
رقمنة
أكد خبيران في تكنولوجيا المعلومات، أنه في عالم أصبحت فيه البيانات أغلى شيء في كثير من الأحيان، لم تعد حماية الخصوصية خيارا، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات والمجتمع بأكمله.
وقالا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن أذونات التطبيقات أصبحت بوابة للبيانات الأكثر قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن بناء ثقافة رقمية واعية أصبح ضرورة وطنية ومجتمعية.
وأوضح رئيس قسم كلية علم الحاسوب في الجامعة الأردنية الدكتور محمد العتوم، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفا تقنيا أو مفهوما مستقبليا، بل أصبح جزءا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، فملايين الأشخاص حول العالم يستخدمون تطبيقاته في الكتابة والترجمة والتعلم والبحث وإدارة الأعمال والتواصل، حتى بات الهاتف الذكي أشبه بمساعد شخصي يعمل على مدار الساعة.
وبين أنه بالرغم من الفوائد الكبيرة التي تقدمها هذه التطبيقات، فإن هناك جانبا آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، يتمثل في الخصوصية الرقمية وأذونات الوصول التي تحصل عليها هذه التطبيقات داخل الهواتف الذكية، وما قد يترتب على ذلك من وصول إلى بيانات ومعلومات شخصية للمستخدمين.
ولفت إلى أن طلب بعض التطبيقات الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو الموقع الجغرافي أو الملفات المخزنة على الجهاز لا يقتصر على تفعيل ميزة محددة فحسب، بل يمنح التطبيق إمكانية الوصول إلى جزء من الحياة الرقمية للمستخدم وما تحتويه من بيانات ومعلومات شخصية.
وشدد على ضرورة أن يدرك المستخدم حجم البيانات التي يشاركها فعليا عند الضغط على زر “موافقة” وأن يحرص على قراءة الأذونات المطلوبة وفهمها قبل منحها لأي تطبيق، حفاظا على الخصوصية الرقمية وتعزيزا لأمن المعلومات الشخصية.
وأوضح أن معظم المستخدمين يمنحون الأذونات للتطبيقات بشكل تلقائي، دون قراءة أو فهم كاف لأسباب طلبها أو لآلية استخدام البيانات التي يتم جمعها، مؤكدا أنه في كثير من الحالات تكون الأذونات مبررة وضرورية لتشغيل الخدمة، إلا أن بعض التطبيقات تطلب صلاحيات تتجاوز احتياجاتها الفعلية، ما يتيح لها جمع كميات كبيرة من البيانات الشخصية ويثير المخاوف التي تتعلق بالخصوصية والأمن الرقمي.
وأشار إلى أنه في عصر البيانات الضخمة لم تعد قيمة المعلومات تكمن في معلومة واحدة منفردة، بل في القدرة على تجميع وتحليل آلاف البيانات الصغيرة، حيث أن موقع المستخدم وسجل البحث الخاص به وصوره وتفضيلاته وأوقات نشاطه وحتى طريقة تفاعله مع التطبيقات، يمكن أن تشكل مجتمعة ملفا رقميا متكاملا يعكس شخصيته وسلوكه واهتماماته بدرجة عالية من الدقة.
وأكد أن العالم شهد خلال السنوات الأخيرة العديد من الحوادث التي أظهرت حجم المخاطر المرتبطة بجمع البيانات الشخصية، إذ تعرضت شركات ومنصات عالمية عديدة لاختراقات إلكترونية أدت إلى تسريب بيانات ملايين المستخدمين، ما يؤكد أن الخطر لا يكمن في جمع البيانات فحسب، بل يمتد أيضا إلى آليات تخزينها وحمايتها وضمان عدم تعرضها للاختراق أو سوء الاستخدام.
وبين أنه من القضايا التي تثير اهتمام المستخدمين باستمرار، الاعتقاد بأن الهواتف الذكية تستمع إلى المحادثات الخاصة، إلا أنه لا توجد أدلة تقنية موثوقة تثبت وجود تنصت مستمر أو منهجي على المستخدمين، لافتا الى أن الكم الهائل من البيانات التي تجمعها المنصات الرقمية يمكن خوارزميات الذكاء الاصطناعي من التنبؤ باهتمامات الأفراد وسلوكهم بدرجة عالية من الدقة، ما يجعل كثيرين يشعرون بأن هواتفهم تعرف عنهم أكثر مما ينبغي.
وأضاف إن التحدي الحقيقي من منظور الأمن السيبراني لا يكمن في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في غياب الوعي الرقمي لدى بعض المستخدمين، فالتقنيات الحديثة تمثل أدوات فعالة للحماية والابتكار ورفع الكفاءة، لكنها قد تتحول إلى مصدر للمخاطر عند إساءة استخدامها أو التعامل معها دون إدراك كاف لأبعادها الأمنية.
وأضاف ،إن بناء ثقافة رقمية واعية أصبح ضرورة وطنية ومجتمعية، خاصة في ظل التوسع المتسارع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بين الشباب والأطفال وإن ترسيخ هذه الثقافة يبدأ بتعزيز الوعي بأهمية مراجعة أذونات التطبيقات وقراءة سياسات الخصوصية وتحميل البرامج من مصادرها الرسمية وعدم مشاركة البيانات الحساسة إلا عند الضرورة بما يسهم في تعزيز الأمن الرقمي وحماية خصوصية المستخدمين.
من جهته، قال الاستشاري التقني الاستراتيجي المهندس هاني البطش، إن أذونات التطبيقات أصبحت بوابة البيانات الأكثر قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أنه في السابق كان المستخدم يقلق من الفيروسات والبرمجيات الخبيثة، أما اليوم فإن التحدي الأكبر قد يبدأ أحيانا من زر صغير نضغط عليه يوميا دون تفكير وهو “السماح“.
وقال إنه في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت البيانات الوقود الحقيقي للاقتصاد الرقمي، وإن الصور والموقع الجغرافي وجهات الاتصال وسجل البحث وأنماط الاستخدام باتت ذات قيمة قد تفوق قيمة الجهاز نفسه.
وأكد أن من الحقائق التي قد تفاجئ الكثيرين أن الهاتف الذكي قادر على كشف نمط حياة المستخدم واهتماماته وعاداته اليومية وحتى أوقات نشاطه وتنقله من خلال البيانات التي يتم جمعها وتحليلها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى الوصول المباشر إلى معلومات حساسة.
وأشار الى أن الوعي في استخدام التطبيقات يعد خط الدفاع الأول، إذ يجب أن يقوم المستخدم بمراجعة الأذونات الممنوحة بشكل دوري ويمنح كل تطبيق الصلاحيات التي يحتاجها فعليا لأداء وظيفته فقط.
وأوضح أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يجعل من الضروري تعزيز الثقافة الرقمية لدى الأفراد، لأن حماية الخصوصية لم تعد مسؤولية الشركات والحكومات فقط، بل أصبحت جزءا من السلوك اليومي للمستخدم.
وتابع، أنه في المستقبل القريب سنشهد تطبيقات أكثر ذكاء وقدرة على تقديم خدمات متقدمة، إلا أن تحقيق التوازن بين الابتكار وحماية الخصوصية سيبقى أحد أبرز التحديات الرقمية على مستوى العالم .
بترا – غادة حماد




