
رقمنة
في تجمع عائلي، لفتت الطفلة “شمس” صاحبة الأعوام الأربعة انتباه خالتها الصغيرة بسبب متابعتها للمقاطع القصيرة على منصة اليوتيوب.
وتوجهت إليها بالسؤال: “لماذا تتابعين اليوتيوب؟ لماذا لا تشاهدين الكرتون؟”، لتكون الإجابة: “شو يعني كرتون؟”. لحظة صمت عمت المكان، وبدت علامات الاستغراب واضحة على وجه خالتها بسبب تلك الإجابة.
وبنبرة جادة سألت والدتها: “جد ما بتعرف؟”، مستغربة كيف أن أطفال اليوم لا يعرفون الكرتون ولا يتابعونه، فأخبرتها أنها حاولت معها لمشاهدته، لكنه لم ينل إعجابها، وقالت لها: “لا تستغربي، كل أطفال اليوم هيك”.
المتعة والخيال والقيم بأفلام الكرتون
في محاولة من الخالة لجذبها نحو الرسوم المتحركة “الكرتون”، بدأت تشاهده معها وتعرفها عليه، إلا أن الطفلة الصغيرة “شمس”، لم تحبه ورفضت المشاهدة، لتدرك بذلك أن هناك فرقا واضحا بين جيل الأمس وأطفال اليوم.
موقف بسيط خلق أسئلة عديدة في عقل الخالة الصغيرة، وأسكن الاستغراب في نفسها، وأعادها إلى ذكريات الطفولة حين كان للرسوم المتحركة موعد ثابت ينتظره الجميع أمام شاشة التلفاز، وكانت تحمل المتعة والخيال والقيم في الوقت ذاته.
والحقيقة أن أفلام الرسوم المتحركة ما تزال مؤثرة فيهم حتى اليوم، وما تزال أغاني “سبيستون” تتردد على ألسنتهم، من “سالي”، و”ريمي” و”كابتن ماجد” و”عهد الأصدقاء”، و”أنا وأخي” و”أبطال الديجيتال”، وغيرها من الرسوم المتحركة التي جعلت لحظات طفولتهم مليئة بالفرح.
المحتوى السريع والقصير بات أكثر جذبا
ما تزال أغاني “سبيستون” تطربهم ويرددونها بشغف كبير، فقد علمتهم معنى الصداقة والحب والتعاون والوفاء والأمل والحلم، إلا أن الرسوم المتحركة اليوم بدأت تغيب عن حياة أطفال هذا الجيل.
والواقع أنه فيما مضى لم تكن هناك خيارات كثيرة أمام الأطفال، وكانت الساعة التي تعرض فيها الرسوم المتحركة لحظة ينتظرها الجميع. أما اليوم، فقد تغير المشهد تماما، إذ أصبح الأطفال يعيشون وسط عالم رقمي مفتوح يتيح لهم خيارات لا حصر لها عبر اليوتيوب والمنصات المختلفة، ما جعل المحتوى السريع والقصير أكثر جذبا لهم من الكرتون التقليدي.
هذه الحقيقة جعلتنا نتساءل: هل خسر أطفال اليوم فرصة عيش تلك التجربة الجميلة مع الرسوم المتحركة؟ ولماذا أصبح اليوتيوب الخيار المفضل لديهم؟ وما الأثر الذي قد يتركه غياب الكرتون من حياتهم على خيالهم وقيمهم وحتى ذكريات طفولتهم؟
استبدال الرسوم المتحركة التقليدية باليوتيوب
اختصاصية علم النفس والنمو والاستشارية الأسرية الدكتورة خولة السعايدة بينت أن استبدال الرسوم المتحركة التقليدية باليوتيوب له أثره على الأطفال، فوفقا لنظريات النمو، كنظرية التعلم الاجتماعي، يمر الطفل في مراحل يعتمد فيها على التخيل والقصص لفهم العالم.
وأوضحت أن الرسوم المتحركة التقليدية كانت تدعم هذه المرحلة، لأنها تقدم أحداثا متسلسلة وشخصيات واضحة تساعد الطفل على بناء المعنى وربط الأسباب بالنتائج، وتعطيه الوقت للقيام بالعمليات العقلية اللازمة لذلك.
لكن ما نشهده اليوم من محتوى سريع العرض والتنقل بين الأفكار، وفق السعايدة، يقدم مقاطع متفرقة وسريعة التغير، قد تحد من قدرة الطفل على المتابعة العميقة وبناء التسلسل الذهني للأحداث.
ووفقا لذلك، يصبح التفاعل أقل عمقا، ويميل الطفل إلى الاستهلاك السريع بدل الاندماج في القصة أو الشخصية، ويكون متلقيا سلبيا.
الطفل يتعلم من النماذج التي يراها
وتذكر السعايدة أن الدراسات الحديثة تشير إلى الأثر السلبي الذي يتركه كثرة التعرض للمقاطع القصيرة والسريعة، فبحسب علم النفس المعرفي، وخاصة ما يرتبط بوظائف الانتباه، فإن الدماغ يتكيف مع نوع التحفيز الذي يتعرض له.
وتشير إلى أنه عندما يعتاد الطفل على محتوى سريع ومتغير باستمرار، فإنه يصبح أقل تحملا للأنشطة التي تحتاج وقتا أطول وتركيزا مستمرا، بمعنى أن ذلك قد يؤثر على تقصير مدى الانتباه لدى الأطفال، وهذا ما نلاحظه من سرعة الملل من المهمات التي تحتاج إلى تركيز عال ووقت أطول.
وتضيف السعايدة أنه يمكن فهم ذلك التأثير السلبي من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، حيث يتعلم الطفل من النماذج التي يراها، أي يقلد سلوك الآخرين القائم على السرعة والتشتت، مبينة أن المحتوى السريع يعزز نمط “الاستجابة الفورية”، ما قد يقلل من تنمية مهارات مثل الصبر والانتظار وتنظيم الذات.
أما عن دور الأهل في توجيه الأطفال نحو توازن صحي، فأوضحت السعايدة أن العلماء أكدوا أهمية التفاعل الاجتماعي والتوجيه من الكبار في تعلم الطفل، وهذا يعني أن دور الأهل لا يقتصر على الرقابة، بل يشمل المشاركة الفاعلة.
تنظيم وقت المشاهدة للصغار
وتذكر السعايدة أنه يمكن للأهل اختيار محتوى يتناسب مع مرحلة النمو ويعزز التفكير والخيال، ومرافقة الطفل أثناء المشاهدة في بعض الأحيان، وطرح أسئلة تساعده على الفهم.
إلى جانب تنظيم وقت الشاشة بما يتيح أنشطة أخرى مهمة للنمو، مثل اللعب الحر والتفاعل الاجتماعي، وإعادة إدخال القصص والرسوم المتحركة الهادفة التي تدعم بناء القيم والخيال.
والأهم، بحسب السعايدة، تقليل وقت الشاشات ووضع نظام صارم، مثلا: “يسمح باستخدام الإنترنت في عطلة نهاية الأسبوع فقط”، مقابل زيادة وقت الرسم الورقي والأعمال اليدوية والألعاب القائمة على التفاعل المباشر مع الآخرين، بعيدا عن الأجهزة الإلكترونية.
وبينت السعايدة أن النظريات النمائية لا ترى أن المشكلة في “اليوتيوب” بحد ذاته، بل في طبيعة الاستخدام، موضحة أن الطفل بحاجة إلى توازن بين التحفيز السريع والتجارب العميقة، لأن نموه المعرفي والانفعالي يعتمد على كليهما، ولكن بجرعات مدروسة وتوجيه واع من الأسرة.
أطفال يميلون للمحتوى السريع
ومن الجانب النفسي، بينت الاختصاصية النفسية أسماء طوقان أننا نلاحظ اليوم أن الأطفال أصبحوا يميلون إلى المحتوى السريع لأنه يمنحهم متعة مباشرة دون الحاجة إلى الانتظار، والمشكلة هنا ليست بسبب اليوتيوب، بل بطبيعة المحتوى الذي يعتمد على المثيرات الكثيرة والتغيير السريع.
ووفق قولها، فإن هذا يؤثر على قدرة الطفل على التركيز لفترات طويلة، ويجعله أقل صبرا على الأنشطة التي تحتاج وقتا مثل التعلم واللعب، كما أن سرعة الانتقال من مقطع إلى آخر لا تتيح للطفل الفرصة للتحليل وفهم المشاعر والربط بينها بشكل عميق.
ومن الناحية العاطفية، بينت طوقان أن الأطفال أصبحوا يملون بشكل سريع، ويبحثون عن محفزات سريعة؛ لأنهم اعتادوا على الإشباع الفوري بشكل مستمر، موضحة أن التأثير هنا لا يرتبط بالوسيلة فقط، بل بطريقة استخدامها ونوعية المحتوى الذي يعرض على الطفل.
وتشير طوقان إلى أن أفلام “الكرتون” القديمة كانت تبنى على قصة متكاملة، يتابعها الطفل من البداية إلى النهاية، وهذا يؤدي دورا مهما في تعزيز قدرته على التخيل وربط الأحداث.
التركيز على التسلية أكثر من القصة
أيضا، كانت تركز على القيم المهمة للطفل، كالصداقة وتحمل المسؤولية والأمل والاستمرارية والمحاولات المتكررة والتعاون، وتعرضها للطفل بطرق مبسطة وقريبة من فهمه، فيتعلم بطريقة غير مباشرة دون أن يشعر.
أما في وقتنا الحالي، فجزء كبير من المحتوى يعتمد على المقاطع القصيرة والسريعة، بحسب طوقان، حيث يركز على التسلية أكثر من القصة والمعنى، وذلك بهدف جمع أكبر عدد من المشاهدات دون هدف واضح.
ووفقا لذلك، نلاحظ أن الطفل يستهلك المحتوى بشكل أكبر، لكنه يتفاعل معه بشكل أقل، فخيال الطفل ما يزال موجودا، لكنه لا يستثمر بالطريقة نفسها التي كانت توفرها القصص الطويلة والمتسلسلة، بحسب طوقان.
وتفسر طوقان أن الاختلاف اليوم لا يتعلق بالمحتوى فقط، بل بطريقة عيش الطفل للتجربة، ففي السابق كان هناك وقت محدد ينتظره الطفل لمتابعة الحلقة، أما اليوم فالمحتوى متاح في أي وقت.
انخفاض في ثبات الذكريات القابلة للاستعادة
وتذكر طوقان أنه ومن خلال ملاحظتها المهنية، قد تظهر بعض الآثار السلبية على الطفل نتيجة متابعته هذا النوع من المحتوى، ومنها انخفاض ثبات الذكريات القابلة للاستعادة لاحقا، بسبب غياب الروتين المرتبط بوقت مشاهدة محدد، وانعدام الارتباط العاطفي بالشخصيات نتيجة التنقل السريع بين المقاطع.
إلى جانب تدني القدرة على الانتظار، وضعف الصبر والحماس تجاه شيء محدد، وغياب اللحظات العائلية المرتبطة بالنشاط نفسه، وصعوبة الاستمرار في نشاط واحد لفترة طويلة.
ومن جهة أخرى، تتشكل تجربة طفولة أقل استقرارا من حيث التفاصيل اليومية المتكررة، مع قلة الارتباط بالمحتوى الذي يحمل قصة هادفة.
والأخطر، بحسب طوقان، هو التركيز على المتعة السريعة بدل التجربة العميقة، إضافة إلى صعوبة التركيز والتشتت في الغرفة الصفية أو أثناء الدراسة في المنزل، نتيجة سرعة ملل الطفل، وأخيرا الاندفاعية وكثرة الحركة بحثا عن محفزات تكسر الملل.
وفي ختام حديثها، بينت طوقان أنه لا يمكن القول إن تجارب أطفال اليوم أقل جودة، لكنها مختلفة، وهنا يجب على الأهل تنظيم وقت المشاهدة، واختيار محتوى مناسب، وخلق لحظات مشتركة تعزز الشعور بالاستقرار والانتماء لدى الطفل.
المصدر : صحيفة الغد اليومية – رشا كناكرية




