
رقمنة
- مارك مورتيمر-ديفيز
أثار قرار دولة الإمارات بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن الخامسة عشرة نقاشات مهمة حول السلامة الرقمية والرفاه النفسي للأطفال، وهي نقاشات ضرورية بكل تأكيد. لكن إلى جانبها يبرز سؤال لا يقل أهمية: إذا كنا نحدّ من الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، فبماذا سنملأ هذا الوقت؟
ومن واقع خبرتي الممتدة لأكثر من أربعين عاماً في قطاع التجزئة، أرى أن الإجابة قد تكون أقرب مما نتخيل. فقد كانت شويترامس جزءاً من حياة العائلات في دولة الإمارات لأكثر من خمسين عاماً، وخلال هذه العقود استقبلنا أجيالاً متعاقبة من الأسر نفسها، ورأينا أطفالاً يكبرون ليصبحوا آباءً وأمهات، ثم أجداداً. ومن أكثر الأمور التي لفتت انتباهي أن الأطفال يتعلمون أكثر عندما يشاركون في تفاصيل الحياة اليومية، وتُتاح لهم الفرصة لخوض تجارب حقيقية بأنفسهم.
وتشير دراسة أجرتها جامعة الشارقة بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت إلى أن 37.7% من الطلبة في دولة الإمارات يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً أمام الشاشات خارج أوقات الدراسة. ويسهم قرار حظر وسائل التواصل الاجتماعي في معالجة جزء من هذه المشكلة، لكن الساعات المتبقية لا تزال بحاجة إلى أن تُستثمر فيما هو أكثر فائدة. وهنا يبرز السؤال الذي يهم الآباء والمعلمين والمجتمع بأسره: كيف يمكن استثمار هذا الوقت؟
أرى أن التسوق الأسبوعي يمكن أن يكون جزءاً من الحل.
قد يبدو الأمر بسيطاً، لكن السوبرماركت يعد من الأماكن اليومية القليلة التي تمنح الأطفال فرصة لاتخاذ قرارات لها نتائج ملموسة وفورية. فهو يعلمهم أن للميزانية حدوداً، وأن العبوات الجذابة لا تعني بالضرورة قيمة غذائية أفضل، وأن المقارنة بين المنتجات تحتاج إلى التفكير، وأن المعلومات الموجودة على الملصق الغذائي قد تروي قصة مختلفة تماماً عن تلك التي يوحي بها الغلاف الخارجي.
في الماضي، كان الأطفال جزءاً أساسياً من رحلة التسوق الأسبوعية. كانوا يتساءلون عن سبب ارتفاع سعر نوع من حبوب الإفطار مقارنة بآخر، ويساعدون في وزن الفاكهة، ويبحثون عن المكونات، ويناقشون اختيارات الأسرة داخل عربة التسوق. أما اليوم، فكثير منهم يصل إلى صندوق الدفع دون أن يرفع عينيه عن جهازه. ويمنحنا القرار الجديد فرصة لاستعادة تلك اللحظات البسيطة التي تحمل قيمة تربوية كبيرة.
وبالنسبة للأطفال الأصغر سناً، قد تقتصر المشاركة على الاختيار بين نوعين من الفاكهة أو المساعدة في العثور على المنتجات الموجودة في قائمة التسوق. أما الأكبر سناً، فيمكنهم مقارنة الأسعار، وقراءة الملصقات الغذائية، أو المساهمة في التخطيط لوجبات الأسبوع. ولا تحتاج هذه الدروس إلى محاضرات أو تعليم مباشر، بل إلى الحضور والمشاركة.
فالأهم ليس أن يختار الطفل المنتج الأفضل في كل مرة، وإنما أن يبدأ بطرح السؤال: لماذا يُعد هذا الخيار أفضل من غيره؟
ولا تتوقف آثار هذه العادات عند أبواب السوبرماركت. فالطفل الذي يتعلم الالتزام بميزانية محددة يكتسب حس المسؤولية، والذي يقارن بين المنتجات ينمي قدرته على التقييم واتخاذ القرار، والذي يشارك في التخطيط لوجبات الأسرة يتعلم التنظيم والعمل المشترك. فجميعنا، سواء كآباء أو معلمين أو أصحاب عمل، نتطلع إلى إعداد جيل قادر على التفكير النقدي واتخاذ قرارات واعية، وغالباً ما تبدأ هذه المهارات في مواقف يومية بسيطة كهذه.
ونحن، كعاملين في قطاع التجزئة، تقع على عاتقنا أيضاً مسؤولية في هذا الجانب. صحيح أننا لا نستطيع أن نحل محل الآباء أو المعلمين، لكن بإمكاننا أن نوفر بيئة تسوق تشجع العائلات على الاستكشاف والتفاعل معاً. ويعني ذلك تقديم معلومات واضحة وشفافة عن المنتجات، وتهيئة مساحات تشجع على الحوار والفضول، وتصميم تجربة تسوق لا تركز فقط على السرعة والكفاءة، بل أيضاً على المشاركة والتفاعل. وفي شويترامس نعمل باستمرار على تطوير متاجرنا بما يدعم هذا التوجه، لأننا نؤمن بأن رحلة التسوق الأسبوعية يجب أن تكون أكثر من مجرد عملية شراء.
ويمكن للوالدين تحويل رحلة التسوق إلى مجموعة من التحديات الممتعة. اطلبوا من أطفالكم مثلاً العثور على منتج يقدم الجودة نفسها بسعر أقل من المنتج المعتاد، أو مساعدتكم في تحديد العبوة الأكثر توفيراً من خلال مقارنة سعر الوحدة أو الوزن، بدلاً من الاكتفاء باختيار العبوة الأكبر. كما يمكن تشجيعهم على اكتشاف منتجات من بلدان مختلفة أو التعرف إلى مكونات لم يسبق لهم رؤيتها. فمثل هذه الأنشطة البسيطة تجعل التسوق أكثر متعة، وتنمي لدى الأطفال مهارات الحساب واتخاذ القرار، وقد تساعد الأسرة أيضاً على اكتشاف منتجات جديدة وتوفير بعض المال.
ويعكس قرار الإمارات بشأن وسائل التواصل الاجتماعي قناعة يشاركها كثير من أولياء الأمور، وهي أن الأطفال بحاجة إلى قضاء وقت أطول في العالم الواقعي، حيث يختبرون مواقف حقيقية ويتحملون نتائج اختياراتهم. وقد لا يبدو السوبرماركت للوهلة الأولى المكان المتوقع لتحقيق ذلك، لكنه كان على مدى عقود جزءاً أصيلاً من حياة الأسر في هذا البلد، وما يقدمه من دروس عملية لا يمكن لأي منصة رقمية أن تعوضه.
وفي المرة المقبلة التي تتوجهون فيها إلى السوبرماركت، سلموا أطفالكم قائمة التسوق. دعوهم يختارون التفاح، ويقارنون بين منتجين، ويشرحون لكم أسباب اختياراتهم.
قد تستغرقون بضع دقائق إضافية بين الممرات، لكنها دقائق قد تسهم في بناء عادات ومهارات تبقى معهم مدى الحياة.
- الرئيس التنفيذي لشركة شويترامس




