
رقمنة
دخلت شركة أنثروبيك في مواجهة محتدمة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أن أصدرت الحكومة الأمريكية توجيهًا عاجلًا يقضي بتعليق الوصول إلى نموذجي الذكاء الاصطناعي المتقدمين “Claude Mythos 5” و “Fable 5” لأي مستخدم أجنبي داخل الولايات المتحدة أو خارجها، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط التقنية وقطاع الأمن السيبراني.
ووفقًا لمصادر مطلعة تحدثت إلى موقع “ذا فيرج” التقني، فقد تلقت الشركة مساء الجمعة إخطارًا رسميًا بفرض قيود تصدير على النموذجين، مع مهلة قصيرة لاتخاذ إجراءات فورية، مما دفع أنثروبيك إلى تعطيل بعض خدماتها مؤقتًا وإرسال مسؤولين كبارًا إلى العاصمة واشنطن لإجراء مفاوضات مباشرة مع الإدارة الأمريكية أملًا في التوصل إلى تسوية.
مخاوف أمنية وراء القرار
تستند الأزمة إلى مخاوف حكومية من إمكانية تجاوز الضوابط الأمنية المدمجة في نموذج “Fable 5″، عبر ما يُعرف في قطاع الذكاء الاصطناعي بعمليات “كسر الحماية”، التي تسمح للمستخدمين بالالتفاف على القيود المفروضة على النماذج الذكية.
وأكّدت أنثروبيك أن الثغرة المُبلغ عنها محدودة النطاق ولا تشكّل تهديدًا شاملًا، مشيرةً إلى أن القدرات التي أظهرتها التقارير الحكومية متاحة أيضًا في نماذج منافسة، مثل نموذج “GPT 5.5” التابع لشركة OpenAI.
وكان نموذجا “Claude Mythos 5” و “Fable 5” قد طُوّرا استنادًا إلى نموذج تجريبي سابق وصفته أنثروبيك بأنه يتمتع بقدرات متقدمة للغاية، مما دفعها إلى فرض قيود إضافية على إتاحته.
وبينما خُصص “Mythos 5” لعدد محدود من الجهات الحكومية والشركات، عدّت الشركة أن “Fable 5” آمن للاستخدام العام بفضل طبقات الحماية الإضافية المدمجة فيه.
اتصالات رفيعة المستوى
وبحسب المصادر، فقد تلقت أنثروبيك إنذارًا حكوميًا يمنحها مهلة قصيرة لتعليق الوصول إلى النموذجين، وإلا ستواجه إجراءات تنظيمية صارمة بموجب سلطات وزارة التجارة الأمريكية.
ودفع ذلك الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي إلى الدخول في سلسلة من الاتصالات المكثفة مع كبار المسؤولين الأمريكيين، منهم وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير التجارة هوارد لوتنيك، إضافةً إلى مسؤولين معنيين بالأمن السيبراني، في محاولة لشرح طبيعة النموذجين وطمأنة الحكومة بشأن المخاطر المحتملة.
وأكدت الشركة أنها كانت قد أطلعت الجهات الحكومية سابقًا على تفاصيل “Fable 5″، وأن وزارة التجارة أجرت اختبارات على النموذج قبل إطلاقه دون إبداء تحفظات جوهرية في ذلك الوقت.
مخاوف من منح الصين أفضلية تقنية
أثارت الخطوة الحكومية مخاوف واسعة داخل مجتمع التكنولوجيا الأمريكي، إذ حذر عدد من خبراء الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي من أن تعطيل النماذج المتقدمة الأمريكية قد يمنح الصين فرصةً لتقليص الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة.
وأشارت تقارير إلى مخاوف حكومية من احتمال وصول جهات مرتبطة بالصين إلى تقنيات أنثروبيك، لكن مصادر مطلعة أكدت أن الشركة سارعت إلى سحب أي صلاحيات وصول أثارت شكوكًا لدى السلطات الأمريكية فور إبلاغها بالمخاوف.
وفي رسالة مفتوحة وقعها مسؤولون تنفيذيون وخبراء في قطاع التكنولوجيا، دعا الموقعون إلى التراجع عن القيود المفروضة على “Fable 5″، مؤكدين أن أي تنظيم للذكاء الاصطناعي يجب أن يستند إلى تقييمات علمية مستقلة وبالتعاون مع الصناعة والأوساط الأكاديمية.
ويرى مراقبون أن القضية قد تتحول إلى سابقة تنظيمية مؤثرة في مستقبل الذكاء الاصطناعي، خاصةً أن شركات كبرى مثل OpenAI وجوجل ومايكروسوفت تمتلك نماذج مشابهة من ناحية القدرات والوظائف.
وحذّر خبراء من أن فرض قيود على نماذج أنثروبيك قد يفتح الباب أمام تطبيق معايير مماثلة على الشركات المنافسة.
وقال أليكس ستاموس، أحد أبرز خبراء الأمن السيبراني المشاركين في الحملة الداعمة لأنثروبيك، إن الفارق بين النماذج الأمريكية والصينية لا يُقاس بالسنوات بل بعدة أشهر فقط، وعدّ أن المبالغة في تقييد الشركات الأمريكية قد تضعف قدرتها التنافسية في سباق عالمي متسارع.
وأضاف ستاموس أن شركات عديدة بدأت بالفعل البحث عن بدائل غير أمريكية أو الاعتماد على نماذج مفتوحة المصدر تحسبًا لتزايد المخاطر السياسية والتنظيمية المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وتُبرز تلك الأزمة تحولًا ملحوظًا في موقف الإدارة الأمريكية من قطاع الذكاء الاصطناعي. فبعد نهج اتسم بالمرونة تجاه عمل شركات الذكاء الاصطناعي، بدأت السلطات الأمريكية تُظهر استعدادًا أكبر للتدخل المباشر في تنظيم عمل النماذج المتقدمة، خاصةً تلك المرتبطة بالأمن السيبراني والقدرات الهجومية الرقمية.
البوابة العربية للاخبار التقنية




