الاقتصادذكاء اصطناعي

كيف أصبحت الصين مركزًا لصناعة الذكاء الاصطناعي؟

رقمنة

اصبحت المنافسة على مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصين أكثر ارتباطًا بالقدرة على تحويل النماذج المتقدمة إلى منتجات وخدمات واسعة الانتشار، مع ظهور مجموعة من الشركات التي تطور نماذج قريبة من مستوى النماذج الأمريكية، وتقدمها بأسعار أقل أو في صورة مفتوحة الأوزان.

وتشير تغطية Bloomberg إلى أن الصين لا تخوض السباق فقط عبر محاولة تطوير أفضل نموذج ممكن، وإنما عبر بناء منظومة قادرة على نشر الذكاء الاصطناعي بسرعة داخل الاقتصاد الحقيقي، مستفيدة من كثافة المنافسة المحلية وانخفاض تكلفة النماذج وتوسع استخدامها بين الشركات والمطورين.

منافسة تتجاوز تطوير النماذج

شهد قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني خلال الفترة الأخيرة ظهور عدد كبير من المختبرات والشركات التي تطور نماذج لغوية متقدمة، في سوق يضم قرابة 1,000 نموذج لغوي كبير، وفق تحليلات حديثة أوردتها Bloomberg Intelligence.

وأدى هذا العدد الكبير من المنافسين إلى زيادة الضغط على الأسعار، إذ أصبحت تكلفة استخدام بعض النماذج الصينية أقل بصورة كبيرة من نظيراتها الأمريكية، مع اقتراب الفارق في الأداء بين بعض النماذج الصينية والأمريكية المتقدمة إلى نحو 5% في بعض الاختبارات.

وتدفع هذه البيئة الشركات الصينية إلى البحث عن طرق جديدة للتميز، سواء من خلال تحسين الأداء، أو خفض تكلفة التشغيل، أو إتاحة النماذج للمطورين بصورة مفتوحة.

النماذج المفتوحة تقود الانتشار

تعتمد شركات صينية عديدة على نموذج Open Weight، الذي يتيح للمطورين تنزيل أوزان النموذج وتشغيله وتعديله وفق احتياجاتهم.

وتشمل أبرز النماذج الصينية المفتوحة Kimi K3 من Moonshot AI، وGLM 5.2 من Z.ai، وDeepSeek V4، وQwen 3.5 من Alibaba، وMiniMax M3.

ويمنح هذا النموذج التجاري الشركات الصينية فرصة لتوسيع قاعدة المستخدمين بسرعة، مع تقليل تكلفة الوصول إلى التقنية، خصوصًا بالنسبة للشركات التي تفضل تشغيل النماذج داخل بنيتها التحتية الخاصة.

وأظهرت بيانات منصة Hugging Face أن النماذج الصينية مفتوحة المصدر استحوذت على 41% من إجمالي تنزيلات النماذج في مارس، متجاوزة النماذج الأمريكية، فيما جاءت النماذج الصينية الستة الأكثر تنزيلًا على OpenRouter ضمن صدارة النماذج المفتوحة الأكثر استخدامًا.

Kimi K3 يرفع سقف المنافسة

برز Kimi K3 من Moonshot AI كأحد أبرز الأمثلة على التسارع الصيني في تطوير النماذج.

وأدى إطلاق النموذج في يوليو إلى طلب قوي تجاوز قدرة الشركة على الاستيعاب، ما دفع Moonshot إلى تعليق استقبال اشتراكات جديدة بصورة مؤقتة بعد ارتفاع الطلب على الخدمة.

وأثار النموذج اهتمامًا خارج الصين أيضًا بعدما أظهرت بعض الاختبارات أن أداءه اقترب من نماذج أمريكية متقدمة، مع تصنيفه في بعض الاختبارات أعلى من Claude Opus 4.8، وفق البيانات التي أوردتها Bloomberg Intelligence.

ويعكس ذلك تغيرًا في طبيعة المنافسة؛ إذ لم تعد النماذج الصينية تنافس فقط على السعر، وإنما بدأت تدخل في مقارنة مباشرة مع النماذج المتقدمة من الشركات الأمريكية.

حرب أسعار تضغط على الشركات

أدى انتشار النماذج الصينية وتعدد الشركات المنافسة إلى ظهور حرب أسعار داخل السوق.

وتشير بيانات Bloomberg Intelligence إلى أن أسعار رموز بعض النماذج الصينية أصبحت أقل بنحو 80% من الأسعار الأمريكية في بعض حالات الاستخدام.

وتمنح الأسعار المنخفضة الشركات والمطورين حافزًا أكبر لتجربة الذكاء الاصطناعي وإدخاله في عمليات يومية، خصوصًا في المهام التي لا تحتاج إلى استخدام أغلى النماذج المتقدمة.

وتدفع هذه البيئة الشركات إلى توزيع المهام بين النماذج وفق قيمتها؛ إذ يمكن استخدام نموذج مرتفع التكلفة للمهام المعقدة، بينما توجه المهام الروتينية إلى نماذج أرخص.

الذكاء الاصطناعي ينتقل إلى الاقتصاد

تتمثل إحدى أهم نقاط القوة في الاستراتيجية الصينية في التركيز على نشر الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الاقتصادية، وليس فقط المنافسة على المركز الأول في اختبارات النماذج.

ويشمل ذلك التصنيع والروبوتات والأتمتة الصناعية، وهي قطاعات تمتلك فيها الصين قاعدة إنتاجية ضخمة يمكنها تسريع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتصف Bloomberg هذا النهج بأنه نموذج يركز على الانتشار السريع للتقنية داخل الاقتصاد، بحيث تصبح قيمة الذكاء الاصطناعي مرتبطة بمدى سرعة استخدامه في المصانع والشركات والعمليات اليومية.

ويختلف هذا المسار عن التركيز على تطوير نموذج متفوق بفارق كبير عن المنافسين، إذ يمكن لدولة أن تحقق قيمة اقتصادية ضخمة من خلال نشر نموذج جيد على نطاق واسع وبكلفة منخفضة.

الصين تطبق درس السيارات الكهربائية

يرتبط هذا النهج بما حدث في صناعة السيارات الكهربائية الصينية.

فقد شهدت الصين منافسة واسعة بين عشرات الشركات والعلامات التجارية، ما أدى إلى انخفاض الأسعار وتسارع الابتكار، قبل أن تبدأ الشركات الأقوى في اكتساب حصة أكبر من السوق.

وتستند استراتيجية الذكاء الاصطناعي الصينية إلى منطق مشابه؛ زيادة عدد المنافسين، خفض تكلفة التقنية، تسريع استخدامها، ثم السماح للسوق بتحديد الشركات القادرة على الاستمرار.

وترى Bloomberg أن هذا النموذج قد يحول الشركات الصينية الناجحة في الذكاء الاصطناعي إلى شركات ذات قيمة سوقية كبيرة، مع إمكانية توجهها إلى الإدراج في بورصتي شنغهاي وهونغ كونغ بدلًا من الاعتماد على الأسواق الأمريكية.

Alibaba تمول الجيل الجديد

تستفيد بعض الشركات الصينية الناشئة من دعم شركات التكنولوجيا الكبرى.

وتبرز Alibaba بصورة خاصة، إذ لا تكتفي بتطوير نماذج Qwen الخاصة بها، وإنما تستثمر أيضًا في شركات ناشئة تعمل على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.

ويمنح هذا النوع من الدعم الشركات الناشئة إمكانية الوصول إلى رأس المال والبنية التحتية والخبرات، بينما تستفيد الشركات الكبرى من توسيع منظومتها التقنية والاستثمار في الجيل المقبل من شركات الذكاء الاصطناعي.

ويصبح هذا الدعم أكثر أهمية في سوق يحتاج إلى إنفاق ضخم على التدريب والحوسبة والبيانات، رغم أن نماذج Open Weight قد تقلل تكلفة التوزيع والوصول إلى المستخدمين.

رأس المال يعيد تشكيل المنافسة

لا تزال شركات الذكاء الاصطناعي الصينية بحاجة إلى رأس مال كبير لمواصلة تطوير النماذج، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة الرقائق ومراكز البيانات والطاقة.

وفي المقابل، تمتلك شركات مثل Alibaba موارد مالية كبيرة يمكنها استخدامها لدعم منظومة الذكاء الاصطناعي التابعة لها.

وتشير المقارنة إلى أن الشركات الأمريكية تمتلك نماذج مشابهة؛ إذ تدعم Meta نموذج Llama، وتطور Google نموذج Gemma، بينما تمتلك Microsoft نموذج Phi.

ويعني ذلك أن المنافسة لا تدور فقط بين شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة، وإنما بين منظومات كاملة تمتلك رأس المال والحوسبة والتوزيع والبيانات.

نموذج هجين يقترب من الشركات

مع انخفاض تكلفة النماذج المفتوحة، يتجه الاستخدام التجاري نحو نموذج هجين يجمع بين النماذج المفتوحة والمغلقة.

يمكن للشركات توجيه المهام ذات القيمة المرتفعة أو الحساسة إلى نماذج متقدمة مغلقة، واستخدام نماذج أرخص في المهام اليومية والروتينية.

وتحتاج هذه الاستراتيجية إلى أنظمة قادرة على تحديد النموذج المناسب لكل مهمة، ومراقبة التكلفة والاستهلاك وقياس القيمة الناتجة عن كل استخدام.

وتطلق McKinsey على هذا المجال اسم AI FinOps، وهو نهج يركز على إدارة تكلفة الذكاء الاصطناعي من خلال اختيار النماذج وتوجيه الطلبات وتصميم سير العمل والاستفادة من البنية التحتية بصورة أكثر كفاءة.

المنافسة تصل إلى الأسواق العالمية

بدأ تأثير النماذج الصينية يتجاوز السوق المحلية، مع استخدام شركات غربية لبعض النماذج الصينية بهدف خفض تكلفة تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتسمح هذه الشركات لنماذج صينية منخفضة التكلفة بتنفيذ المهام الروتينية، بينما تحتفظ بالنماذج الأمريكية مرتفعة التكلفة للمهام التي تحتاج إلى قدرات أكبر.

ويخلق هذا الاتجاه فرصة كبيرة للشركات الصينية، لأنه يمنح نماذجها قاعدة مستخدمين عالمية، وفي الوقت نفسه يمثل ضغطًا على الحصة السوقية وهوامش الربح للشركات الأمريكية.

القيود الأمريكية تزيد التعقيد

تواجه النماذج الصينية في المقابل عقبات مرتبطة بالأمن القومي والقيود التنظيمية الأمريكية.

وتبحث واشنطن في طرق للحد من استخدام النماذج الصينية داخل القطاعات الحساسة، كما تواجه الشركات الأمريكية ضغوطًا بشأن استضافة أو استخدام نماذج صينية مفتوحة الأوزان.

وتكمن إحدى الصعوبات الرئيسية في طبيعة هذه النماذج؛ فبمجرد إتاحة نموذج مفتوح الأوزان وتنزيله، يصبح من الصعب إيقاف انتشاره بصورة كاملة، لأن نسخة النموذج يمكن أن تستمر على أجهزة المستخدمين وخوادمهم الخاصة حتى في حال توقف الخدمة الأصلية.

بكين تواجه معادلة صعبة

يضع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي الصين أمام تحديات اقتصادية أيضًا.

فالتقنية يمكن أن ترفع الإنتاجية وتدعم التصنيع والروبوتات، لكنها في الوقت نفسه قد تقلل الطلب على بعض الوظائف، في وقت تحتاج فيه الصين إلى خلق ملايين الوظائف سنويًا.

كما أن السماح للنماذج المفتوحة بالانتشار عالميًا قد يساعد الشركات الصينية على بناء نفوذ تقني، لكنه يحمل أيضًا مخاطر تتعلق بفقدان السيطرة على بعض التقنيات المتقدمة.

ولهذا تواجه بكين معادلة بين تعزيز الانتشار العالمي للذكاء الاصطناعي الصيني والحفاظ على التقنيات التي ترى أنها ذات أهمية استراتيجية.

الصين لا تحتاج إلى النموذج الأفضل

تكشف تجربة الصين في الذكاء الاصطناعي عن تحول مهم في طبيعة المنافسة.

قد لا تحتاج الصين إلى تطوير نموذج يتفوق على جميع النماذج الأمريكية في كل اختبار حتى تحقق مكاسب اقتصادية كبيرة. يكفي أن تمتلك نماذج قوية وقليلة التكلفة، ثم تنجح في نشرها على نطاق واسع داخل الشركات والمصانع والروبوتات والخدمات.

وتشير هذه الاستراتيجية إلى أن السباق قد لا ينتهي عند المختبر الذي يطور النموذج الأكثر تقدمًا، وإنما قد يحسمه الطرف القادر على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تشغيلية تستخدمها قطاعات الاقتصاد بصورة واسعة.

ومع استمرار انخفاض تكلفة النماذج المفتوحة وتوسع استخدامها عالميًا، تدخل الصين مرحلة جديدة من المنافسة، تتحول فيها ميزة السعر والانتشار وسرعة التطبيق إلى عناصر لا تقل أهمية عن قوة النموذج نفسه.

جولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى