
رقمنة
قالت محللة الأسواق لدى إيتورو ،نغم حسن إن عودة الذهب للتداول فوق المستوى النفسي البالغ 4,000 دولار، بعد أن تراجع دونه لفترة وجيزة يوم الجمعة الماضي، قد توحي للوهلة الأولى بأن السوق يشهد تصحيحاً فنياً اعتيادياً عقب موجة صعود قوية.
ورغم أن المعدن النفيس لا يزال منخفضاً بنسبة محدودة منذ بداية العام، وبنحو 25% عن أعلى مستوياته التاريخية المسجلة في يناير، فإن التعمق في هوية المشترين والبائعين يكشف صورة مختلفة تماماً بشأن الاتجاه الذي قد يسلكه الذهب خلال المرحلة المقبلة.
أسعار الفائدة هي المحرك الرئيسي
جاء التراجع الأخير في أسعار الذهب مدفوعاً بصورة أساسية بتوقعات أسعار الفائدة، أكثر من كونه انعكاساً للتطورات الجيوسياسية. فقد ساهم تبني رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش موقفاً متشدداً في دفع العوائد الحقيقية على السندات الأمريكية إلى مستويات تقترب من أعلى نطاقاتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إلى جانب دعم قوة الدولار.
ورغم أن بيانات التضخم الأمريكية لشهر يونيو جاءت أقل من المتوقع، فإنها لم تغيّر نظرة الأسواق تجاه مسار السياسة النقدية. كما أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران انعكست على الأسواق بشكل غير مباشر، عبر تأثيرها على أسعار النفط وتوقعات الفائدة، أكثر من تعزيزها الطلب على الذهب كملاذ آمن.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن معظم عمليات البيع جاءت من المستثمرين الغربيين والمضاربين في أسواق العقود الآجلة، حيث سجلت Gold ETFs تدفقات خارجة صافية، بينما تراجع حجم العقود المفتوحة في COMEX إلى أدنى مستوياته منذ عام 2009.
في المقابل… من يواصل شراء الذهب؟
في الوقت الذي اتجه فيه المستثمرون الغربيون إلى البيع، واصلت المؤسسات الرسمية شراء الذهب بوتيرة قوية. فقد أضاف بنك الشعب الصيني 15 طناً إلى احتياطياته خلال يونيو، وهو أكبر شراء شهري منذ أكتوبر 2023، ليواصل بذلك تعزيز احتياطياته للشهر العشرين على التوالي، لترتفع حيازاته الرسمية إلى 2,346 طناً.
كما أظهر استطلاع مجلس الذهب العالمي للبنوك المركزية لعام 2026 أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون استمرار نمو احتياطيات الذهب العالمية خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما يعتزم 45% منهم زيادة احتياطياتهم الخاصة، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها حتى الآن.
وفي تطور لافت، تجاوز الذهب سندات الخزانة الأمريكية من حيث حصته ضمن الاحتياطيات الرسمية العالمية، في حين يتوقع 74% من البنوك المركزية المشاركة في الاستطلاع استمرار تراجع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يعكس استمرار توجه تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار.
تطوران مهمان في الصين
شهدت الصين مؤخراً خطوتين من شأنهما التأثير في سوق الذهب على المدى المتوسط.
أولاً، أعلنت ICBC وعدد من أكبر البنوك الصينية وقف تقديم خدمات تداول الذهب الورقي والمنتجات ذات الرافعة المالية للأفراد عبر Shanghai Gold Exchange اعتباراً من 24 يوليو 2026، مع الإبقاء على تداول وامتلاك الذهب الفعلي دون تغيير.
وتتزامن هذه الخطوة مع توسع قدرات تخزين الذهب الفعلي في هونغ كونغ، بما يشير إلى توجه نحو تعزيز دور الذهب المادي في تسعير السوق، بدلاً من الاعتماد على الأدوات الورقية.
أما التطور الثاني، فيتمثل في استمرار نزوح السيولة من صناديق الأسهم الصينية بوتيرة أسرع من صناديق الذهب، حتى أصبح Huaan Yifu Gold ETF أكبر صندوق متداول في الصين لأول مرة، متجاوزاً CSI 300 ETF
ماذا يعني ذلك للمتداولين والمستثمرين؟
بالنسبة للمتداولين على المدى القصير، لا يزال الذهب يتحرك ضمن اتجاه تصحيحي هابط، حيث يواصل السعر مواجهة مقاومة عند خط الاتجاه الهابط مع تسجيل قمم أدنى تباعاً.
ويقع مستوى الدعم الرئيسي حالياً بين 3,958 و3,896 دولاراً؛ والثبات فوق هذه المنطقة قد يمهد لارتداد صعودي، في حين أن كسرها بشكل واضح قد يفتح المجال للتراجع نحو مستوى الدعم الأقوى قرب 3,513 دولاراً.
أما على الجانب الصاعد، فتتمثل أول مقاومة رئيسية في خط الاتجاه الهابط، تليه المتوسط المتحرك لـ200 يوم قرب 4,493 دولاراً، وهو مستوى يحتاج الذهب إلى تجاوزه لاستعادة صورة أكثر إيجابية على المدى المتوسط.
أما بالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل، فتبدو الصورة مختلفة. ففي الوقت الذي يتجه فيه أكبر المشترين الرسميين في العالم إلى تقليص حيازاتهم من الأصول المقومة بالدولار لصالح زيادة احتياطياتهم من الذهب الفعلي بوتيرة غير مسبوقة، يسير المدخرون الصينيون في الاتجاه نفسه بهدوء. ورغم ضعف الأسعار الحالي، فإن خريطة ملكية الذهب تشهد تحولاً تدريجياً قد تكون له انعكاسات مهمة على المدى الطويل.




