ريادة الاعمالمقالات

المهندس خالد العلاونة يكتب “لرقمنة”: الابتكار في أوقات الأزمات: من ردّ الفعل إلى الاستباق (5)

رقمنة

ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الخامسة منها.

 . المهندس خالد علاونة

في المقالات السابقة من هذه السلسلة، كان الحديث عن الابتكار بوصفه مسارًا لتحسين العمل الحكومي في الظروف العادية ، لكن قيمة الابتكار الحقيقية غالبًا ما تظهر بوضوح أكبر في أوقات الأزمات، حين تضيق الخيارات، وتزداد الضغوط، ويصبح الوقت عاملًا حاسمًا لا يحتمل التأجيل.

الأزمة بطبيعتها تربك الأنظمة التقليدية ، الإجراءات التي تعمل بسلاسة في الأيام العادية قد تتعطل فجأة، وسلاسل القرار الطويلة تصبح عبئًا، والتردد قد تكون كلفته أعلى من الخطأ نفسه ، في مثل هذه اللحظات، يظهر الفرق بين حكومة تتعامل مع الأزمة بردّ فعل متأخر، وحكومة تفكر بطريقة استباقية تحاول تقليل الضرر قبل أن يتفاقم .

كثير من الحكومات، عند وقوع أزمة صحية مثلًا، تبدأ بالبحث عن حلول بعد أن تتكدس المشكلات ، نرى مستشفيات مزدحمة، وإجراءات غير واضحة، ورسائل متناقضة تصل إلى الناس ، لكن في المقابل، هناك تجارب أظهرت أن الابتكار لا يعني اختراع حلول معقدة، بل اتخاذ قرارات سريعة مبنية على فهم الواقع.

خلال جائحة كورونا، مثلًا، لجأت بعض الدول إلى توسيع خدمات الطب عن بُعد، ليس لأنها فكرة جديدة، بل لأنها كانت الطريقة الأسرع لضمان استمرار الرعاية الصحية وتقليل الضغط على المستشفيات وحماية المرضى في الوقت نفسه.

الأمر نفسه ينطبق على الأزمات الاقتصادية. حين تتعرض الأسواق لصدمة، فإن الاستجابة التقليدية قد تقتصر على إجراءات عامة لا تصل إلى من يحتاجها فعليًا ، في المقابل، الابتكار يظهر عندما تُعاد تصميم آليات الدعم لتكون أسرع وأدق ،  بعض الحكومات، خلال فترات الإغلاق، ابتكرت طرقًا لصرف المساعدات مباشرة للأفراد أو أصحاب الأعمال الصغيرة، مختصرة إجراءات طويلة كانت ستجعل الدعم يصل متأخرًا أو لا يصل أصلًا.

حتى في الأزمات البيئية، يتكرر المشهد ذاته. موجات الحر، شح المياه، أو الفيضانات تكشف هشاشة بعض الأنظمة. الابتكار هنا لا يكون دائمًا في مشاريع ضخمة، بل في حلول وقائية بسيطة. أنظمة إنذار مبكر، تنظيم أفضل لاستهلاك المياه، أو تعديل جداول العمل في أوقات الحرارة الشديدة، كلها أمثلة على انتقال التفكير من التعامل مع النتائج إلى محاولة تقليل الأضرار قبل وقوعها.

الفرق الجوهري بين ردّ الفعل والاستباق هو العقلية. ردّ الفعل يعني انتظار المشكلة ثم محاولة احتوائها، وغالبًا تحت ضغط الوقت والموارد. أما الاستباق فيعني طرح سؤال بسيط لكنه حاسم: ماذا لو؟ ماذا لو تفاقمت الأزمة؟ ماذا لو تكررت؟ هذا السؤال، حين يُطرح في الوقت المناسب، يفتح الباب أمام حلول تقلل الكلفة الإنسانية والاقتصادية لاحقًا.

ومن المهم التأكيد أن الابتكار في الأزمات لا يعني المغامرة غير المحسوبة. على العكس، هو غالبًا محاولة لتقليل المخاطر عبر قرارات مرنة وسريعة، وتجربة حلول على نطاق محدود قبل تعميمها. في الأزمات، لا يكون الكمال مطلوبًا، بل الاستجابة المعقولة في الوقت المناسب.

كما أن التواصل مع الناس يصبح جزءًا أساسيًا من الابتكار. في أوقات الخوف والقلق، الرسائل الواضحة والبسيطة قد تكون أكثر أثرًا من أي إجراء تقني. حكومات نجحت في إدارة أزمات لأنها خاطبت مواطنيها بوضوح وصدق، وشرحت ما يحدث وما هو مطلوب منهم، بدل الاكتفاء بالأوامر والتعليمات الجافة.

وخلاصة الموضوع أن الأزمات لا تصنع الابتكار، لكنها تكشف الحاجة إليه. الحكومة التي تستثمر في الابتكار في الأوقات العادية تكون أكثر قدرة على التحرك بثقة في الأوقات الصعبة. والانتقال من ردّ الفعل إلى الاستباق ليس مسألة موارد إضافية، بقدر ما هو تغيير في طريقة التفكير، واستعداد دائم لطرح الأسئلة قبل أن تفرضها الأحداث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى