
رقمنة
*د. رعد محمود التل
تقرير البنك الدولي حول الصندوق الاردني للريادة يمثل شهادة مهمة في توقيت مهم، فتصنيف البنك الدولي للصندوق “مرضٍ للغاية” يُعد أعلى فئة تقييم على مستوى العالم، ويشكل مؤشرًا قويًا جدًا على أدائه وعلى أداء الأردن بشكل عام. كما أن تقييم كفاءة الإدارة والحوكمة بدرجة “كبيرة” هو تقييم نادر نسبيًا في تصنيفات صناديق البنك الدولي.
لذلك يمثل تقرير البنك الدولي حول الصندوق الاردني للريادة أكثر من مجرد تقييم لبرامج تمويلية يقدمها الصندوق، بل يقدم قراءة متكاملة لكيفية معالجة اختلال هيكلي عميق في الاقتصاد الأردني، يتمثل في ضعف التمويل الموجه للمراحل المبكرة من عمر الشركات الناشئة أو في مراحل التأسيس والنمو الأولي.
والأهم من ذلك، أن التقرير لا يكتفي بعرض النتائج، بل يتضمن إشادة واضحة بدور الصندوق وضرورة تعميم تجربته وقدرته على إحداث أثر مستدام في السوق.
ينطلق التقرير من تشخيص دقيق لطبيعة الاقتصاد الأردني، حيث واجهت المملكة ضغوطا اقتصادية متواصلة نتيجة التوترات الإقليمية وتراجع معدلات النمو، في ظل بطالة مرتفعة. ورغم وجود قاعدة من الكفاءات والأفكار الريادية، إلا أن هذه الإمكانات ظلت مقيدة بفجوة تمويلية تقليدية، تمثلت في غياب “التمويل المخاطر” في المراحل المبكرة. هذه الفجوة لم تكن مجرد نقص في التمويل، بل عكست اختلالا في هيكل السوق، حيث تركزت التمويلات في الأنشطة منخفضة المخاطر، فيما بقيت الشركات الابتكارية خارج دائرة التمويل.
في هذا السياق، جاء تصميم الصندوق الاردني للريادة كاستجابة مختلفة عن الأدوات التقليدية. الصندوق، الذي بلغ حجمه التمويلي 50 مليون دولار من البنك الدولي ضمن إجمالي رأسمال وصل إلى نحو 98 مليون دولار، لم يستهدف تقديم دعم مباشر، بل بناء آلية قادرة على تحفيز القطاع الخاص للدخول في الاستثمار المخاطر. من خلال تقاسم المخاطر مع المستثمرين، وقد نجح الصندوق في خلق حافز لتدفق رؤوس الأموال الخاصة، مما عكس تحولا في دور الدولة من ممول مباشر إلى محفّز للسوق.
النتائج التي يعرضها التقرير تعكس نجاح هذا النهج بوضوح. فقد تمكن الصندوق من استقطاب نحو 108.9 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة، بمعدل مضاعفة يتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف لكل دولار مستثمر من الصندوق. كما تم توظيف نحو 51 مليون دولار في استثمارات مباشرة وغير مباشرة، ضمن منظومة استثمارية أوسع وصلت إلى نحو 338 مليون دولار من خلال الصناديق المشاركة. وقد تم تمويل مبلغ 50 مليون دولار من البنك الدولي من خلال اتفاقية مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي، بينما استثمر البنك المركزي الأردني بشكل مباشر المبلغ المتبقي البالغ 48 مليون دولار.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في طبيعة الأثر الذي تعكسه. فقد أظهر المشروع ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”الأثر الإضافي”، حيث ساهم في جذب استثمارات لم تكن لتدخل السوق الأردني في الظروف الطبيعية. وهذا يعني أن دور الصندوق لم يقتصر على التمويل، بل امتد إلى إعادة تشكيل سلوك المستثمرين وتقليل درجة المخاطر المدركة.
وعلى مستوى أعمق، يمكن قراءة هذه التجربة في إطار معالجة فشل السوق، حيث أثبتت أن القطاع المالي التقليدي لم يكن قادر بطبيعته على تمويل الابتكار في مراحله المبكرة. التدخل هنا لم يكن بديلا عن السوق، بل جاء لإعادة تفعيله، وهو ما يفسر قدرة الصندوق على جذب القطاع الخاص بدلا من مزاحمته. كما انعكس المشروع على تحسين جودة الحوكمة الاستثمارية داخل السوق، من خلال رفع معايير اختيار الصناديق، وتحسين آليات إدارة الاستثمار، ونقل خبرات دولية إلى البيئة المحلية. هذا التحسن لا يظهر مباشرة في الأرقام، لكنه يؤثر بشكل عميق في كفاءة السوق على المدى الطويل.
على مستوى الشركات، دعم الصندوق نحو 160 شركة ناشئة، منها 135 شركة عبر صناديق الاستثمار و25 شركة بشكل مباشر، إضافة إلى استقطاب 22 صندوق استثمار إلى السوق الأردني. كما أن جميع الشركات المستفيدة قدمت منتجات أو عمليات جديدة، ما يعكس الطبيعة الابتكارية لهذا التمويل.
أما على صعيد الأثر الاقتصادي، فقد ساهم الصندوق ومنذ تأسيسه في 2017 بخلق نحو 2600 وظيفة مباشرة، مع تقديرات تشير إلى ما بين 5500 إلى 10000 وظيفة غير مباشرة. اللافت أن 56% من هذه الوظائف كانت للشباب و37% للنساء، في حين بلغ متوسط الأجور نحو 3000 دولار شهريا، ما يشير إلى أن هذه الوظائف تتركز في قطاعات ذات إنتاجية مرتفعة.
لكن الأثر لم يقتصر على الشركات، بل امتد إلى النظام المالي ككل، حيث ساهم الصندوق في تطوير سوق رأس المال المغامر في الأردن. هذا التحول من تمويل مشاريع فردية إلى بناء سوق متكامل يمثل أحد أهم مخرجات التجربة. ورغم التحديات التي واجهت الاقتصاد الأردني خلال فترة التنفيذ، بما في ذلك جائحة كورونا، أظهر الصندوق قدرة واضحة على تعزيز مرونة الاقتصاد، حيث تمكنت الشركات المدعومة من التكيف، خاصة في القطاعات الرقمية. ويشير التقرير إلى أن الطلب على التمويل لا يزال مرتفعا، حيث يتوقع أن يتراوح بين 234 مليون دولار و885 مليون دولار خلال الفترة 2025–2030. لتعكس هذه الأرقام استمرار الفجوة التمويلية، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى وجود فرصة حقيقية لنمو هذا السوق. كما تبرز التجربة الأردنية كنموذج قابل للتكرار في دول أخرى تواجه تحديات مشابهة، ما يمنحها بعدا يتجاوز الإطار المحلي إلى الإقليمي.
تقرير البنك الدولي لا يعكس نجاح المشروع تمويلي للصندوق فقط، ولكن الاهم أنه يعكس تحولا في التفكير الاقتصادي، يقوم على بناء الأسواق بدلا من استبدالها. إن تجربة صندوق الريادة الاردني تقدم نموذجا لكيفية استخدام الموارد العامة بطريقة تحقق أثرا مضاعفا، من خلال جذب الاستثمار الخاص وتحفيز النشاط الاقتصادي. ومع الانتقال إلى المرحلة الثانية، فإن التحدي لا يكمن فقط في توسيع نطاق التمويل، بل في ترسيخ هذا النموذج كجزء دائم من هيكل الاقتصاد الأردني، بما يعزز قدرته على النمو بشكل أكثر استدامه.
*كاتب اقتصادي
امصدر : صحيفة الرأي اليومية




