
رقمنة
*الاستاذ الدكتور أحمد غندور
تشهد المجتمعات تحولاً رقمياً واسعاً جعل الفضاء الرقمي مساحة مشتركة يستخدمها الناس يومياً للعمل والتعلم والتواصل والوصول إلى الخدمات. هذا التحول خلق فرصاً كبيرة لكنه خلق أيضاً تحديات تتعلق بالسلوك والمسؤولية والأمن والثقة في البيئة الرقمية.
سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية تناقش فكرة تنظيم السلوك في الفضاء الرقمي من خلال نموذج ترخيص يشبه رخصة القيادة في الطرق العامة. الفكرة تقوم على أن استخدام الفضاء الرقمي لم يعد مجرد مهارة تقنية بل أصبح مسؤولية اجتماعية تتطلب معرفة وقواعد وسلوكاً واعياً.
تهدف هذه السلسلة إلى تقديم مفهوم الرخصة الدولية للقيادة الرقمية IDDL بوصفها مبادرة يمكن أن تتطور إلى معيار وطني ودولي لقياس الكفاءة الرقمية وتعزيز المواطنة الرقمية المسؤولة. في هذا الجزء نناقش التحول من محو الأمية الرقمية إلى المواطنة الرقمية المسؤولة.
خلال السنوات الماضية ركزت معظم الجهود التعليمية على محو الأمية الرقمية. كان الهدف تمكين الأفراد من استخدام الحاسوب والوصول إلى الإنترنت والتعامل مع التطبيقات الأساسية. هذا كان ضرورياً في مرحلة كان فيها الوصول إلى التكنولوجيا هو التحدي الأكبر.
تعلم المستخدم كيف يرسل بريداً إلكترونياً وكيف يبحث عن المعلومات وكيف يستخدم المنصات الرقمية. هذه المهارات فتحت الباب للمشاركة في العالم الرقمي. لكنها لم تعد كافية.
اليوم يعيش المستخدم داخل منظومة رقمية معقدة. يتفاعل مع منصات اجتماعية واسعة. يتعامل مع بيانات شخصية حساسة. يستخدم خدمات مالية رقمية. يعتمد على التعلم الإلكتروني. ويتعامل مع أدوات ذكاء اصطناعي تؤثر في ما يرى وما يقرأ وما يقرر.
هذا التحول كشف حدود محو الأمية الرقمية. القدرة على الاستخدام لا تعني القدرة على التصرف. المستخدم قد يعرف كيف يستخدم الأداة لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع آثارها.
يشارك محتوى دون تحقق. يكشف بيانات دون وعي. يتفاعل بانفعال دون إدراك. يعتمد على مخرجات الذكاء الاصطناعي دون تقييم. هذه ليست مشكلة مهارة فقط. هذه مشكلة سلوك داخل بيئة رقمية مشتركة.
ومع ذلك لا يمكن فهم هذا السلوك بمعزل عن البيئة التي يتشكل فيها. تصميم المنصات والخوارزميات يوجه الانتباه ويؤثر في التفاعل ويكافئ أنماطاً معينة من المحتوى. لذلك فإن بناء مواطنة رقمية مسؤولة لا يعتمد على تأهيل الفرد فقط بل يتطلب أيضاً بيئة رقمية مصممة بشكل مسؤول وسياسات واضحة تضمن التوازن بين الحرية والحماية.
من هنا ظهر مفهوم المواطنة الرقمية. لم يعد المستخدم مجرد متعامل مع أدوات. أصبح فاعلاً داخل فضاء مشترك. له حقوق وعليه مسؤوليات.
المواطنة الرقمية تعني أن يعرف الفرد كيف يتصرف داخل البيئة الرقمية بطريقة آمنة ومسؤولة. أن يقيّم المعلومات قبل نشرها. أن يحمي بياناته. أن يحترم الآخرين. أن يدرك مخاطر الأمن السيبراني. وأن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي.
هذا التحول مهم لأنه ينقل النقاش من المعرفة إلى السلوك. ومن الاستخدام إلى المسؤولية.
لكن هنا تظهر فجوة واضحة. رغم انتشار الحديث عن المواطنة الرقمية لا يوجد في كثير من الحالات طريقة واضحة لقياسها. يتم تدريسها. يتم التوعية بها. لكن نادراً ما يتم التحقق من امتلاكها فعلياً.
قد يحصل المستخدم على تدريب رقمي. لكنه قد لا يستطيع تمييز رسالة احتيالية. قد لا يفهم كيف تُستخدم بياناته. قد لا يدرك كيف تؤثر الخوارزميات في ما يراه. هنا يظهر الفرق بين المعرفة والجدارة.
في الطرق العامة لا يكفي أن يعرف السائق القواعد. يجب أن يثبت قدرته على تطبيقها. المجتمع لا يمنحه رخصة القيادة إلا بعد تقييم.
وفي السياق الرقمي لا يُقصد بهذا التقييم الحكم على السلوك الإنساني أو ضبطه، بل التحقق من الحد الأدنى من الجدارة الرقمية اللازمة للتعامل الآمن والمسؤول مع المواقف الرقمية اليومية.
من هنا يبدأ التحول من التعليم إلى الجدارة الرقمية. أي القدرة المثبتة على استخدام التكنولوجيا بطريقة تقلل المخاطر وتعزز الثقة.
الرخصة الدولية للقيادة الرقمية تنطلق من هذا المنطق. لا تهدف إلى استبدال التعليم. بل إلى استكماله. لا تركز على ما يعرفه المستخدم فقط. بل على ما يستطيع أن يفعله في مواقف رقمية حقيقية.
بهذا المعنى تصبح المواطنة الرقمية قدرة قابلة للقياس وليست مجرد مفهوم نظري.
هذا يفتح سؤالاً أساسياً. إذا كانت المواطنة الرقمية ضرورية للحياة اليوم. وإذا كانت المخاطر الرقمية متزايدة. فلماذا لا يوجد نظام واضح يحدد الحد الأدنى المقبول من الجدارة الرقمية.
في الجزء القادم من سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية نناقش هذا السؤال بشكل مباشر. هل يكفي التعليم الرقمي أم أن الفضاء الرقمي يحتاج إلى نظام ترخيص يحدد الجدارة الرقمية الأساسية للمشاركة فيه.
*الخبير في تخصص الاعمال الالكترونية




