الاقتصاد

الخبير في مجال الأعمال الالكترونية الاستاذ الدكتور أحمد غندور يكتب لـ ” رقمنة ”: الاقتصاد الإبداعي …. كيف يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتمكين لا للاستبدال؟

رقمنة 

*الاستاذ الدكتور أحمد غندور

في المقال السابق من هذه السلسلة، توقفنا عند سؤال محوري: لماذا لا ننتج محتوى رقميًا محليًا رغم كثافة استهلاكنا له؟ وكيف يمكن أن نمتلك سوقنا الرقمي بدل أن نظل نتلقى محتوى الآخرين؟ هذا السؤال فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفكير الإنتاجي، مرحلة ترى في الفرد مصدرًا للقيمة الرقمية لا مجرد مستهلك لها.

اليوم ننتقل إلى محطة أكثر عمقًا في مرحلة التمكين الإنتاجي. فإذا كان المحتوى الرقمي هو بوابة الدخول إلى الإنتاج، فإن الاقتصاد الإبداعي هو الفضاء الذي تتفاعل داخله الأفكار، المهارات، والابتكار لخلق قيمة اقتصادية ومعرفية وثقافية. والأهم من ذلك، أنه الفضاء الذي يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة، خصوصًا مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي والأدوات الذكية.

لكن قبل أن ننطلق، علينا أن نواجه حقيقة يتهرّب الكثيرون من الاعتراف بها:
الذكاء الاصطناعي لن يختفي.
ولن يعود العالم إلى ما قبل GPT أو Sora أو أدوات الإنتاج الذكي.
السؤال ليس كيف نوقفه، بل كيف نستخدمه في صالحنا.

في العالم العربي، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي غالبًا كتهديد:
هل سيستبدل وظائفنا؟ هل سيقضي على الإبداع البشري؟ هل سنفقد قيمتنا في سوق يقوده الخوارزميات؟

لكن الحقيقة مختلفة. الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الإنسان المبدع، بل سيستبدل من لا يستخدم الذكاء الاصطناعي.

الإبداع لم يعد قائمًا على الموهبة فقط، بل على القدرة على استخدام الأدوات الذكية لصناعة شيء جديد. تمامًا كما أصبحت الكاميرا الرقمية امتدادًا لعين المصور، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي امتدادًا لعقل المبدع. من يستخدمها بوعي يوسع نطاق خياله وإمكاناته، ويصل إلى مستويات إنتاج لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.

لننظر إلى بعض الأمثلة الواقعية داخل الاقتصاد الإبداعي الجديد:

شاعر يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل الأوزان وتوليد مقترحات شعرية تساعده على تطوير الإيقاع.
مصمم جرافيك يبني لوحة متكاملة خلال دقائق عبر دمج رسمه اليدوي مع قدرات النماذج التوليدية.
مصور فيديو يرفع إنتاجه ثلاثة أضعاف عبر استخدام محررات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في المونتاج والتلوين وإزالة التشويش.
كاتب محتوى يعزز إنتاجيته عبر وكلاء ذكيين (AI Agents) يتابعون البحث والتحليل وتحديث المعلومات.

هذه ليست أمثلة مستقبلية. هذا يحدث اليوم.
وليس بعيدًا عن عالمنا العربي.

لكن لكي يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتمكين لا للاستبدال، نحتاج إلى ثلاثة شروط جوهرية:

أولًا – مهارات إبداعية رقمية جديدة.
فالإبداع لم يعد مجرد كتابة أو رسم أو مونتاج.
بل أصبح يتطلب مهارات إضافية مثل:
التوجيه Prompting،
التصميم التفاعلي،
التحليل الخوارزمي للجمهور،
التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي،
والقدرة على الدمج بين العمل البشري والذكاء الاصطناعي.

هذه المهارات يجب أن تشكّل جزءًا أساسيًا من الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL)، خاصة في مستواها الإنتاجي.

ثانيًا – بيئة تضمن حقوق المبدع المحلي.
المحتوى الذي يُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يختفي في زحمة المحتوى العالمي إن لم تكن هناك قوانين تحمي الملكية الفكرية،
وتمنح المبدع حقه،
وتضمن ألا يصبح مجرد رقم في خوارزمية تحصد الأرباح من دون أن تضمن له نصيبه.

وهذا ما سيمهد له المقال القادم في السلسلة حول الملكية الرقمية.

ثالثًا – رؤية وطنية لاقتصاد إبداعي معرفي.
اقتصاد يقوم على دعم المبدعين،
رفع قدراتهم،
تمويل مشاريعهم،
وتمكينهم من أدوات الإنتاج الرقمي.
ليس عبر مبادرات فردية، بل عبر إستراتيجية دولة ترى في المحتوى والإبداع مصادر للنمو الاقتصادي، تمامًا كما ترى الدول المتقدمة اليوم.

في الأردن والمنطقة العربية، لدينا طاقات بشرية هائلة، شباب يكتبون، يصمّمون، يصنعون، ويبتكرون. ولكنهم بحاجة إلى منظومة تدعم هذا الإبداع، وتربطه بالسوق، وتضمن له العائد الاقتصادي. الذكاء الاصطناعي هنا ليس عدوًا، بل حليفًا — إذا أحسنا استخدامه.

بهذا المقال، نصل إلى قلب المرحلة الثانية من هذه السلسلة التي تهدف إلى تحويل المواطن من مستخدم واعٍ إلى منتج مبدع.
ومن هنا، يصبح الانتقال إلى المقال الخامس عشر خطوة طبيعية:
كيف نحمي هذا الإبداع؟
وكيف نضمن للمبدعين حقوقهم في عالم رقمي سريع التغيّر؟

في المقال القادم، رقم 15، سنناقش الملكية الرقمية، من NFT إلى حماية الحقوق الفكرية، وكيف يمكن للمبدع العربي أن يحافظ على ملكيته وقيمته في اقتصاد رقمي عابر للحدود.

*الخبير في تخصص الاعمال الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى