ذكاء اصطناعي

من التجربة إلى الريادة.. كيف يعيد “فالكون H1 عربي” تشكيل الذكاء الاصطناعي العربي؟

رقمنة

لم يَعد الطموح العربي في مجال الذكاء الاصطناعي مجرد محاولات للحاق بالركب العالمي، بل بات يفرض معاييره الخاصة ويعيد تشكيل قواعد اللعبة. فمع إطلاق معهد الابتكار التكنولوجي نموذج (فالكون H1 عربي)، لم تتغير لغة الأرقام فحسب، بل سقطت فرضية أن الأداء الأفضل يتطلب بالضرورة حجمًا أضخم.

ويمثل نموذج (فالكون H1 عربي) Falcon-H1-Arabic، قفزة نوعية في مسار الذكاء الاصطناعي العربي، إذ نجح عبر هندسته المبتكرة التي تجمع بين تقنيات Transformer، و Mamba في كسر الارتباط التقليدي بين ضخامة الحجم وقوة الأداء.

وبفضل هذه البنية الهجينة، يتمتع النموذج بدقة متناهية في فهم اللغة العربية والسياق وتمثيل اللغة بخصائصها الفريدة، مع كفاءة استثنائية تتيح تشغيله في بيئات محدودة الموارد. وبهذا الإنجاز، أثبتت أبوظبي أنه من الممكن أن ينافس النموذج العربي بحجمه المتوسط أكبر النماذج العالمية، بل ويتفوق عليها في عدد من المهام والتخصصات العلمية والثقافية واللغوية.

ولكن كيف نجحت هندسة أبوظبي في كسر احتكار العمالقة وبناء نموذج يجمع بين القوة والأداء العالي دون الحاجة إلى ضخامة الحجم؟ وما هو الأثر المتوقع لهذا الإنجاز على مستقبل التطبيقات الذكية في التعليم، والصحة، والحوكمة، وقطاع الأعمال باللغة العربية؟

أولًا؛ ما السر وراء الكفاءة الاستثنائية لنموذج (فالكون H1 عربي)؟

يمثل (فالكون H1 عربي) تحولًا جذريًا في فلسفة بناء النماذج اللغوية. فبينما تعتمد معظم النماذج العالمية مثل (Llama) و(Qwen) على بنية (ترانسفورمر) Transformer، التقليدية، اعتمد معهد الابتكار التكنولوجي بنية هجينة تجمع بين (ترانسفورمر)، و(مامبا) Mamba.

وقد مكن هذا الدمج العبقري النموذج من معالجة البيانات بسرعة فائقة واستهلاك أقل للموارد، مع الحفاظ على دقة متناهية في فهم السياق، وهو ما يفسر قدرة النموذج على التفوق على نماذج تفوقه حجمًا بأكثر من الضعف.

ثانيًا؛ كيف كان أداء نموذج (فالكون H1 عربي) في الاختبارات المعيارية؟

أثبتت نتائج الاختبارات المعيارية على لوحة صدارة النماذج اللغوية العربية المفتوحة (Open Arabic LLM Leaderboard) ريادة (فالكون H1 عربي) المطلقة في جميع الأحجام، وجاءت النتائج كالتالي:

  • سجل نموذج 3B متوسط أداء بلغ 61.87%، متفوقًا بفارق 10 نقاط على نموذج (Phi-4 Mini) من مايكروسوفت بحجم 4B.
  • حقق نموذج 7B متوسط أداء بلغ 71.47%، متجاوزًا نماذج إقليمية أكبر حجمًا مثل: Fanar-1-9B من قطر و(ALLaM 7B) من السعودية.
  • جاءت المفاجأة الكبرى مع (نموذج 34B)، الذي سجل أداءً قياسيًا قدره 75.36%، متفوقًا على نماذج عملاقة مثل: (Qwen2.5-72B) من شركة علي بابا الصينية، و(Llama-3.3 70B) من شركة ميتا، مع أن هذه النماذج تكبره بضعفين من حيث عدد المعلمات.

ثالثًا؛ تجاوز حدود اللغة.. ريادة في الاستدلال العلمي والعمق الثقافي:

لم يكتفِ نموذج (فالكون H1 عربي) بإتقان القواعد اللغوية العامة، بل امتد تفوقه ليشمل اختبارات معيارية تخصصية بالغة التعقيد، محققًا نتائج غير مسبوقة أعادت رسم خريطة القدرات العربية في الذكاء الاصطناعي، ويشمل ذلك:

معيار (AraDice) لفهم الهوية واللهجات: أظهر النموذج مرونة استثنائية وقدرة فائقة على استيعاب تنوع اللهجات العربية وتفكيك شفرتها اللغوية ببراعة.

معيار (ArabCulture) للذكاء السياقي والثقافي: أثبت النموذج امتلاكه وعيًا عميقًا بالسياقات الثقافية والاجتماعية الفريدة للمنطقة، مما يجعله النموذج الأكثر ارتباطًا بالمستخدم العربي.

معيار (3LM) للاستدلال العلمي: في تحول تاريخي، كشف النموذج عن قدرات متقدمة في الاستدلال الرياضي والعلمي، واضعًا حدًا لحقبة ضعف النماذج العربية في المجالات التطبيقية، ليصبح بذلك النموذج العربي الأكثر تنوعًا وذكاءً حتى الآن.

وفي تعليق يبرز الأهمية الإستراتيجية لهذا الإنجاز، قال ، مستشار رئيس الدولة والأمين العام لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة فيصل البناي  “يجسد (فالكون H1 عربي) رؤيتنا في ترسيخ مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي رائد في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي المسؤول. ومن خلال تقديم نماذج تلبي الاحتياجات اللغوية والثقافية لمجتمعاتنا، نُسهم في تمكين ابتكارات أكثر شمولًا وفاعلية وتأثيرًا”.

رابعًا؛ كيف يتعامل النموذج مع السياقات الطويلة؟

يقدم النموذج نقلة نوعية في طول السياق المدعوم، إذ تصل نوافذ السياق إلى 256 ألف رمز (Token). ويعني ذلك تقنيًا أن  النموذج لديه القدرة على تحليل كتب كاملة، ووثائق قانونية مطولة، أو سجلات طبية ضخمة في تفاعل واحد دون انقطاع، مع الحفاظ على ترابط الأفكار، وهو ما يفتح آفاقًا غير مسبوقة للمؤسسات والقطاعات الحيوية.

وأكدت الرئيسة التنفيذية لمعهد الابتكار التكنولوجي الدكتورة نجوى الأعرج ، أن هذا الإنجاز هو نتاج سنوات من البحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي العربي، مشيرة إلى أن الارتقاء بالبنية وجودة البيانات وقدرات الاستدلال في السياقات الطويلة، كلها عوامل ساهمت في تمكين حلول مبتكرة في التعليم والصحة والحوكمة، وقطاع الأعمال وغيرها باللغة العربية”.

من جانبه، أوضح كبير الباحثين في مركز بحوث الذكاء الاصطناعي والعلوم الرقمية بمعهد الابتكار التكنولوجي، الدكتور حكيم حسيد أن الهدف هو بناء ذكاء اصطناعي عربي فعال وقادر على إحداث قيمة حقيقية في التطبيقات الواقعية للمطورين والمجتمعات.

وفي خطوة لتعزيز الابتكار المفتوح، أتاح معهد الابتكار التكنولوجي النماذج الجديدة (بأحجام 3B و7B و34B) للتجربة عبر الواجهة العامة: https://chat.falconllm.tii.ae.

البوابة التقنية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى