مقالات

الخبير في مجال الأعمال الإلكترونية أحمد غندور يكتب لـ ” رقمنة” : الرخصة الدولية للقيادة الرقمية ( 8 ) …. من المعرفة إلى الممارسة

كيف يعمل نموذج المعرفة والقدرة والتفكير في تقييم السلوك الرقمي

رقمنة 

*الاستاذ الدكتور أحمد غندور

تشهد المجتمعات تحولاً رقمياً واسعاً جعل الفضاء الرقمي مساحة مشتركة يستخدمها الناس يومياً للعمل والتعلم والتواصل والوصول إلى الخدمات. هذا التحول خلق فرصاً كبيرة لكنه خلق أيضاً تحديات تتعلق بالسلوك والمسؤولية والأمن والثقة في البيئة الرقمية.

سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية تناقش فكرة تنظيم السلوك في الفضاء الرقمي من خلال نموذج ترخيص يشبه رخصة القيادة في الطرق العامة. الفكرة تقوم على أن استخدام الفضاء الرقمي لم يعد مجرد مهارة تقنية بل أصبح مسؤولية اجتماعية تتطلب معرفة وقواعد وسلوكاً واعياً.

تهدف هذه السلسلة إلى تقديم مفهوم الرخصة الدولية للقيادة الرقمية IDDL بوصفها مبادرة يمكن أن تتطور إلى معيار وطني ودولي لقياس الكفاءة الرقمية وتعزيز المواطنة الرقمية المسؤولة. في هذا الجزء ننتقل إلى قلب نموذج التقييم نفسه. كيف يتحول قياس السلوك الرقمي من فكرة إلى منهج عملي.

منذ البداية قامت IDDL على سؤال بسيط.
كيف نعرف أن المستخدم لا يعرف فقط
بل يستطيع أن يطبق ما يعرفه.

هذا السؤال قاد إلى نموذج من ثلاثة مكونات مترابطة
المعرفة
القدرة
التفكير

هذه ليست مراحل منفصلة.
بل دورة تقييم واحدة.

المعرفة تأتي أولاً.

تمثل الفهم الأساسي للمفهوم.
هل يعرف المستخدم ما هو التصيد.
هل يفهم معنى الخصوصية.
هل يعرف حدود مخرجات الذكاء الاصطناعي.

لكن المعرفة وحدها لا تكفي.

قد يجيب المستخدم إجابة صحيحة
ثم يتصرف بطريقة خاطئة.

لهذا يأتي البعد الثاني.

القدرة.

هنا ينتقل التقييم من السؤال إلى الفعل.
يواجه المستخدم مهمة أو سيناريو يحاكي الواقع
ويُطلب منه التصرف.

ليس المطلوب أن يقول ماذا سيفعل
بل أن يفعل.

وهنا يحدث التحول الحقيقي من الاختبار إلى الممارسة.

لكن حتى هذا لا يكفي وحده.

قد يتخذ المستخدم القرار الصحيح بالمصادفة
أو بطريقة غير واعية.

لهذا يأتي البعد الثالث.

التفكير.

بعد القرار
يُطلب من المستخدم تفسير ما فعله ولماذا فعله.

ما الذي لاحظه
ما الذي جعله يختار هذا القرار
ما الذي كان يمكن أن يحدث لو اختار غير ذلك

هنا لا نقيس النتيجة فقط
بل جودة الحكم الذي قاد إليها.

هذا النموذج مهم لأنه يقيس ثلاث طبقات مختلفة.

هل يعرف
هل يستطيع
هل يفهم لماذا

وعندما تجتمع هذه الطبقات
نقترب من قياس الجدارة الحقيقية

لنأخذ مثالاً بسيطاً

في سؤال عن التصيد
قد يجيب المستخدم أن الروابط المشبوهة يجب عدم الضغط عليها
هذه معرفة

ثم يواجه رسالة تحاكي هجوماً حقيقياً
ويختار التحقق من المصدر وعدم الضغط
هذه قدرة

ثم يشرح أن القرار جاء لأن الرسالة استخدمت استعجالاً غير طبيعي ومصدراً غير موثوق
هذا تفكير

هنا لا نقيس معلومة واحدة
بل بنية كفاءة كاملة

وهذا هو جوهر نموذج المعرفة والقدرة والتفكير.

الأهم أن هذا النموذج لا يبحث فقط عن النجاح أو الفشل.

قد ينجح المستخدم في المعرفة ويفشل في القدرة
وقد ينجح في القدرة لكن يكون تفسيره ضعيفاً

وهنا تظهر الفجوة

وهذا ما يسمح للتقييم أن يكون تشخيصياً لا مجرد تصنيف

بدلاً من قول المستخدم اجتاز أو لم يجتز
يمكن فهم أين تكمن المشكلة

هل الفجوة في الفهم
أم في التطبيق
أم في الحكم

وهذا ما يجعل التقييم أداة تعلم بقدر ما هو أداة ترخيص.

ضمن IDDL لا يُنظر إلى هذا النموذج كمجرد تقنية اختبار
بل كفلسفة تقييم.

المعرفة دون قدرة لا تكفي
والقدرة دون تفكير قد تكون هشة
والتفكير دون ممارسة لا يثبت شيئاً

الثلاثة معاً هي ما يصنع الجدارة

هذا النموذج أيضاً يتناسب مع طبيعة الفضاء الرقمي المتغير.

لأن المطلوب ليس حفظ قواعد
بل القدرة على التكيف واتخاذ القرار

وهذا لا يُقاس بأسئلة تقليدية

في النهاية
السؤال ليس هل يعرف المستخدم الإجابة الصحيحة
السؤال هل يستطيع أن يحول المعرفة إلى فعل
والفعل إلى حكم واع

وهذا هو الانتقال الحقيقي
من المعرفة إلى الممارسة

في الجزء القادم من سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية ننتقل إلى السؤال المؤسسي
كيف يمكن للدول والجامعات والمؤسسات اعتماد هذا النموذج وتحويله إلى معيار عملي.

*خبير في مجال الاعمال الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى