ريادة الاعمالمقالات

المهندس خالد العلاونة يكتب “لرقمنة”:لماذا نحتاج إلى الابتكار؟ عندما يصبح غيابُه عبئًا يوميًا (4)

رقمنة

ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الرابعة منها.

 . المهندس خالد علاونة

في المقالات السابقة، تدرّج الحديث عن التحول من الإدارة التقليدية إلى الدولة الذكية، ثم ضبط مفهوم الابتكار الحكومي، وصولًا إلى دوافعه في الحكومات الحديثة. ومع هذا التدرج، يبرز سؤال يبدو بديهيًا لكنه في الحقيقة جوهري: لماذا نحتاج إلى الابتكار أصلًا؟ وما الذي يحدث فعليًا عندما يغيب؟
الإجابة لا تبدأ من الخطط ولا من الاستراتيجيات، بل من التجربة اليومية التي يعيشها المواطن. الحاجة إلى الابتكار تظهر غالبًا في اللحظة التي نشعر فيها أن إجراءً ما أصبح عبئًا بلا مبرر. عندما نضطر إلى مراجعة دائرة أكثر من مرة لإنجاز معاملة بسيطة، أو عندما نكتشف أن المشكلة ليست في النظام بل في طريقة تطبيقه، نكون أمام مثال حيّ على غياب الابتكار.
نحتاج إلى الابتكار لأن الزمن تغيّر، بينما كثير من الإجراءات لم تتغير معه. إجراء كان منطقيًا قبل سنوات طويلة قد يصبح اليوم غير مبرر. مثلًا، طلب مستند ورقي لإثبات معلومة موجودة أصلًا لدى جهة حكومية أخرى. المواطن لا يفهم لماذا يُطلب منه ما تملكه الدولة بالفعل، وهنا لا تكون المشكلة تقنية، بل فكرية وتنظيمية. الابتكار في هذه الحالة هو الاعتراف بأن الإجراء لم يعد منطقيًا، والبحث عن بديل أذكى.
نحتاج إلى الابتكار لأن غيابه يراكم الكلفة، لا فقط على الدولة، بل على الناس. كل خطوة زائدة تعني وقتًا ضائعًا، وجهدًا مهدورًا، وأحيانًا تكلفة مالية غير ضرورية. حين يُجبر المواطن على التنقل بين عدة جهات لدفع رسوم مختلفة أو تقديم الطلب ذاته أكثر من مرة، فإن الابتكار قد يكون ببساطة في جمع هذه الخدمات في مكان واحد.
هنا يظهر مثال مراكز الخدمات الحكومية بوصفه ابتكارًا عمليًا له أثر مباشر. حين انتقلت الخدمات من دوائر متفرقة إلى مركز واحد، تغيّرت تجربة المواطن بالكامل. لم يعد مضطرًا لمعرفة أين يذهب أو أي جهة مسؤولة عن أي إجراء. أصبح المسار أوضح، والزمن أقصر، والجهد أقل. هذا التغيير، رغم بساطته الظاهرية، انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمة ورفع مستوى الرضا، لأنه تعامل مع المشكلة من زاوية تجربة المراجع لا من زاوية الهيكل الإداري.
كما نحتاج إلى الابتكار لأن المشكلات المعاصرة لا تُحل دائمًا بالأدوات نفسها. خذ مثلًا الازدحام المروري. الحل لا يكون دائمًا ببناء طرق جديدة، بل أحيانًا بتعديل أوقات الدوام، أو تحسين النقل العام، أو إعادة تنظيم الحركة. الابتكار هنا هو تغيير طريقة التفكير في المشكلة، لا الاكتفاء بتكرار الحلول المكلفة ذاتها.
غياب الابتكار لا يؤدي فقط إلى بطء الخدمة، بل إلى شعور المواطن بأن صوته غير مسموع. حين تتكرر الشكوى نفسها لسنوات دون تغيير، تتآكل الثقة تدريجيًا. وفي المقابل، حتى التغيير البسيط، حين يكون مبنيًا على فهم معاناة الناس، يمكن أن يعيد هذه الثقة. مكتب استقبال يوجّه المراجعين، أو إجراء يُنجز من أول مرة، قد يكون كافيًا لتغيير انطباع ترسّخ لسنوات.
نحتاج إلى الابتكار أيضًا لحماية الموظف الحكومي نفسه. فالإجراءات المعقدة لا تُرهق المواطن فقط، بل تستنزف وقت الموظف وجهده. حين يُعاد تصميم الإجراء ليكون أبسط وأوضح، تتحسن تجربة الطرفين معًا. الابتكار هنا لا يكون ضد النظام، بل في خدمته.
وفي ظل محدودية الموارد، تصبح الحاجة إلى الابتكار أكثر إلحاحًا. حين لا تستطيع الدولة زيادة الإنفاق، فإن الخيار المنطقي هو تحسين طريقة العمل. الابتكار يصبح وسيلة للحفاظ على جودة الخدمة دون تحميل الدولة أو المواطن كلفة إضافية، وهذا ما يجعله مرتبطًا مباشرة بالمصلحة العامة.
لقد بات يقيناً اننا نحتاج إلى الابتكار لأن البديل عنه هو الجمود ، والجمود في عالم متغير ليس حيادًا، بل تراجعًا. الابتكار لا يعني تغيير كل شيء، بل امتلاك الشجاعة لمراجعة ما لم يعد مناسبًا، واختيار التبسيط حين يكون التعقيد هو المشكلة.
في المقال القادم، سننتقل خطوة أخرى، ونسأل سؤالًا أكثر تحديدًا: ما حاجة الحكومات إلى الابتكار في تقديم خدماتها وسياساتها؟ وكيف يختلف الابتكار في الخدمة عن الابتكار في القرار العام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى