
رقمنة
*الاستاذ الدكتور أحمد غندور
بعد أن بدأنا المرحلة الثالثة من سلسلة محو الأمية الرقمية بمقال التمويل الرقمي والشمول المالي، أصبح لدينا عنصران واضحان في الصورة: مواطن قادر على الإنتاج الرقمي، ومنظومة مالية رقمية تمكّنه من تحويل هذا الإنتاج إلى دخل. لكن يبقى سؤال لا يمكن تجاوزه: ما موقع هذا المواطن المنتج داخل الدولة؟ وما حقوقه ومسؤولياته عندما يصبح نشاطه وإنتاجه وعلاقاته كلها رقمية؟
في المراحل السابقة ركزنا على المهارة، ثم على الإنتاج، ثم على التمويل. الآن ننتقل إلى الإطار الذي ينظم العلاقة بين المواطن المنتج رقميًا والمجتمع والدولة. هنا يظهر مفهوم المواطنة الرقمية المنتجة.
المواطنة الرقمية في معناها البسيط تعني أن تمارس حضورك وسلوكك وحقوقك وواجباتك عبر الفضاء الرقمي كما تمارسها في الواقع. لكن المواطنة الرقمية المنتجة تضيف بُعدًا آخر. أنت لا تكتفي بالاستخدام أو التفاعل، بل تُنتج معرفة، وخدمات، ومحتوى، وأدوات. تصبح طرفًا مؤثرًا في البيئة الرقمية، لا مجرد متلقٍ لها.
المواطن المنتج رقميًا يحتاج إلى حقوق واضحة. أول هذه الحقوق هو الاعتراف القانوني بنشاطه الرقمي. العمل عبر المنصات، بيع المحتوى، تقديم الخدمات عن بعد، كلها يجب أن تُعامل كنشاط اقتصادي مشروع، له إطار تنظيمي واضح، لا منطقة رمادية. ثاني الحقوق هو حماية بياناته وأعماله ومعاملاته. لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يعمل رقميًا ثم نتركه بلا حماية قانونية وتقنية. ثالث الحقوق هو الوصول العادل إلى البنية التحتية الرقمية من اتصال، وأدوات دفع، وخدمات تحقق، ومنصات رسمية.
لكن مقابل الحقوق توجد مسؤوليات. المواطن الرقمي المنتج لا يعمل في فراغ. عليه التزامات تتعلق بالشفافية، واحترام الملكية الفكرية، وعدم إساءة استخدام الأدوات الرقمية، والالتزام بالقوانين المالية والضريبية عندما يتحول نشاطه إلى دخل مستمر. الإنتاج الرقمي لا يعفي من المسؤولية، بل يوسّع نطاقها.
التعليم هنا يلعب دورًا حاسمًا. لا يكفي أن ندرّس مهارات تقنية. نحتاج أن ندرّس ثقافة المواطنة الرقمية المنتجة. كيف تعمل عبر منصة بشكل مهني. كيف توثق أعمالك. كيف تسعّر خدماتك. كيف تتعامل مع عقود رقمية. كيف تفهم شروط الاستخدام. كيف تحمي نفسك قانونيًا. هذه ليست تفاصيل هامشية. هذه مهارات بقاء في الاقتصاد الرقمي.
المؤسسات التعليمية مطالبة بإدخال هذا البعد في المناهج. ليس كمادة نظرية، بل كممارسة. مشاريع رقمية حقيقية. تعامل مع منصات فعلية. محاكاة لعقود رقمية. تدريب على إدارة الدخل الرقمي. ربط مباشر بين التعلم والعمل الرقمي. بهذا فقط نُخرج مواطنًا رقميًا منتجًا يعرف كيف يعمل داخل المنظومة لا خارجها.
الدولة أيضًا مطالبة بتحديث نظرتها للمواطن المنتج رقميًا. لم يعد كل منتج شركة مسجلة أو متجرًا فعليًا. قد يكون فردًا يعمل من منزله ويبيع عالميًا. السياسات الذكية لا تُعاقب هذا النموذج، بل تنظمه وتدعمه وتدمجه تدريجيًا في الاقتصاد الرسمي دون تعقيد قاتل.
عندما تتضح الحقوق، وتُفهم المسؤوليات، ويُبنى التعليم على هذا الأساس، ننتقل من فوضى العمل الرقمي إلى مواطنة رقمية منتجة مستقرة. عندها يصبح الإنتاج الرقمي جزءًا من العقد الاجتماعي الجديد بين المواطن والدولة.
في المقال القادم، رقم ١٨، نكمل هذه المرحلة بالحديث عن الحوكمة الرقمية من زاوية أوسع: ليس فقط كتنظيم حكومي، بل كمشاركة مجتمعية في توجيه المسار الرقمي، وصناعة القرار، ومراقبة الأثر. هناك تكتمل صورة الاندماج في المنظومة الرقمية.
*خبير في مجال الأعمال الالكترونية


