
تزامن إطلاق “الدوحة للاستثمار” مع إعلان قطر عن خطط استثمار محلية تصل قيمتها إلى نحو 60 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
وتتضمن الخطة نحو 38.5 مليار دولار لمشروعات البنية التحتية الجديدة خلال السنوات الخمس المقبلة، على أن تبدأ عمليات طرح المناقصات بصورة فورية، مع اعتماد نماذج تشمل الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
كما تتضمن الخطة مسارًا آخر للاستثمار في العقارات والضيافة بقيمة تقارب 22.5 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة، بما في ذلك مشروع سميسمة الذي تبلغ قيمته نحو 5.8 مليار دولار.
وتأتي هذه الاستثمارات ضمن مسعى قطر إلى توسيع النشاط الاقتصادي خارج القطاعات التقليدية وتعزيز مشاركة المستثمرين والشركات الخاصة في تنفيذ مشروعات التنمية المحلية.
جهاز قطر للاستثمار يعيد ترتيب دوره المحلي
تأسس جهاز قطر للاستثمار عام 2005 بهدف حماية وتنمية الأصول المالية للدولة وتنويع الاقتصاد، ويعمل على الاستثمار في مجموعة واسعة من القطاعات والأسواق حول العالم.
وتوضح البيانات الرسمية للجهاز أن مهمته تشمل تحقيق قيمة طويلة الأجل للدولة والأجيال المقبلة، ودعم تطوير اقتصاد قطري تنافسي، وتوفير السيولة عند الحاجة للمساهمة في استقرار الاقتصاد المحلي.
ويمتلك الجهاز استثمارات عالمية في قطاعات تشمل التكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والرعاية الصحية، والتجزئة والاستهلاك، والعقارات، والبنية التحتية، والمؤسسات المالية، والصناعات والمواد، إضافة إلى الأوراق المالية والصناديق الاستثمارية.
وتوضح المنصة الجديدة أن الاستثمار المحلي أصبح جزءًا أكثر تنظيمًا من استراتيجية الجهاز، مع تخصيص هيكل واضح لإدارة الشركات والأصول الموجودة داخل قطر.
التركيز على الشركات القطرية
ستعمل “الدوحة للاستثمار” على دعم الشركات المحلية القوية ومساعدة الشركات الناشئة على الانتقال إلى مراحل نمو أكبر، وفق التصريحات الرسمية المصاحبة للإعلان.
ويتضمن هذا التوجه دعم توسع الشركات، وتعزيز قدرتها على المنافسة، وربطها برؤوس الأموال والخبرات الدولية.
كما يستهدف تعميق أسواق رأس المال المحلية، وهو ما يمكن أن يفتح مساحة أكبر أمام الشركات القطرية للوصول إلى أدوات تمويل متنوعة، ويزيد ارتباط السوق المحلية بالمستثمرين والمؤسسات العالمية.
ويأتي هذا المسار بالتوازي مع خطوات أخرى اتخذتها قطر خلال 2026 لتطوير منظومة الشركات الناشئة ورأس المال الجريء.
توسع برنامج رأس المال الجريء
كان جهاز قطر للاستثمار قد أعلن في فبراير 2026 زيادة برنامج Fund of Funds بقيمة ملياري دولار، ليرتفع إجمالي الالتزام بالبرنامج إلى 3 مليارات دولار.
ويهدف البرنامج إلى استقطاب مديري صناديق رأس المال الجريء إلى قطر ودعم الشركات الناشئة، وشمل في ذلك الوقت 12 مدير صندوق إقليميًا ودوليًا.
كما أعلنت قطر عن صناديق جديدة تركز على مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية وتقنية البلوك تشين والبنية التحتية والاستثمارات الخاصة.
وفي يونيو، أطلقت Invest Qatar وحدة جديدة على منصة Invest Qatar Gateway تربط الشركات الناشئة بصناديق رأس المال الجريء، بالتعاون مع جهاز قطر للاستثمار.
وتتيح الوحدة للشركات الناشئة الاطلاع على مجالات الاستثمار ومعايير الأهلية للصناديق المشاركة، والتواصل مع مديري الصناديق وتقديم طلبات الاستثمار عبر منصة واحدة.
المنصة الجديدة تأتي مع توسع الاستثمار العالمي
لا يعني التركيز الجديد على الاستثمارات المحلية أن جهاز قطر للاستثمار يتراجع عن نشاطه العالمي.
فالجهاز ما زال يمتلك محفظة دولية واسعة، وتشير بياناته الرسمية إلى استمرار تركيز فرق الاستثمار المباشر على الأسواق الخاصة العالمية، والعقارات، والشركات الخاصة، وصفقات ما قبل الطرح العام، إضافة إلى الاستثمارات المشتركة مع شركاء دوليين.
كما يدير الجهاز استثمارات عالمية في الأسهم والسندات وقطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية والعقارات والبنية التحتية والمؤسسات المالية وغيرها.
ويظهر إطلاق “الدوحة للاستثمار” توجهًا نحو تنظيم الجانب المحلي من هذه الاستراتيجية بصورة أكثر وضوحًا، مع وجود منصة مخصصة لإدارة الأصول والشركات الموجودة داخل قطر.
الظروف الاقتصادية تدفع نحو تعزيز الاقتصاد المحلي
يتزامن الإعلان مع ظروف اقتصادية وإقليمية ضاغطة على دول الخليج، خصوصًا مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أثر على حركة صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية وفق ما أوردته رويترز.
ويمثل الغاز الطبيعي المسال المصدر الرئيسي لإيرادات قطر، رغم استمرار الدولة في تنفيذ برامج تستهدف تنويع الاقتصاد وزيادة مساهمة القطاعات غير الهيدروكربونية.
وفي هذا السياق، يكتسب توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي المحلي أهمية إضافية، مع توجيه مزيد من الاستثمارات نحو البنية التحتية والعقارات والضيافة والشركات الخاصة والأسواق المالية.
نمو القطاعات غير النفطية
تتجه قطر خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة مساهمة القطاعات غير المرتبطة بالطاقة في النشاط الاقتصادي، ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مصادر النمو.
وأشارت رويترز إلى أن القطاعات غير الهيدروكربونية سجلت نموًا بنسبة 4.8% خلال 2025، فيما شكلت نحو 65.5% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الثالث من 2026.
ويعطي هذا الاتجاه أهمية أكبر للاستثمارات المحلية التي تستهدف الشركات والخدمات والبنية التحتية والقطاعات الجديدة، خصوصًا مع سعي الدولة إلى توسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص
تظهر خطة الاستثمارات المحلية البالغة 60 مليار دولار اعتمادًا متزايدًا على نماذج الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، خصوصًا في مشروعات البنية التحتية.
ومن خلال طرح المشروعات أمام المستثمرين والشركات الخاصة، تستهدف قطر جذب رأس المال والخبرات التشغيلية إلى مشروعات التنمية المحلية، مع الاحتفاظ بدور مؤسسات الدولة في توجيه الاستثمارات الاستراتيجية.
وتمنح “الدوحة للاستثمار” هذا التوجه إطارًا مؤسسيًا لإدارة جزء كبير من الاستثمارات المحلية التابعة لجهاز قطر للاستثمار، مع التركيز على تطوير الشركات ورفع قدرتها على النمو.
إعادة تنظيم أكثر من مجرد استثمار
يحمل إطلاق “الدوحة للاستثمار” جانبًا تنظيميًا إلى جانب الجانب المالي، إذ يجمع الاستثمارات المحلية لجهاز قطر للاستثمار ضمن منصة واحدة بدل إدارتها من خلال هياكل متفرقة.
ومن المتوقع أن يسمح هذا الهيكل بإدارة المحفظة المحلية بصورة أكثر تركيزًا، مع تحديد أولويات واضحة تتعلق بتطوير الشركات، وتعزيز الأسواق المالية، ودعم الشركات الناشئة، واستقطاب المستثمرين الدوليين.
وفي الوقت نفسه، تظل تفاصيل كيفية إدارة الشركات الـ45 وحجم الاستثمارات الجديدة التي ستخصص لها المنصة غير معلنة بالكامل في الإعلان الأولي.
قطر تعيد توجيه رأس المال نحو الاقتصاد المحلي
يمثل إطلاق “الدوحة للاستثمار” خطوة جديدة في استراتيجية قطر لإدارة ثروتها السيادية وربطها بصورة أكبر بأهداف التنمية الاقتصادية المحلية.
وتجمع الخطة بين إدارة محفظة محلية تضم 45 شركة مملوكة للدولة، وخطة استثمارية تصل إلى 60 مليار دولار، وبرامج تستهدف رأس المال الجريء والشركات الناشئة، إلى جانب استمرار جهاز قطر للاستثمار في نشاطه العالمي.
ويضع هذا التوجه القطاع الخاص وأسواق رأس المال والاستثمار المحلي في موقع أكثر أهمية ضمن المرحلة المقبلة من الاقتصاد القطري، مع استمرار الدولة في العمل على تنويع النشاط الاقتصادي وجذب رأس المال والخبرات الدولية إلى السوق المحلية.
جولة




