مقالات

الكاتبة الاردنية ندى محمد محافظة تكتب لـ ” رقمنة” :  من تختار …. كاتب محتوى بشري أم الذكاء الاصطناعي؟

رقمنة

*ندى محمد محافظة

قبل طفرة الذكاء الاصطناعي، كان إنتاج المحتوى عملية إبداعية وبحثية شاقة، يستثمر فيها الكاتب ساعات طويلة من التقصي، وإجراء المقابلات، والتحقق من الوقائع لتقديم مادة رصينة وقيمة. وسواء كان الكاتب متخصصاً في الشأن السياسي، أو الاقتصادي، أو الإعلامي، أو الأدبي، فقد كانت جهوده تحظى بتقدير كبير من جمهور شغوف، مستعد لمنح وقته كاملاً للقراءة والاستمتاع بالمحتوى والاستفادة من عمقه المعرفي.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي، تبدلت قواعد اللعبة لتطرح الشركات تساؤلات حول جدوى توظيف كاتب بشري براتب شهري في ظل وجود بدائل آلية موفرة للمال وتنتج المحتوى بلغات متعددة. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه التقنية منافساً أو بديلاً حقيقياً؛ فهي تظل مجرد أداة جامدة تفتقر إلى الروح، فالخيل من الخيّال، والإبداع الحقيقي ينبع من الخيال والمشاعر البشرية واللمسة الذاتية التي تعجز الآلة عن محاكاتها أو تعويضها.

هنا يكمن الفرق، فتلك أداة اسم على مسمى، والخيل من الخيال كما يقال، فالخيال البشري هو الفارس الذي يمسك بزمام تلك الأداة ويقودها نحو هدفها. فلكل مادة مكتوبة هدف، ولا نستطيع إنكار ذكاء تلك الأداة وقدرتها على الصياغة وتوليد الأفكار، لكن الكلمات الجميلة لا تكفي وحدها لصناعة محتوى يحمل هوية ورسالة. فقد نجد أنفسنا أمام محتوى ضائع، جميل ولكن بمغزى تائه، وهنا يأتي الخيال ليقود تلك الأداة إلى الاتجاه الصحيح.

إن القيمة الحقيقية للكاتب البشري لا تكمن فقط في رصف الكلمات، بل في قدرته على بناء روابط عاطفية صادقة مع القارئ، وفهم الأبعاد الثقافية والاجتماعية الدقيقة التي يخاطبها. فالذكاء الاصطناعي، رغم سرعته الفائقة في تجميع المعلومات، يبقى عاجزاً عن قراءة ما بين السطور، أو صياغة موقف نابع من تجربة إنسانية حية؛ ولذلك يظل المحتوى البشري هو صاحب البصمة الفريدة والأثر المستدام الذي يمنح المؤسسات هويتها الخاصة ويحميها من التكرار والنمطية الآلية.

يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الذكاء الاصطناعي لا يفكر كالبشر، فنحن بطبيعتنا عندما نكتب نضع بصمتنا وأحاسيسنا في الجمل، حيث يشعر القارئ بدفء الكلمات وصدقها، وأحيانًا يعيش اللحظة ويتفاعل مع المحتوى المطروح، بينما الذكاء الاصطناعي يعمل على توليد النص كلمةً بعد كلمة، بناءً على الاحتمالات الرياضية.

فهو يقدم النتائج بناءً على المعطيات أو الإرشادات البشرية، من خلال ما يُسمى بالـ “Prompt”، حيث يقوم الكاتب البشري بتحديد ما يريده وتحديد الجمهور المستهدف والبنود التي يجب على الذكاء الاصطناعي مراعاتها عند توليد المحتوى.

وهكذا نعود إلى النقطة ذاتها، وهي أن المحتوى الذي تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي يعتمد على ما يقدمه الكاتب البشري من أفكار وتوجيهات، لذا تبقى البصمة البشرية هي الأساس، حتى وإن كان المحتوى مولّدًا بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت الراهن، لا نستطيع إنكار فضل الذكاء الاصطناعي، وبذات الوقت لا يمكننا التقليل من قيمة الجهد البشري وإبداعه.

فما الأفضل؟ أن تكون مؤسسة لها هويتها الخاصة وبصمتها المميزة في محتواها، أم أن تكون مجرد نسخة مكررة مما تنتجه أداة تكتب للجميع بالروح ذاتها والبصمة نفسها؟

*كاتبة وروائية اردنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى