الاقتصاد

كيف يعزز الأردن أدوات دعم استدامة موارده المائية؟

وأشارت تحليلات خبراء بقطاع المياه، في تصريحاتهم لـ “الغد”، إلى أن الجهات المختصة تعمل على رصد مؤشرات تتعلق بتركيزات النيتروجين والفوسفور، باعتبارها من العناصر الأساسية المرتبطة بهذه الظاهرة، إلى جانب متابعة بعض المواقع الأكثر عرضة للتأثر، بما يوفر قاعدة بيانات تدعم إدارة الموارد المائية.
إلا أنه رغم هذه الجهود، بين الخبراء أن منظومة الرصد ما تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير من حيث الشمولية والتكامل، بحيث لا تقتصر على الرصد الدوري، بل تمتد لتشمل ربط البيانات البيئية بمصادرها المختلفة، بما في ذلك الأنشطة الزراعية والصناعية.
كما أن الاعتماد على العينات المخبرية، رغم أهميته، قد لا يواكب دائما سرعة التغيرات التي تشهدها جودة المياه، بخاصة في ظل الظروف المناخية المتغيرة، وفق الخبراء الذي لفتوا إلى أن إدماج ظاهرة الإثراء الغذائي في السياسات المائية الأردنية يجري تدريجيا عبر التوسع باستثمارات الصرف الصحي وتبني تقنيات حديثة لإزالة الفوسفور ضمن مشاريع 2026، بما يعزز الالتزام بالمعايير ويحد من التلوث.
وعلى المستوى العالمي، يبرز الإثراء الغذائي، ووفق تقرير صدر أخيرا عن المجلة العلمية المتخصصة “نيتشر”، وحصلت “الغد” على نسخة منه، كأحد أبرز التحديات المرتبطة بتدهور جودة المياه، حيث تؤدي زيادة تراكيز المغذيات لاختلال التوازن البيئي داخل المسطحات المائية، عبر ازدهار الطحالب وتراجع مستويات الأكسجين، ما ينعكس على التنوع الحيوي واستخدامات المياه المختلفة.
وأشارت المعطيات العلمية إلى أن مصادر هذه المغذيات ترتبط أساسا بتصريف مياه الصرف الصحي، والجريان الزراعي، والتغيرات في استخدامات الأراضي.
وفي هذا السياق، أكدت تحليلات المختصين أن التطورات الحديثة بتقنيات الاستشعار عن بعد ونماذج البيانات تفتح آفاقا جديدة لتحسين فهم هذه الظاهرة.
تقنيات حديثة لإزالة الفوسفور
وحول دور السياسات المائية باستيعاب هذه الظاهرة ضمن أدوات التقييم والتخطيط، أكد الامين العام الأسبق لوزارة المياه والري م. إياد الدحيات، أن موازنة قطاع المياه المالية المجمعة للعام 2026، خصصت نحو 100 مليون دينار لتنفيذ شبكات الصرف الصحي الجديدة، إلى جانب إعادة تأهيل وتحديث وتوسعة وبناء عدد من محطات تنقية الصرف الصحي في مختلف مناطق المملكة.

وأشار إلى أن معظم هذه المحطات ستعتمد على تقنيات حديثة بإزالة الفوسفور، ما سيسهم  بالحد من تفاقم هذه الظاهرة وضمان التزام المياه المعالجة بالمواصفات القياسية المعتمدة.
وحذر من تحدي ظاهرة الإثراء الغذائي، والتي تعدّ من أخطر المشكلات البيئية الناتجة عن ارتفاع تراكيز مادتي الفوسفور والنيتروجين في التربة والمسطحات المائية.
وقال إن هذه الظاهرة تنشأ غالبا نتيجة الاستخدام المفرط للأسمدة التي تحتوي على نسب عالية من النيتروجين، أو بسبب تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة التي تحمل تركيزات مرتفعة من الفوسفور، ما يؤدي لنمو مفرط للطحالب وحدوث اختلالات بيئية خطيرة.
وأضاف أن هذا النمو غير الطبيعي للطحالب يفضي لتدهور النظم البيئية المائية، ويؤدي  لتكوين ما يعرف بالمناطق الميتة التي تعجز فيها الكائنات المائية عن البقاء، نتيجة انخفاض مستويات الأكسجين الذائب في المياه، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تزداد خطورة عندما تتجاوز تراكيز الفوسفور حدودا معينة، الأمر الذي يهدد توازن النظم البيئية بشكل عام.
وأوضح أن تصريف الفوسفور في الأنهار والبحيرات والمناطق الساحلية يترك آثارا طويلة الأمد يصعب عكسها، لافتا إلى أن من أبرز النتائج المترتبة على ذلك تدهور جودة مصادر المياه المستخدمة للأغراض البلدية، وعلى رأسها مياه الشرب، إلى جانب اضطراب السلاسل الغذائية نتيجة نفوق الكائنات المائية مثل الأسماك واللافقاريات بسبب تراجع مستويات الأكسجين في المياه.
وأشار إلى أن مراقبة تراكيز المغذيات في المياه تعد من الركائز الأساسية في إدارة النظم البيئية المائية، مؤكدا أن الدراسات البيئية التي تركز على نمو الطحالب تسهم بفهم العلاقة بين تراكيز المغذيات وتطور المجتمعات الطحلبية، وهو ما يساعد في صياغة خطط فعالة للحفاظ على جودة المياه.
وأضاف أن هناك العديد من الطرق المتاحة لمعالجة الفوسفور في مياه الصرف الصحي، ومنها المعالجة البيولوجية، والترسيب الكيميائي، والترشيح، واستعادة الفوسفور، مبينا أن اختيار الطريقة المناسبة يعتمد على طبيعة مياه الصرف، وتركيز الفوسفور، والأهداف البيئية والاقتصادية المرجوة، إلى جانب تأثيرها على كفاءة المعالجة.
ولفت إلى أن بعض هذه الطرق قد ينتج عنها كميات كبيرة من الحمأة التي تحتاج لمعالجة والتخلص منها بشكل صحيح، ما قد يرفع من الكلفة التشغيلية ويزيد من الأثر البيئي لعمليات المعالجة، مشددا على أن اختيار التقنية المناسبة يتطلب دراسة متأنية لمجموعة من العوامل، من بينها معدل تدفق مياه الصرف الصحي، وتركيز الفوسفور، والمواصفات القياسية الأردنية، وأهداف المعالجة المطلوبة، وذلك لتحقيق التوازن بين الفعالية والتكلفة والاستدامة البيئية.
وبين أن استرداد الفوسفور يمثل تقنية حديثة ومبتكرة لا تقتصر على الحد من التلوث فحسب، بل تسهم أيضا في خلق قيمة اقتصادية، حيث تقوم هذه العملية على استخلاص الفوسفور من مياه الصرف الصحي وتحويله لمنتجات قابلة لإعادة الاستخدام في صناعة الأسمدة، بما يسهم بتحقيق استدامة في استخدام الموارد الزراعية.
وأضاف، إن هذه التقنية تتيح تقليل الأثر البيئي الناتج عن معالجة مياه الصرف الصحي عبر تحويل النفايات لمورد ذي قيمة، إلى جانب تعزيز الاقتصاد الدائري وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة.
رصد خجول
وفي ضوء هذه التداعيات، أكد الخبير الدولي في قطاع المياه د. دريد محاسنة، أن رصد ارتفاع تراكيز العناصر المختلفة، بما فيها النيتروجين والفوسفور والعناصر الثقيلة، سواء في الهواء أو المياه في الأردن، ما يزال ضمن مستوى محدود من حيث الشمولية، موضحا أنه لا يمكن وصفه بالضعيف بقدر ما هو “خجول”، في ظل وجود مبادرات تتزايد تدريجيا يوما بعد يوم، لكنها لم تصل بعد لمستوى الرصد المنهجي والمتكامل.

وأشار إلى أن هذه التحديات استدعت ضرورة التمييز في نوعية المنتجات الزراعية، بحيث تنتج محاصيل باستخدام مياه وطرق نظيفة تطرح بأسعار مناسبة وربما مدعومة، في حين شدد على أن أي مخالفات “قد ترصد” في هذا السياق، يجب أن تواجه بإجراءات رادعة، سواء عبر التسعير أو عبر الأطر القانونية، بما يضمن الالتزام بالمعايير ويحافظ على جودة الإنتاج وسلامة المستهلك.
تأثير على جودة المياه
وفي الإجابة حول التساؤلات المرتبطة بدور السياسات المائية في استيعاب هذه الظاهرة ضمن أدوات التقييم والتخطيط، نبهت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه م. ميسون الزعبي، من تحديات ظاهرة الإثراء الغذائي، باعتبارها من القضايا المرتبطة بتدهور جودة المياه عالميا.

وقالت إن تلك الظاهرة تحدث نتيجة زيادة تراكيز عناصر مثل النيتروجين والفوسفور، ما يؤدي إلى تغيرات في التوازن البيئي للمسطحات المائية، مثل نمو الطحالب وتراجع مستويات الأكسجين، وهو ما قد يؤثر على جودة المياه وخدماتها البيئية.
وأضافت أنه تم رصد هذه الظاهرة  في عدد من المسطحات المائية بالأردن، في ظل تحديات مرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ، مشيرة إلى أن مصادر المغذيات تشمل مياه الصرف الصحي المعالجة، والجريان الزراعي، وبعض الأنشطة الصناعية.
وبينت أن الجهود القائمة لرصد جودة المياه موجودة لدى الجهات المختصة، إلا أنها تعتمد إلى حد كبير على الرصد الدوري باستخدام عينات مخبرية، وهو ما يوفر صورة مهمة، لكنه قد يستفيد من مزيد من التطوير من حيث الشمولية والتحديث.
وأوصت باتخاذ بعض الإجراءات التي يمكن تعزيزها، مثل توسيع نطاق الرصد ليشمل مزيدا من المواقع، وتحسين ربط البيانات بين مصادرها المختلفة، بما يسهم في فهم أعمق للمتغيرات التي تؤثر على جودة المياه.
كما أشارت إلى أن الجريان الزراعي يعد من المصادر التي يصعب تتبعها بدقة في بعض الحالات، ما يستدعي تطوير أدوات قياس وتحليل أكثر تكاملا.
وأكدت أهمية الاستفادة من التقنيات الحديثة، مثل الاستشعار عن بعد ونماذج البيانات، لدعم عمليات الرصد وتحسين القدرة على التحليل والتنبؤ، بما يتيح تعزيز الجهود القائمة وتطويرها.
كما شددت على أهمية إدماج موضوع الإثراء الغذائي بشكل تدريجي ومنهجي ضمن سياسات المياه وأدوات التقييم الوطنية، لما لذلك من دور بتحسين إدارة الموارد المائية، ودعم التخطيط المستقبلي، وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات ذات العلاقة.
وأكدت على أن إدماج ظاهرة الإثراء الغذائي بشكل منهجي في سياسات المياه وأدوات التقييم الوطنية، لافتة إلى أنه ضرورة استراتيجية، وليس خيارا بيئيا فقط، لما له من دور في حماية الموارد المائية وضمان استدامتها وتعزيز الأمنين المائي والغذائي.
وأوضحت أن هذا الإدماج يتيح الانتقال نحو إدارة أكثر كفاءة ترتكز على الوقاية والتخطيط الاستباقي، مبينة أن دمج هذه الأدوات في السياسات الوطنية يسهم في تحويل إدارة المياه من نهج تفاعلي إلى نهج استباقي، ويعزز قدرة صناع القرار على وضع سياسات أكثر فاعلية وتكيفا مع التغيرات المناخية، بما يضمن حماية النظم البيئية وتحقيق أهداف الاستدامة.

المصدر : صحيفة الغد – ايمان الفارس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى