
وفي ظل هذه المتغيرات، يبرز تساؤل رئيس حول مدى جاهزية الاقتصاد الأردني لاستثمار التحولات الديموغرافية وتحويلها إلى رافعة للنمو والتنمية الشاملة، من خلال بناء قطاعات اقتصادية جديدة تستجيب لاحتياجات كبار السن، وتستفيد من خبراتهم وقدراتهم.
ويقصد بالاقتصاد الفضي: “الأنشطة الاقتصادية والخدمات والمنتجات الموجهة للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاما فأكثر، باعتبارهم فئة سكانية متنامية تمتلك احتياجات استهلاكية واستثمارية خاصة في مجالات الرعاية الصحية، والتأمين، والسكن، والسياحة، والتكنولوجيا المساندة”، بما يجعل التحولات الديموغرافية المرتبطة بتقدم العمر فرصة اقتصادية، إلى جانب كونها تحديا اجتماعيا.
وأكد خبراء اقتصاديون، في أحاديث لـ”الغد”، أن التحول الديموغرافي في الأردن، رغم ما يحمله من تحديات، لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئا اجتماعيا فقط، بل فرصة لتطوير أسواق جديدة واستثمارات مبتكرة، داعين إلى الانتقال من مفهوم رعاية كبار السن إلى الاستثمار في قدراتهم، ودمجهم في النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
وأشاروا إلى أن ملامح التحول الديموغرافي في المملكة بدأت بالظهور مع ارتفاع نسبة كبار السن، بالتزامن مع تراجع معدلات الخصوبة وتحسن الخدمات الصحية، ما يعني أن المجتمع الأردني يمر بمرحلة انتقالية من مجتمع يغلب عليه الطابع الشبابي إلى مجتمع أكثر تنوعا من حيث الفئات العمرية.
كما شددوا على ضرورة تطوير سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر تكاملا تستجيب لاحتياجات هذه الفئة، عبر تعزيز خدمات الرعاية الصحية طويلة الأمد، وتطوير التكنولوجيا المساندة، وتحفيز الاستثمارات في الخدمات المالية، والإسكان الملائم، والسياحة العلاجية، بما يحول الاقتصاد الفضي إلى أحد محركات النمو والتنمية في الأردن.
كبار السن.. أرقام تكشف تسارع التحول السكاني
وتشير أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن نسبة كبار السن في الأردن ممن تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر بلغت نحو 3.7 % من إجمالي السكان حتى مطلع العام الماضي.
في المقابل، تتوقع مؤسسات بحثية تسارع وتيرة الشيخوخة السكانية خلال العقود المقبلة، إذ قدرت مؤسسة HelpAge International أن ترتفع نسبة كبار السن إلى نحو 8.6 % من إجمالي السكان بحلول العام 2030، قبل أن تتضاعف لتصل إلى قرابة 15.8 % بحلول العام 2050، وهو ما يعكس تغيرا جوهريا في البنية السكانية للمملكة.
عوض: المطلوب الانتقال من الرعاية إلى التنمية والحقوق
أكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض، أن انتقال الأردن، كما هو حال العديد من المجتمعات، من مجتمع فتي إلى مجتمع تزداد فيه فئة كبار السن، يفرض عدم التعامل مع هذه الفئة باعتبارها عبئا اجتماعيا أو ماليا، وإنما باعتبارها فرصة لبناء ما يعرف بالاقتصاد الفضي، القائم على احتياجات كبار السن وقدراتهم ومشاركتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح عوض أن فرص الاقتصاد الفضي تمتد إلى قطاعات متعددة، في مقدمتها الرعاية الصحية، وإدارة الأمراض المزمنة، والرعاية المنزلية وطويلة الأمد، والعلاج الطبيعي، والصحة النفسية، والتكنولوجيا الصحية، إضافة إلى الإسكان المهيأ، والنقل العام الصديق للعمر، والتأمين، والخدمات المالية، والسياحة العلاجية والاستجمامية. كما أشار إلى إمكانية الاستفادة من خبرات كبار السن في العمل المرن، والاستشارات، والتدريب، وريادة الأعمال الصغيرة.
ورأى أن تحويل التحول الديموغرافي إلى فرصة حقيقية يتطلب مراجعة جادة للسياسات العامة، موضحا أن كثيرا من كبار السن يواجهون هشاشة في الدخل، وضعفا في الحماية الاجتماعية، ومخاطر الإهمال أو العنف الاقتصادي، خاصة بين النساء وكبار السن غير المشمولين بالتقاعد أو الضمان الاجتماعي، الأمر الذي يظهر أن الاستجابة الحالية ما تزال جزئية، رغم أهمية الإستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية وما توفره من إطار يمكن البناء عليه.
وأكد أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من مقاربة الرعاية المحدودة إلى مقاربة حقوقية وتنموية شاملة، عبر توسيع مظلة الضمان الاجتماعي، واستحداث معاش شيخوخة اجتماعي ممول ضريبيا لكبار السن غير المشمولين بالتقاعد، وتطوير خدمات الرعاية المنزلية والمجتمعية، وتوفير تأمين صحي شامل، إلى جانب إيجاد بيئة عمرانية وخدمية صديقة لكبار السن.
وشدد عوض على أن الشيخوخة السكانية ليست أزمة بحد ذاتها، وإنما تكمن الأزمة الحقيقية في الوصول إليها من دون حماية اجتماعية كافية أو خدمات منظمة، مؤكدا أن إدارتها بسياسات ذكية يمكن أن تحولها إلى مصدر للنمو، وخلق فرص العمل، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الكرامة الإنسانية.
عايش: الاقتصاد الفضي قد يضيف 4.5 مليار دينار سنويا
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش: “إن ملامح التحول الديموغرافي في المملكة أصبحت واضحة مع ارتفاع نسبة كبار السن، بالتزامن مع انخفاض معدلات الخصوبة وتحسن الخدمات الصحية، ما يعني انتقال المجتمع الأردني تدريجيا من مجتمع يغلب عليه الطابع الشبابي إلى مجتمع أكثر تنوعا من حيث الأعمار، وصولا إلى ارتفاع أكبر في نسبة كبار السن خلال العقود المقبلة، على غرار ما شهدته العديد من دول العالم”.
وأوضح أن هذا التحول ستكون له انعكاسات مباشرة على أنماط الاستهلاك، والطلب على الخدمات الصحية والاجتماعية، وهيكل سوق العمل، وأنظمة الحماية الاجتماعية، لكنه في الوقت نفسه لا يعني زيادة الأعباء فقط، بل يمثل فرصة اقتصادية إذا جرى تحويل كبار السن من فئة تعتمد على الخدمات إلى شريك اقتصادي يمتلك احتياجاته وسلوكه الاستهلاكي وقدراته المالية وخبراته المتراكمة.
وأضاف عايش أن المطلوب هو تحويل التحول السكاني من تحدٍّ محتمل إلى فرصة اقتصادية، بحيث يصبح كبار السن جزءا فاعلا في الاقتصاد وليسوا مجرد مستهلكين للخدمات، مشيرا إلى أن الاقتصاد الفضي يمكن أن يشكل نشاطا اقتصاديا مهما في الأردن، إذ إن وصوله إلى نحو 10 % من الناتج المحلي الإجمالي قد يعني اقتصادا إضافيا يتراوح حجمه بين 4 و4.5 مليار دينار سنويا، إذا توفرت الاستثمارات والبيئة المناسبة لنمو هذا القطاع.
وأشار إلى أن القطاع الصحي سيكون في مقدمة القطاعات المستفيدة من نمو الاقتصاد الفضي، نتيجة ارتفاع الطلب المتوقع على خدمات الرعاية طويلة الأجل، والعلاج المتخصص، وإدارة الأمراض المزمنة، وبرامج إعادة التأهيل، والرعاية المنزلية، وخدمات الصحة الوقائية، إلى جانب الصحة الذكية المعتمدة على التكنولوجيا.
وأضاف أن قطاع التكنولوجيا يمتلك بدوره فرصا كبيرة، خاصة من خلال تطوير التقنيات المساندة لكبار السن، مثل أجهزة المراقبة الصحية عن بُعد، والتطبيقات الرقمية، والأجهزة الذكية التي تساعدهم على إدارة احتياجاتهم وتعزيز استقلاليتهم داخل المنزل وخارجه.
كما لفت إلى أن الخدمات المالية تمثل مجالا واعدا ضمن الاقتصاد الفضي، من خلال تطوير منتجات ادخارية وتأمينية مرتبطة بمرحلة ما بعد التقاعد، وخدمات مصرفية رقمية مبسطة، وبرامج للحماية من الاحتيال الإلكتروني، في ظل تعرض كبار السن بصورة أكبر لبعض أشكال الاحتيال الرقمي.
ودعا عايش إلى الاستعداد المبكر للتنامي في شريحة كبار السن، عبر تطوير التشريعات التي تدعم العمل بعد التقاعد، ووضع استراتيجية وطنية للتعامل مع كبار السن باعتبارهم جزءا من السياسات الاقتصادية العامة، إلى جانب تحفيز الاستثمارات المرتبطة بهذه الفئة، وتشجيع الابتكار والتكنولوجيا الصحية، وتوفير بيانات سكانية أكثر تفصيلا، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
الحدب: سوق استثمارية جديدة تنتظر الأردن
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي محمد الحدب أن التحولات الديموغرافية التي يشهدها الأردن تفرض إعادة النظر إلى الشيخوخة من منظور اقتصادي جديد، في ظل تنامي الاقتصاد الفضي بوصفه أحد القطاعات الأسرع نموا عالميا، بما يوفره من فرص للاستثمار وخلق الوظائف.
وأوضح أن كبار السن يمثلون قوة اقتصادية متنامية بما يمتلكونه من احتياجات استهلاكية، وقدرات شرائية، وخبرات تراكمية، مشيرا إلى أن العديد من الدول باتت تنظر إلى هذه الفئة باعتبارها محركا للنمو وليس عبئا اجتماعيا، الأمر الذي يستوجب استعدادا مبكرا لبناء قطاعات اقتصادية جديدة في الأردن.
وأشار الحدب إلى أن أبرز الفرص الاستثمارية تتمثل في الرعاية الصحية طويلة الأجل، وطب الشيخوخة، وإعادة التأهيل، والرعاية المنزلية، إلى جانب التكنولوجيا المساندة، مثل الأجهزة الذكية، والرعاية الصحية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والمنازل الذكية.
وأضاف أن الاقتصاد الفضي يفتح أيضا آفاقا واسعة أمام قطاعات الخدمات المالية، والتأمين، وإدارة الثروات، والمنتجات المصرفية الموجهة لكبار السن، لافتا إلى أن الأردن يمتلك مقومات مهمة للاستفادة من هذا التحول، في ظل تطور قطاعه الصحي، وقطاع تكنولوجيا المعلومات، ومكانته في مجال السياحة العلاجية.
وشدد الحدب على أن الاستفادة من الاقتصاد الفضي تتطلب وضع إستراتيجية وطنية متكاملة، وتطوير التشريعات المرتبطة بالرعاية طويلة الأجل، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الطبية والتقنيات المساندة، ودمج الاقتصاد الفضي ضمن مسار التحديث الاقتصادي.
وختم بالتأكيد أن الدول التي ستقود النمو مستقبلا هي تلك التي ستتعامل مع الشيخوخة باعتبارها فرصة اقتصادية ومحركا للابتكار والاستهلاك والاستثمار، وليس مجرد تحدٍّ لأنظمة الحماية الاجتماعية.
الغد – عبد الرحمن الخوالدة




