
كما لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة للاتصال أو الترفيه، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء أساسي من الحياة الدينية اليومية لملايين المسلمين حول العالم، فمن تطبيقات مواقيت الصلاة والقرآن الكريم، إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تشرح الأحكام الشرعية أو تساعد في حفظ القرآن، ظهرت موجة جديدة يمكن وصفها بـ”الرفيق الإيماني” الرقمي، أي التكنولوجيا التي ترافق المسلم في عباداته اليومية وتساعده على أداء شعائره بسهولة ودقة أكبر.

نمو لافت
هذا التحول لم يعد ظاهرة هامشية، فوفقا لتقرير منصة ستاتيستا (Statista)، تعد التطبيقات الدينية الإسلامية من أكثر فئات التطبيقات نموا في عدد من الأسواق الإسلامية، لا سيما خلال موسمي رمضان والحج، مع ارتفاع ملحوظ في الاعتماد على الهواتف الذكية كمصدر أساسي للمحتوى الديني والتذكير بالعبادات.
والأرقام وحدها تكشف حجم هذه الظاهرة، إذ تجاوز عدد مستخدمي تطبيق “مسلم برو” (Muslim Pro) وحده 100 مليون مستخدم حول العالم، مما يجعله من أوسع التطبيقات الدينية انتشارا على مستوى العالم.
وتشير تقارير متخصصة متعددة في قطاع تحليل التطبيقات إلى أن موسم رمضان يشهد قفزة في استخدام التطبيقات الدينية تتراوح بين 30% و50%، مما يعني أن هذه الأدوات باتت جزءا لا ينفصل عن طقوس الشهر الكريم.
من التقويم الورقي إلى الذكاء الاصطناعي
قبل عقدين فقط، كان المسلمون يعتمدون على التقويمات الورقية لمعرفة مواقيت الصلاة، وعلى الكتب المطبوعة للفتاوى والأذكار، أما اليوم، فيمكن للهاتف الذكي أن يحدد بدقة أوقات الصلاة اعتمادا على الموقع الجغرافي، ويرسل تنبيهات للأذان، ويعرض اتجاه القبلة باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) والبوصلة الرقمية.
وقد أشارت دراسة منشورة في مجلة الدين والإعلام والثقافة الرقمية (Journal of Religion, Media and Digital Culture) إلى أن الهواتف الذكية أصبحت تؤدي دور “الوسيط الديني الشخصي”، إذ لم تعد الممارسة الدينية مرتبطة فقط بالمسجد أو الكتاب الورقي، بل انتقلت إلى المساحات الرقمية المحمولة.
وباتت تطبيقات كثيرة بمثابة “مرافق ديني دائم” يجمع بين القرآن والتفسير والأذكار ومواقيت الصلاة والتنبيهات اليومية في منصة واحدة.
الذكاء الاصطناعي يقتحم المجال الديني
تتمثل المرحلة الأحدث في دخول الذكاء الاصطناعي إلى التطبيقات الإسلامية، فبدلا من عرض معلومات ثابتة فقط، بدأت بعض المنصات تستخدم نماذج ذكية للإجابة عن الأسئلة الشرعية، واقتراح خطط لحفظ القرآن، وتقديم شروحات مبسطة للأحاديث والآيات.
كما بدأت مؤسسات إسلامية وجامعات بتجربة أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للإجابة عن الأسئلة الدينية بلغات متعددة، مع محاولة الالتزام بالمراجع الفقهية المعتمدة.
وقد أشار تقرير نشرته مجلة “إم آي تي تكنولوجي ريفيو” الأمريكية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات الإنسانية إلى أن الأنظمة الحوارية أصبحت تُستخدم بصورة متزايدة في الدعم النفسي والتعليمي والديني، بسبب قدرتها على التفاعل الشخصي السريع.
وعلى الصعيد الإقليمي، اتجهت المملكة العربية السعودية نحو توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة قاصدي الحرمين الشريفين تيسيرا لتجربتهم الروحية، كما تبرز دول جنوب شرق آسيا، كإندونيسيا وماليزيا، بوصفها من أكبر أسواق التطبيقات الدينية الإسلامية في العالم، في دلالة واضحة على عالمية هذا التوجه.

جدل فقهي ووعي مطلوب
غير أن هذه الطفرة التقنية لا تخلو من تحديات وإشكاليات أخلاقية وفقهية جوهرية، فقد أبدت مؤسسات دينية كبرى كالأزهر الشريف ودار الإفتاء تحفظات جدية على الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استنباط الفتاوى، معتبرة أن الاجتهاد الشرعي يشترط أهلية علمية وضوابط منهجية لا تملكها الأنظمة الآلية.
ويكشف هذا التوتر بين الانفتاح التقني والضبط الفقهي عن سؤال جوهري، وهو أين تنتهي أداة المعرفة وتبدأ مسؤولية العالِم؟
يقول كثير من المستخدمين إنهم لم يختاروا وجود التكنولوجيا في حياتهم، فذلك قدر فرضه التطور، لكنهم يؤكدون أنهم اختاروا طريقة حضورها، وحجم تأثيرها، والمكان الذي تحتله في سلم أولوياتهم. فالرفيق الإيماني لا يختار بالصدفة، بل يبنى بالوعي والمجاهدة.
وحين يضع الإنسان هاتفه في يده بنية الاستزادة والتعلم والاستفادة، تتحول الشاشة الباردة إلى مرآة للروح، وتصبح التقنية ما أراد الله منها، سخرة للإنسان، لا سيطرة عليه.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس التقنية بما تستطيع أن تفعل، بل بما يختار الإنسان أن يفعله بها، فالهاتف الذي يُفتح على آية قرآنية هو ذاته الهاتف الذي قد يُفتح على ما يشغل القلب ويميت الروح، والفارق ليس في الجهاز، بل في النية التي سبقت اللمسة الأولى.




