
رقمنة – زياد المومني
في الممرات الهادئة داخل مستشفى الجامعة الأردنية، ومن واقع تجربتها العملية كمساعدة بحث في المستشفى ومن بين صور الأشعة وملفات المرضى، بدأت الحكاية .
هناك، لم تكن ” تسنيم الحوساني ” ترى مجرد صور طبية معقدة أو أرقام وتقارير متراكمة، بل كانت ترى قصصًا إنسانية تختبئ خلف كل حالة مرضية، ومرضى ينتظرون تشخيصًا أسرع، وقرارًا طبيًا أكثر دقة قد يختصر عليهم رحلة طويلة من الألم .
وسط هذا الواقع، أدركت الحوساني، الحاصلة على درجة الماجستير في تكنولوجيا المعلومات الصحية، أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أكثر من مجرد أدوات رقمية؛ ويمكن أن تتحول إلى وسيلة حقيقية لكسب الوقت، وتخفيف المعاناة، واداة لدعم الأطباء في واحدة من أكثر المهام حساسية وتعقيدًا ، ومن مشاهدتها لمعاناة المرضى في المستشفى، قررت أن تجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من العلاج .
ومن هنا، وُلد مشروع ” SpineSight“، كأحد المشاريع الأردنية الريادية التي تسعى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الأشعة السينية الخاصة بالعمود الفقري، بهدف دعم الأطباء في التشخيص واقتراح خطط علاج وتأهيل أكثر دقة وملاءمة لكل مريض.
وفي سياق بداياتها تقول تسنيم ان مشروعها كان من بين أفضل 40 مشروع وصلوا إلى المرحلة النهائية في مسابقة الملكة رانيا للريادة، وحصل على دعم وإرشاد خلال مراحل التطوير والعرض.
كما شاركت ضمن Orange Corners Cohort 3 لعام 2025، وهو إحد أبرز البرامج الداعمة للشركات الناشئة والرياديين في الأردن ، وحظيت بدعم من اورنج الاردن ، التي وفرت بيئة داعمة عبر برامج ومبادرات تُعنى بالابتكار وريادة الأعمال.
وخلال فترة الاحتضان، قدّمت الحوساني مشروع SpineSight أمام وفود وسفراء هولنديين ضمن فعاليات البرنامج، في تجربة أتاحت لها عرض رؤيتها حول توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي أمام جهات دولية داعمة لريادة الأعمال والابتكار.
وتؤكد أن الدعم الذي تلقّته من مركز الملكة رانيا للريادة وفريق iPARK، من خلال التوجيه والإرشاد والمتابعة، كان له دور مهم في تطوير المشروع وصقل رؤيته الريادية وتحويله من فكرة بحثية إلى مشروع قابل للتطبيق والتوسع .
دعم الريادة وصناعة الأثر
وفي إنجاز يعكس قيمة المشروع وأثره، حصلت الحوساني على المركز الأول في مسابقة ملهمة التغيير 2026، التي أطلقتها اورنج الاردن بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، وبدعم من كابيتال بنك ، وبتعاون مع جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات إنتاج .
وهذا الإنجاز يعكس أهمية تمكين الرياديات الأردنيات ومنحهن المساحة لتحويل أفكارهن إلى مشاريع قادرة على إحداث فرق حقيقي، خصوصًا في القطاعات الحيوية المرتبطة بالصحة والتكنولوجيا.
من فكرة بسيطة إلى مشروع يحمل أثرًا إنسانيًا
وتقول الحوساني لم تبدأ الرحلة بإمكانات كبيرة أو مختبرات متطورة، بل بدأت بالشغف، والأسئلة الكثيرة، والإيمان بأن الابتكار الحقيقي يولد من الحاجة .
وخلال عملها ، كانت الحوساني تراقب يوميًا الضغط الكبير الذي يواجهه الأطباء، خاصة مع الأعداد المتزايدة للمرضى والحاجة لاتخاذ قرارات دقيقة خلال وقت قصير ، وهذا المشهد اليومي دفعها للتفكيروتساءلت كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح شريكًا للطبيب، لا بديلًا عنه؟
ومع مرور الوقت، تحولت الفكرة إلى مشروع بحثي، ثم إلى منظومة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والخبرة الطبية، عبر فريق متعدد التخصصات يضم مختصين في الطب، وهندسة الحاسوب، والذكاء الاصطناعي.
عندما يلتقي الذكاء الاصطناعي بالخبرة الطبية
ولضمان أن يكون ” SpineSight ” قريبًا من الواقع الطبي الحقيقي، تقول الحوساني ، لقد جرى تطوير النظام وتدريبه باستخدام بيانات وصور أشعة حقيقية من مستشفى الجامعة الأردنية، وبإشراف مباشر من أطباء واستشاريين مختصين.
كما شاركت كوادر طبية من أقسام جراحة العظام، وجراحة الدماغ والأعصاب، والطب الطبيعي والتأهيل في عمليات تصنيف البيانات والتحقق من النتائج، لضمان أن تكون مخرجات النظام دقيقة ومتوافقة مع احتياجات الأطباء والمرضى.
ورغم التحديات المرتبطة ببناء قواعد بيانات طبية دقيقة وتطوير نماذج ذكية قادرة على تحليل صور العمود الفقري بكفاءة عالية، واصلت الحوساني وفريقها العمل على المشروع عبر مراحل طويلة من البحث والتجارب والتطوير.
ومع تطور المشروع، لم يعد دوره مقتصرًا على تحليل الصور الطبية فقط، بل توسع ليشمل إعداد تقارير ذكية تساعد الأطباء على فهم الحالة بشكل أسرع، إلى جانب تصميم خطط علاج وتأهيل تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين رحلة المريض العلاجية.
من الأردن إلى المستقبل
ما يميز تجربة الحوساني ليس الجانب التقني فقط، بل الروح الإنسانية التي تقف خلف المشروع ، فبالنسبة لها، الذكاء الاصطناعي لا يهدف إلى استبدال الطبيب، بل إلى منحه أدوات أكثر كفاءة تساعده على تقديم رعاية صحية أفضل وأكثر دقة.
وتؤمن الحوساني بأن التكنولوجيا عندما تنطلق من احتياجات الناس الحقيقية، تصبح قادرة على صناعة أثر ملموس في حياتهم ، وهذا الإيمان قاد المشروع إلى الانتقال من مرحلة الفكرة إلى التطبيق العملي داخل مستشفى الجامعة الأردنية، في خطوة تعكس طموحًا أكبر نحو بناء مستقبل للتشخيص الطبي الذكي في الأردن والمنطقة .
واليوم، تواصل تسنيم الحوساني وفريقها العمل على تطوير ” SpineSight ” برؤية تتجاوز حدود المشروع نفسه؛ رؤية تؤمن بأن الشباب الأردني قادرعلى صناعة حلول ذكية تنافس عالميًا، وتنطلق من الأردن نحو العالم، حاملة معها مزيجًا من الإنسانية، والإبداع، والريادة.




