
رقمنة
منذ إطلاق «فريق التوعية المتنقل» بإدارة حماية الأسرة والأحداث بشكله الجديد المؤسسي في شباط (فبراير) 2023، استجابة للرؤى الملكية السامية، يعكف الفريق على التوسع في عمله، متنقلا في مناطق المملكة كافة، لرفع الوعي بقرابة 21 قضية محورية، تتعلق بالأسرة والأحداث والاستخدام الآمن لـ»الإنترنت»، عبر رسائل توعوية متخصصة ومحكمة، تقدم بأدوات فعالة وحديثة، وعن طريق كوادر مؤهلة تمتلك خبرة ميدانية واسعة.
استقطب الفريق منذ تأسيس الإدارة مرتبات من إدارة حماية الأسرة العاملين في الأقسام الميدانية، ليصبح وبتوجيهات من مدير الأمن العام، فريقا مركزيا متنقلا للتوعية الوقائية، يجوب أرجاء البلاد، لتغيير الوصمة الاجتماعية في المجتمع، مستهدفا البنية المعرفية السلبية حيال قضايا العنف ضد المرأة والطفل وكسر الصمت بشانها، وإبراز آثارها المدمرة على المجتمع، عدا عن تعزيز الوعي بآليات التبليغ ومخاطر التهديدات التي تتعرض لها الأسرة والطفل في البيئات المختلفة، بالمنزل والمدرسة وعبر فضاء الانترنت.
وفي لقاء خاص مع “الغد”، يكشف قائد فريق التوعية المتنقل في إدارة حماية الأسرة والأحداث النقيب معتصم المجالي، مهام الفريق الآخذة بالتوسع ومجالات عملهم وأدواتهم في نشر “التوعية الوقائية”، ويستعرض التطلعات لتوسيع عمل الفريق، مؤكدا أن جهود التوعية أسهمت بزيادة “الأثر الكاشف” لنسبة البلاغات التي تلقتها الإدارة العام الماضي مقارنة بسابقه 2023، حول حالات العنف بالمجمل.
واعتبر المجالي في حديثه لـ”الغد”، أن زيادة نسبة البلاغات، هي نتيجة التحول المعرفي تجاه قضايا العنف، وقفزة لا تفسر بأنها “زيادة أصيلة” في عدد حالات العنف، بل “نتيجة لزيادة الوعي”، بحسب رصد وتتبع الفريق.
وكشف المجالي، أن الفريق الذي يضم 10 من مرتبات الإدارة نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الإناث، يرتبط بما بـ17 ضابط ارتباط في أقسام حماية الأسرة بالمملكة، مؤكدا أن هناك سعيا للتوسع والتطوير مستقبلا على مستويي الاختصاص والجغرافيا في عمل الفريق، وتوجيه التوعية في المواقع الأكثر حاجة، والتوعية الشمولية الدورية.
وأكد المجالي، أن مجالات التوعية، بنيت وفق إستراتيجيات مؤثرة، تستند على حالات وبلاغات رصدت عبر وحدة الدعم الفني، والمشاريع التي تضم قسم الأطفال المستغلين جنسيا، والأقسام الأخرى في الإدارة، أو الاستفسارات التي تتلقاها الإدارة حول العنف الأسري والجنسي، وحماية الطفل من الإيذاء والإهمال، وزواج القاصرات، والتحرش والابتزاز الإلكتروني، والوقاية من المخدرات والرعاية الوالدية ومخاطر التغيب عن المنزل، والاستخدام الآمن لـ”الإنترنت”، وكذلك مخاطر الألعاب الإلكترونية التي تعد “ثغرة أساسية” اليوم لـ”الابتزاز” الذي يتعرض له الأطفال عبر “الإنترنت”.
وفيما يلي نص اللقاء:
– منذ انطلاق الفريق بشكله الجديد العام الماضي، كان واضحا أن رسالة الإدارة، تتجاوز التركيز على التوعية حيال العنف الأسري ضد المرأة والطفل، وأصبح العمل التوعوي يتخذ طابعا شموليا أوسع، عبر تناول قضايا وظواهر اجتماعية متجددة، تمس الأسرة والمجتمع باستمرار، من الرقابة والرعاية الوالدية، إلى الأمن الجسدي للأطفال، وظاهرة التنمر بين الأطفال، والاعتداءات الجنسية، والاستغلال عبر “الإنترنت”، ومخاطر الألعاب الإلكترونية، وحتى قضايا كالتحرش في بيئة العمل، أو إفساد الرابطة الزوجية، أو التغيب عن المنزل وغيرها.
الفريق يعمل ضمن إطار إستراتيجي مؤسسي، بهدف الوصول لأوسع شريحة ممكنة من المجتمع، دون استثناء لفئة عمرية أو اجتماعية. وقد أهلت الإدارة ضباط ارتباط في 17 قسما بالمملكة، بالإضافة للفروع في مخيمات اللجوء السوري، ليقوموا بالمهام التوعوية الميدانية التي ينفذها الفريق المركزي نفسها، بعد إخضاعهم لتدريب متخصص احترافي، وجميعهم يتمتعون بمهارات اتصال عالية ومؤثرة. كما واكب الفريق المتغيرات المجتمعية بتحديث الخطاب التوعوي باستمرار، بناء على ما نرصده من بلاغات أو استفسارات أو ملاحظات مباشرة من الميدان، ومن الأقسام المتخصصة في الإدارة.
فنحن حاضرون في كل مكان، في الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية والخاصة، وحتى في المساجد والمراكز الصحية. إذ استطعنا، بجهود الفريق، أن نخلق حضورا مؤثرا ومعروفا لدى مختلف الجهات، وأصبح يُطلب منا تنفيذ المحاضرات والمبادرات باستمرار. أما من حيث قياس الأثر، فنجد جهودنا في الميدان مباشرة، ولمسنا تزايدا ملحوظا في الطلب على المحاضرات وتنامي الشكر والتقدير من المدارس والروضات والجمعيات التي أكدت نجاح التوعية بحل مشكلات واقعية. ونحرص على أن تكون محاضراتنا بعدية عن الشكل التقليدي، فنستخدم أدوات وأساليب تفاعلية كالحقائب التدريبية، وكلها تُسهم بإيصال المعلومة وترسيخها في أذهان الحضور.
وتتمثل غايتنا بترسيخ أسس التربية السليمة، المبنية على المحبة والاحترام والرعاية، وتحقيق الأمن النفسي والجسدي للأطفال، بما يعزز قيم الأسرة ويحمي المجتمع. ونعمل أيضا على بناء إطار مجتمعي وتعزيز شبكة الشراكات، بحيث ينفذ هذا الإطار تحت مظلة الإدارة. كما لدينا حاليا شراكات مع المجلس الوطني لشؤون الأسرة و”اليونسيف”، وغيرها من المؤسسات الحكومية ومن منظمات المجتمع المدني، ومنظمات عالمية. هؤلاء الشركاء ليسوا داعمين فقط، بل استفدنا من التعاون المشترك معهم كثيرا. وقدمت لنا بعض المنظمات دعما مهما في التدريب التخصصي بالتوعية.
ما أساليب التوعية المتبعة بخاصة الموجهة للأطفال؟
– يعتمد الفريق في التوعية، على التفاعل بعيدا عن التلقين، ونستخدم أدوات وتقنيات تسهل إيصال المعلومة، وتضمن تفاعل الجمهور معها، أكانوا أطفالا أو بالغين. كما نلتزم بإنتاج مواد توعوية مبنية على أساس علمي، تحترم كرامة الإنسان، وتسهم بتعزيز الأمن الاجتماعي.
ويؤمن الفريق بأن الرسالة التوعوية لا تكتمل بدون قدرات بشرية مدربة ومؤهلة. لذلك نواصل تأهيل عاملينا، ورفع مهاراتهم بإيصال المعلومة والتأثير، بما يضمن تحقيق أثر فعلي، وقد وظفنا أدوات ووسائل توعوية لإيصال الصورة الحقيقية للمعلومة بطريقة يصعب نسيانها. فعندما ندخل مدرسة ونتعامل مع الطلبة، برغم أن لديهم 6 أو 7 حصص دراسية في اليوم، فنكون على دراية بأن محاضرة واحدة أمام حجم الحصص قد تُحدث تأثيرا أو تترك معلومة راسخة في أذهانهم. لذا، ننفذ نشاطات مختلفة ونبذل جهودا مستمرة في اليوم الدراسي، لتحقيق أكبر فائدة للطلبة، يخرجون بعدها وقد اكتسبوا معرفة كاملة حول موضوع كالتنمر وغيرها مما نتناوله من مواضيع في المحاضرة.
كذلك نستخدم فن الدمى في المحاضرات، بتقديم سكتشات تمثيلية يؤديها شباب أو فتيات، تتحدث قصصها عن التنمر، والأمن الجسدي، والاستخدام الآمن لـ”الإنترنت”، وكل ما يتعلق بقضايا الأطفال. وفي ظل انتشار التعامل مع الذكاء الاصطناعي، طورنا سكتشات وأفلام قصيرة كرتونية، مولدة بالذكاء الاصطناعي، يعكس فيها شباب الفريق وقائع معينة وقضايا تحدث في المدارس، وما يترتب عليها من تبعات قانونية.
ومن المهم هنا أن أشير لتغطية موضوع آليات التبليغ للأطفال، وكيفية وصوله لها، ففي كل محاضرة نعرض لهم كيف يتصرفون إذا واجهتهم مشكلة، وأين يتوجهون. ولا ننسى أن قطاع التعليم مشمول بـإلزامية التبليغ حسب قانون الحماية من العنف الأسري.
توعيتنا شاملة لكل الفئات، ولا تقتصر على الأطفال، بل والبالغين والعاملين بالمدارس كالمشرفين والمرشدين. ونعمل بتخطيط منهجي ومدروس، فقبل بدء الفريق مع الطلبة، نحرص على لقاء الكادر الإداري والتدريسي، وتقديم محاضرات حول إلزامية التبليغ وآليات اكتشاف الحالات وكيفية إحالتها. فنحن كجهة مقدمة للخدمات، نتعامل مع هذه التحديات بجدية، بخاصة بما يتعلق بالأطفال.
بصراحة، أصعب شيء في عمل الفريق، في مجال التوعية، هو حاجة هذا العمل للمتابعة ولتضافر جهود الجميع، فالفرد وحده لا يستطيع النجاح، والتوعية ليست مجرد محاضرة واحدة في المدرسة، بل يجب أن يكون الخطاب التوعوي في المدرسة متناسقا مع ما نقدمه نحن، بحيث يكون الطفل محاطا بالرسائل نفسها باستمرار. ولا أخفيك، بأن هناك اختلافا واضحا في طريقة التفكير، فحين أتحدث، أقدم علما وواقعية، وأحرص على وصول حديثي للبيت، ليتابع الأهل مع الطفل، فبدون هذا الدعم لن يكون هناك استمرارية للتأثير.
كيف تطور عملكم في التوعية خلال السنوات الماضية مع تطور جرائم العنف ضد الأطفال ووسائلها؟
– بدأنا عملنا بقضية العنف الأسري الواقع على المرأة والطفل، ثم توسعنا إلى قضايا أخرى مرتبطة بالأطفال، من بينها الرقابة والرعاية الوالدية، والأمن الجسدي، والتنمر بأشكاله المختلفة، والاعتداءات الجنسية، والاستغلال عبر “الإنترنت”، ومخاطر الألعاب الإلكترونية. هذه موضوعات حساسة وواقعية، نتعامل معها بمنهجية علمية قائمة على التوعية والتثقيف، لأنها تمس حاضر الأطفال ومستقبلهم مباشرة. وتهدف إستراتيجيتنا للوصول إلى جميع فئات المجتمع دون استثناء، لأن المجتمع يتكون من أطفال ونساء ورجال وأسر، وكل فرد فيه يُعد فئة مستهدفة بالنسبة لنا. لذلك عملنا على بناء إطار مؤسسي ولوجستي واضح ومنظم، يشمل تعيين ضباط ارتباط للتوعية في مختلف الأقسام والفروع بالمملكة، بما في ذلك مخيمات اللاجئين، بعد خضوع الضباط لدورات تدريبية وتأهيلية متخصصة؛ ليتمكنوا من تقديم التوعية بشكل يومي، والعمل بتنسيق مستمر مع الفريق المركزي لضمان إيصال الرسائل إلى كل منطقة وفئة.
كما زودنا ضباط الارتباط بمعدات فنية وتقنيات حديثة، خصوصا في قسم الأطفال المستغلين جنسيا التابع لوحدة الدعم الفني والمشاريع بالإدارة، لضمان القدرة على الرصد والمتابعة على مدار الساعة، بما يتيح التدخل السريع عند الحاجة.
لقد أنشأنا في العام 2016 قسما مختصا بجرائم الاستغلال الجنسي للأطفال عبر “الإنترنت”، اطلب عليه حينها “قسم الأطفال المستغلين جنسيا عبر الإنترنت” وأصبح اليوم تابعا لوحدة الدعم الفني، ويضم كوادر رفيعة المستوى ومؤهلين ويتعاملون بأحدث التقنيات، إلى جانب كادر مدرب يعمل بلا توقف لرصد الانتهاكات وحماية الأطفال. ولا يمكن الإنكار بأن الثورة التكنولوجية ولدت جريمة رقمية، وأيضا لدينا ظاهرة أساسية منتشرة في الشوارع والمدارس هي التنمر.
وبلا شك، فإن هناك تركيزا على مخاطر الألعاب الإلكترونية، وما قد تحمله من تهديدات نفسية وسلوكية، لذا نحرص على توعية الأطفال والأهالي بطرق الاستخدام الآمن والمسؤول لها. ويمكن القول حاليا بأن هذه الألعاب المنتشرة في “الإنترنت” تشكل ثغرة أساسية في قضايا الابتزاز والاستغلال للأطفال.
ما أبرز التحديات بالنسبة لكم في رسائل التوعية؟
– من أكبر التحديات، التوعية بالمعرفة القانونية، فكثير من الأهالي والأطفال لا يعلمون بأن هناك سلوكيات بسيطة يمارسها الأطفال، قد تندرج تحت أفعال مجرمة قانونيا. لذلك نقدم توعية شاملة، تشرح هذه الجوانب بلغة مبسطة تحترم كرامة الإنسان وتحقق الأمن له ولأطفاله. فالطفل حاليا يختلف تماما عن الطفل قبل 10 سنوات من حيث السلوك والثقافة. أتذكر شخصيا عندما كنت طالبا في المدرسة، لم أكن أعرف ما معنى “التنمر”، ولم يكن مصطلح التنمر منتشرا أو دارجا حينها. بالعكس، كان هذا المفهوم شبه غائب. لكن مع مرور الوقت، ومع عملي في الإدارة، درسنا واقع الطفل واكتشفنا بأن التنمر، أو ما يُعرف عالميا بمصطلح “البولينج”، هو سلوك يتكرر بين الأطفال، وليس مجرد تصرف بسيط، بل قد يصل إلى حد الأفعال الإجرامية. لذلك، يعد من القضايا الرئيسة في التوعية، لأنه يؤثر مباشرة على الأطفال واليافعين.
لدينا في الأردن قانون خاص بالأحداث، يعتبر أغلب هذه الأفعال مجرمة قانونيا، ولا بد من التوعية بها. والتركيز لا يكون فقط على فرض العقوبات، بل نعمل على تطبيق ما يُعرف بـ”العدالة الإصلاحية” التي تهدف لتقويم سلوك الطفل بعيدا عن التبعات القضائية والمحاكم، خصوصا في القضايا البسيطة كالسب والشتم والتي تندرج ضمن التنمر بأنواعه المختلفة، فمن واقع الحال، يأخذ التنمر أشكالا متعددة: لفظية كالسب والسخرية، وجسدية كالاعتداء والضرب، ما يؤدي لنتائج خطرة على الأطفال.
وبرغم ما قد تبدو عليه هذه السلوكيات بسيطة للبعض، لكنها أفعال مجرمة قانونيا، وتشكل خطرا على صحة الطفل النفسية والاجتماعية، لذا نعمل على توعية الأطفال بطرق التعامل مع التنمر، ونوضح للأهالي مسؤولياتهم في حمايتهم وتوفير بيئة قائمة على الحوار والاحترام. كما نعتمد على العدالة الإصلاحية الساعية لتقويم سلوك الطفل المتنمر، بعيدا عن العقوبات القضائية، حفاظا على مستقبله وتعزيزا لفرص اندماجه السليم في المجتمع.
يمكن القول، إن طلب المحاضرات تضاعف كثيرا، بحيث زاد بمعدل 3 لـ4 أضعاف من سنة لأخرى. وما نتلقاه من تعليقات، المكتوبة أو الشفوية، يعبر عن تقدير كبير لجهودنا، إذ يتصل بنا البعض ليشكرنا على ما قدمناه، مشيرين إلى أن المشكلة التي كانت تواجههم في المدرسة أو الروضة أو النادي أو الجمعية، جرى تفاديها بفضل محاضراتنا.
كيف تختارون الخطاب الموجه للأهالي والأسر في هذا المجال؟
– أؤكد أن التوعية ليست موجهة للأطفال فقط، بل يهمني أكثر أن تكون موجهة للأهالي، فالطفل يأخذ من جهود فريق التوعية نحو 30 % فقط، أما التأثير الأكبر فيأتي من أهله بنسبة 100 %. فما ينقله الأهل وخلال تواصلهم مع أطفالهم هو الأساس لحمايتهم من المخاطر.
من هنا، نوجه دائما نصائح للأهالي، وبالطبع لا ننكر جهود الزملاء في وحدة الدعم، فهم المختصون وعلى اتصال مباشر بهذه القضايا. وغالبا ما يشاركون معنا في الفعاليات ويقدمون نصائح مهمة. ومن أبرزها ضرورة وضع أنشطة بديلة للأطفال بعيدا عن الشاشات والهواتف، لأن ترك الطفل أمام الهاتف لفترات طويلة ليس حلا دائما، حتى وإن كان يمنح الأهل بعض الراحة المؤقتة، إننا ندعوهم لتخصيص جزء من الوقت للتواصل مع الأطفال، والاقتراب منهم بمستوى يناسب عمرهم. فهذا الجيل يحتاج لتعامل يفوق سنه الحقيقي، ولا يمكننا أن نتعامل معه كما لو أنه طفل في العاشرة فقط، بل يجب إضافة خمس سنوات على عمره الظاهري في طريقة التعامل.
كما نركز مع الأهالي على ضرورة بناء صداقة مع أطفالهم، وممارسة الوالدين لأدوارهم بحكمة، وأن يتقبلوا أخطاء أبنائهم، قبل مطالبتهم بعمل الصواب. لكن للأسف، هناك أرباب وربات أسر يعتمدون على لوم أو توبيخ أطفالهم، وهذا أسلوب غير فعال. كما نشجع الأهل على أن يكونوا المصدر الأول للمعلومات لأبنائهم، فترك الطفل يبحث عن المعلومات بنفسه، قد يوجهه لمصادر خاطئة، بخاصة في موضوعات حساسة كالقضايا الجنسية، وقد وردتنا استفسارات من أهال تفاجأوا بأسئلة أبنائهم حول هذه المواضيع، ما يشير لغياب الحوار الأسري المفتوح.
ماذا عن مخاطر الألعاب الإلكترونية وأثرها على الأطفال اليوم؟ وكيف يجري التعامل معها عن طريق الإدارة؟
– تبرز هنا أهمية برامج الرقابة الوالدية الإلكترونية، فهي تعد جزءا مهما من مراقبة وقت الأطفال خلال انشغالهم بهواتفهم وأجهزتهم التواصلية، وتساعد بالتحكم في مدة استخدامهم لها وحمايتهم من أي محتوى ضار فيها. فإذا نظرنا لتركيب الألعاب الإلكترونية التي يقبل عليها أطفالنا، سنلاحظ بأن معظمها مبني على عنصر التواصل الاجتماعي، إذ تحتوي بعض الألعاب على غرف دردشة (شات) تسمح بالتواصل بين اللاعبين. وها الأمر يشكل مصدر خطر حقيقي، لأنك لا تستطيع معرفة مع من يتواصل ابنك أو من قد يستخدم هذه الألعاب لأغراض ضارة. وهناك حالات كثيرة حدثت بالفعل، جرى فيها استغلال الألعاب كمنصة للقيام بأنشطة غير قانونية ضد الأطفال.
يمكن القول، بأن الألعاب الإلكترونية اليوم، ثغرة يمكن استغلالها لارتكاب جرائم بحق الأطفال، فهي بيئة جاذبة لضعاف النفوس الذين يستغلون البراءة والجهل. والألعاب غالبا ما ترتبط بالأطفال مباشرة، كما أنها تقدم في مكان مناسب للمعتدين أي “الإنترنت” لاستهدافهم. لذا من الضروري أن تكون الرقابة الوالدية مستمرة، وتوعية الأطفال والأهل بمخاطرها، وتوفير بدائل وأنشطة آمنة، لملء وقت الطفل وإبعاده عن المخاطر التي قد يتعرض لها في الإنترنت.
هل سجلت في الإدارة قضايا ابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية؟
– بالتأكيد، سُجلت حالات في قضايا مشابهة، لكن الحمد لله، فاليوم لا يوجد شيء بلا حل في الإدارة، ولم تمر أي واقعة من بين أيدي عامليها. هناك قواعد بيانات يجري العمل عليها، واتفاقيات مع الإنتربول، فإذا كانت الدولة خاضعة للاتفاقيات، تتخذ الإجراءات بحق مرتكبي الجرائم في هذا النطاق، سواء في بلادهم أو وفق البروتوكولات المعمول بها في قضايا التقاضي. وإذا كان مرتكب الجريمة خارج حدود الأردن، فلا مشكلة، بل بالعكس، فنحن نعمل بجد. وهذه الوحدة تعد بحق جنديا مجهولا على مستوى العمل التقني في المملكة.
ظهرت في الفترات الماضية قضايا تغيب أحداث عن المنازل، كيف تتعاملون معها في التوعية؟
في إدارة حماية الأسرة، لا نكتفي بالتعامل القضائي مع هذه الحالات، بل نتابع كل طفل أو يافع يتعرض لأي شكل من الاستغلال أو العنف، عبر برامج دعم نفسي واجتماعي، بهدف إعادة تأهيله وتقليل آثار الصدمة. وفي حالات التغيب، لا نركز فقط على العثور على الطفل، بل نهتم أيضا بفهم الأسباب الحقيقية التي دفعته للتغيب، وقد تبين عبر تعاملنا الميداني بأن معظم حالات التغيب لا تكون نتيجة أسباب واضحة، بل نتيجة ضغوطات نفسية أو أسرية، قد يكون من بينها العنف والقسوة، أو فقدان التواصل الفعال في الأسرة. لذلك يجري العمل في برامج التوعية على معالجة المسببات لا النتائج، ونركز على محاور مثل: الرعاية الوالدية، التواصل الأسري، الصحة النفسية، وأهمية التماسك الأسري، لأنها الأساس في وقاية الطفل من الوقوع في دائرة الخطر، ومنها التغيب.
ما الخطط المستقبلية لتطوير عمل الفريق؟
– نعمل حاليا على توسيع نطاق عمل الفريق بإطلاق فرق في أقسام الشمال والجنوب، كما بدأنا تفعيل آلية “الرصد الجغرافي”، وهي تحقق استجابة سريعة لرصد أي ظاهرة أو بلاغ في منطقة محددة، والتوجه إليها فورا، على غرار نظام دوريات النجدة. كما نستعد لإطلاق منصة إلكترونية توعوية بعنوان “منصة وعي”، لتوفير محاضرات رقمية، ومكتبة إلكترونية متخصصة، ومواد إعلامية موجهة، إلى جانب دعم مباشر عبر رقم هاتف وصفحة الإدارة الرسمية على “فيسبوك”، وحساب “واتساب” لتلقي الطلبات والاستفسارات. ولدينا خطة توعوية سنوية وشهرية وأسبوعية، مرنة وقابلة للتعديل بحسب المتغيرات والاحتياجات، نعتمد فيها على بيانات دقيقة تسهم بصياغة إستراتيجياتنا.
وهنا لا بد من شكر الزملاء في مديرية الإعلام الأمني والشرطة المجتمعية، الذين يقدمون دعما فعالا عبر تنظيم المحاضرات والفعاليات التوعوية، ما يعزز من تأثير جهودنا في المجتمع.
كما وسعنا كذلك فئات الاستهداف، لتشمل كبار السن وذوي الإعاقة، وزرنا دور كبار السن ومراكز الرعاية ودور الأحداث ومراكز التوقيف، وغيرها لضمان وصول خدماتنا وحماية المستهدفين بشكل فعال. ونعمل بتنسيق مشترك أيضا مع إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، ونفكر حاليا بإمكانية إطلاق برنامج لتكييف وتأهيل النزلاء، بخاصة من قضوا أحكاما طويلة. فهؤلاء الأشخاص عند خروجهم يواجهون واقعا متغيرا، بحيث تركوا أطفالهم صغارا والآن أصبحوا في عمر 10 أو 15 عاما أو أكثر، ما يستدعي تهيئتهم نفسيا واجتماعيا للاندماج مجددا في المجتمع. ونأمل البدء بالعمل على هذا المشروع قريبا.
المصدر : الغد – هديل غبون




