التحول الرقمي الحكوميمقالات

المهندس خالد العلاونة يكتب لرقمنة عن صنع القرار القائم على البيانات: أساس الابتكار الحكومي (9)

رقمنة

ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة التاسعة منها

المهندس خالد العلاونة

في العصر الرقمي، لم يعد نقص المعلومات هو المشكلة، بل القدرة على قراءة البيانات وتحويلها إلى قرارات أفضل. وفي العمل الحكومي، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية، لأن أي قرار لا يؤثر في مؤسسة واحدة فقط، بل في مجتمع كامل.
في المقال السابق تحدثنا عن أن التحول الرقمي لا يصبح ابتكارًا حقيقيًا إلا عندما يغيّر تجربة المواطن ويزيل التعقيد من المسار. لكن تحقيق هذا التحول لا يعتمد فقط على التقنية أو إعادة تصميم الخدمة، بل يحتاج إلى عنصر أساسي آخر: القرار المبني على البيانات.
لفترة طويلة، كانت كثير من القرارات الحكومية تُتخذ بناءً على الخبرة الشخصية أو التقدير العام. ورغم أهمية الخبرة، فإن تعقّد المجتمعات اليوم يجعل الاعتماد عليها وحدها غير كافٍ. هنا تظهر البيانات بوصفها أداة تساعد صانع القرار على فهم الواقع كما هو، لا كما يُتوقع أن يكون.
البيانات في العمل الحكومي ليست مجرد أرقام أو تقارير إحصائية، بل هي صورة دقيقة لما يحدث فعليًا. فهي تجيب عن أسئلة بسيطة لكنها حاسمة:
كم عدد المراجعين لخدمة معينة؟
كم يستغرق إنجاز المعاملة؟
أين تتعطل الإجراءات؟
وأي الفئات تستخدم الخدمة أكثر من غيرها؟
حين تكون هذه المعلومات متوفرة، يصبح تحسين الخدمة عملية أوضح بكثير.
خذ مثالًا بسيطًا: إذا أظهرت البيانات أن أغلب المراجعين لخدمة معينة يأتون في ساعات محددة من اليوم، يمكن إعادة توزيع الموظفين في تلك الفترة لتقليل الازدحام. وإذا أظهرت البيانات أن خطوة معينة في المعاملة تستغرق وقتًا أطول من غيرها، يمكن مراجعتها أو تبسيطها.
وفي بعض الدول، أصبحت البيانات أداة أساسية في تخطيط السياسات العامة. ففي سنغافورة مثلًا، تستخدم الجهات الحكومية تحليل البيانات لفهم أنماط حركة السكان واستخدام الخدمات، ما يساعد على تخطيط النقل والبنية التحتية والخدمات العامة بدقة أكبر.
الأمر نفسه ينطبق على السياسات العامة في أي دولة. حين تعتمد الحكومة على بيانات دقيقة حول البطالة أو التعليم أو الصحة، يصبح من الممكن توجيه الموارد إلى الأماكن التي تحتاجها فعلاً، بدل توزيعها بشكل عام أو تقديري.
كما تساعد البيانات في اكتشاف المشكلات قبل أن تتفاقم. ارتفاع مفاجئ في الطلب على خدمة معينة قد يكون مؤشرًا مبكرًا على خلل في إجراء آخر، أو تغير في احتياجات المواطنين. وجود هذه المؤشرات المبكرة يمنح صانع القرار فرصة للتحرك قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة.
لكن استخدام البيانات لا يعني جمعها فقط. القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول البيانات إلى معلومات مفهومة، ثم إلى قرارات عملية. كثير من المؤسسات تمتلك كميات كبيرة من البيانات، لكنها لا تستفيد منها لأن تحليلها أو مشاركتها بين الجهات ما يزال محدودًا.
ومن هنا تظهر أهمية بناء ثقافة مؤسسية ترى في البيانات أداة للعمل اليومي، لا مجرد تقارير تُحفظ في الملفات. الموظف الذي يعرف أن أداء خدمته يُقاس بالزمن والجودة يصبح أكثر قدرة على تحسينها، والجهة التي تراقب مؤشرات الأداء بانتظام تستطيع تعديل مسارها بسرعة.
الحكومات التي تبني قراراتها على البيانات لا تتحرك بالتخمين، بل بالفهم. وحين يصبح الفهم دقيقًا، تصبح السياسات أكثر عدلًا، والخدمات أكثر كفاءة، والنتائج أقرب لما يحتاجه الناس.
وفي المقال القادم، سننتقل إلى جانب عملي آخر في الابتكار الحكومي، ونتحدث عن مختبرات الابتكار الحكومي ودورها في اختبار الأفكار قبل تطبيقها على نطاق واسع . 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى