
رقمنة
- علاء جابر
في عام واحد فقط، شهد القطاع المالي الأردني أكثر من 363 مليون عملية دفع رقمية بقيمة تجاوزت 93 مليار دينار أردني، بنمو نسبته 62% مقارنة بالعام السابق. هذا ليس مجرد رقم إحصائي يُضاف إلى تقرير سنوي، بل هو دليل ملموس على أن الأردن لم يعد يستعد لدخول الاقتصاد الرقمي فحسب، بل أصبح جزءاً فاعلاً فيه. والسؤال المطروح أمام البنوك الأردنية اليوم لم يعد “هل ننتقل إلى التحول الرقمي؟”، بل “هل إننا نتحرك بالسرعة الكافية لمواكبة هذا التحول؟”
تكشف المؤشرات الرسمية أن أصول القطاع المصرفي الأردني كان من المتوقع أن تنمو بنسبة 6% لتصل إلى 74.1 مليار دينار بنهاية عام 2025، بحسب تقديرات البنك المركزي الأردني، في حين تضاعف حجم معاملات الدفع الفوري عبر منصة “كليك” (CliQ) خلال العام نفسه، إذ تجاوز عدد عملياتها 167 مليون عملية. هذه الأرقام تعكس واقعاً واضحاً: الأردن يملك بنية تحتية رقمية ناضجة، وقاعدة عملاء جاهزة للتفاعل مع الخدمات المصرفية الذكية، وقطاعاً مصرفياً يتمتع بثقة تنظيمية عالية بقيادة البنك المركزي الأردني.
لكن البنية التحتية وحدها لا تكفي، إذ تشير الدراسات الحديثة التي تناولت أداء البنوك التجارية الأردنية إلى أن قدرات التحول الرقمي، من التكيف التقني إلى التموضع التنافسي، تُفسّر نسبة 68% من التفاوت في الأداء المصرفي المُدرك. والأهم من ذلك: البنوك التي تستثمر بجدية في القدرات الرقمية والذكاء الاصطناعي لا تتحسن فقط في الكفاءة التشغيلية، بل تتفوق فعلياً على منافسيها في السوق.
خلال السنوات الماضية، انصبّ تركيز البنوك في الأردن على بناء البنية الرقمية، من تحديث الأنظمة الأساسية إلى تطوير قنوات الدفع والخدمات الرقمية. أما المرحلة المقبلة، فهي لا تتعلق بإضافة المزيد من التقنيات، بل بالاستفادة منها بطريقة أكثر ذكاءً. وهذا هو جوهر الذكاء الاصطناعي للأعمال (Business AI)، أي دمج الذكاء الاصطناعي بالعمليات اليومية للمؤسسة، بحيث يصبح جزءاً من طريقة اتخاذ القرار، لا مجرد أداة تعمل على هامش الأعمال بشكل منفرد.
نعمل في (اس ايه بي) الألمانية مع مؤسسات مالية في مختلف أسواق العالم على دمج الذكاء الاصطناعي للأعمال داخل أنظمتها التشغيلية، ونلاحظ بوضوح أن المؤسسات التي تحقق أكبر قيمة ليست تلك التي تتبنى أكبر عدد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل تلك التي توظفه داخل العمليات اليومية بالاعتماد على بيانات أعمال موثوقة ومتكاملة.
لكن نجاح الذكاء الاصطناعي مرتبط بشدة بالبيانات التي يستند إليها. لذلك فإن المؤسسات المصرفية التي تنجح في توحيد بياناتها وربطها عبر مختلف الوظائف، من العمليات إلى الالتزام والمخاطر، ستكون الأكثر قدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قرارات أسرع وأكثر دقة وقيمة، بينما تبقى البيانات المجزأة والمتفرقة عائقاً أمام أي استثمار في هذه التقنيات، بغض النظر عن مدى تطورها.
هذا التوجه يتماشى مع رؤية المملكة نفسها. فقد أقرّ مجلس الوزراء استراتيجية التحول الرقمي للأعوام 2026-2028، التي تتضمن خطة متكاملة من 57 مشروعاً ذا أثر عالٍ، وتهدف إلى بناء “أردن رقمي مُمكَّن وآمن”. هذه الاستراتيجية تضع الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية والثقة الرقمية في صميم أولويات المملكة، وتخلق بيئة مثالية أمام القطاع المصرفي للاستفادة من الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، خصوصاً عندما يقترن ذلك ببيانات موثوقة ومنصات أعمال متكاملة. فالمواءمة مع هذا التوجه الوطني لم تعد خياراً بل ضرورة استراتيجية مُلزمة.
الأردن يملك اليوم كل المقومات لأن يكون مركزاً إقليمياً للخدمات المالية الرقمية، بل إن البنك المركزي الأردني أشار صراحة إلى أن المرحلة المقبلة ستركز على تصدير الحلول المالية الرقمية الأردنية إلى الأسواق الإقليمية. ومع امتلاك المملكة لرأس مال بشري متميز وقطاع مصرفي يتمتع باستقرار تنظيمي وثقة عالية، فإن الفرصة متاحة اليوم لمواكبة هذا التحول العالمي عن قرب.
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجلس إدارة مصرفي في الأردن اليوم ليس “متى سنبدأ التحول الرقمي؟”، فالقافلة قد انطلقت بالفعل. أما السؤال الحقيقي فهو: أين تقف مؤسستنا في هذه اللحظة؟ هل نجحنا في تحويل بياناتنا وأنظمتنا إلى مصدر مستمر للقرارات الذكية والميزة التنافسية؟ فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بقدرة البنوك على تبنّي أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل بقدرتها على دمجه في صميم عملية اتخاذ القرار، لا الاحتفاظ به كمشروع تقني يعمل على هامش الأعمال.
المؤسسات المالية التي تطرح هذا السؤال على نفسها اليوم وتعمل على الإجابة عنه بجدية هي التي ستكون في المقدمة عندما تكتمل هذه الرحلة.
- المدير الإقليمي لشركة اس ايه بي SAP في الأردن وقطر وأسواق النمو السريع




