مقالات

مقال للكاتبة دانا زيدان : هذا ما فعلته السوشيال ميديا….. ثقافة “احمِ سلامك” التي تسرق منا الحياة

رقمنة

*دانة زيدان

نعيش زمناً غريباً أصبح فيه كل شيء يسوّق للعزلة بوصفها إنجازاً: مواعيد فردية، نوم مبكر، هوس بفرض الحدود مع كل من نعرف، وتعليقات من قبيل: “احمِ سلامك الداخلي” و “إن أتعبك شيء فهو ليس لك”.

لا أعتقد أنه قد سبق وأن رُوّج لفكرة الراحة المطلقة والانعزال كما يُروَّج لها اليوم. حيث أعادت وسائل التواصل الاجتماعي بجملها القصيرة، وصورها الجميلة، ومحتواها سهل الهضم تشكيل مفهوم العلاقات وحولته من عِشرة ومساندة وتحمّل إلى معادلة بسيطة:

أي شيء يزعجك اتركه. وأي أحد يرهقك، ألغِه فوراً. أي علاقة تتطلب جهداً ليست مقدَّرة لك.

ما بين كل من “اقطع السامّ” و”احمِ طاقتك” و”اختَر راحتك فوق الجميع”  تسلل منطق جديد، هشّ ومغرٍ، يخبرنا بأن الانسحاب بطولة، وأن التخلي حِكمة، وفرض المسافة مع من نحب هو العلاج لكل مشاكل العلاقات. ورغم أن لهذا المنطق جذوراً مفهومة، إلا أنه في نفس الوقت يُنتج أجيالاً تعتقد بأن العلاقات العاطفية ينبغي أن تكون ممتعة وسهلة طيلة الوقت، وأن الصداقة عليها أن تخدم مصالحنا، وأن الناس -حتى أقربهم لنا- مُلزمون بأن يمنحونا بالضبط ما نحتاجه، في الوقت الذي نحتاجه، وبالطريقة التي تُريحنا. وإن لم يفعلوا؟ “الباب يفوت جمل”.

هناك حقيقة تغفل عنها ثقافة الانستجرام سريعة الانتاج، وهي أنه من الطبيعي أن تُكلّفنا العلاقات بعض العناء. فالمجتمع، والصداقة، والدفء الإنساني. كلّ هذا لا يأتي على طبق من فضة. بل على العكس: الراحة المطلقة غالباً ما تؤدي إلى عزلة مطلقة.

لكن ما يغيب عن هذه النصائح القصيرة والتي تبدو لامعة هو أن كل شيء يستحق الحب سيتعبك قليلاً. وبأنه من المحال أن نبني علاقات عميقة دون أن نتعثر بعيوب بعضنا، وأن نتغاضى أحياناً، وأن نغيّر خططنا، وأن نجر أقدامنا لحضور مناسبة لم نكن في المزاج لحضورها، فقط لأن من نحبّ ينتظرنا.

هل يمكن لصداقة أن تستمر من دون أوقات من التعب اللطيف؟ هل يمكن لشبكة دعم أن تنشأ إذا كنا نختار الأسهل لأنفسنا دوماً؟ هل يمكن لبيتٍ أن يكون دافئاً إذا لم نتقاسم فيه التعب قبل الفرح؟ العلاقات المتينة تُبنى على تفاصيل صغيرة قد تزعجنا أحياناً مثل أن تذهب لمواساة صديق رغم إنهاكك. أن تغير خططك في اللحظة الأخيرة لأن أحدهم يحتاجك. أن تتحمل اختلافاً لا يعجبك، وأن تواجه، لا أن تهرب من أي شعور بعدم الراحة. هذه ليست تنازلات، بل هي استثمارات.

هذه الأفكار تتعدى كونها شعور إنساني؛ فحتى الأبحاث العلمية أثبتت أهمية العلاقات وعلاقتها بالصحة وطول العمر وربما أهمها دراسة هارفارد الشهيرة، والتي امتدّت لأكثر من ثمانين عاماً -وهي من أطول الدراسات النفسية والطبية في تاريخ البحث العلمي- خرجت بنتيجة مذهلة: إن جودة الروابط الإنسانية هي العامل الأهم في طول العمر وجودة الحياة. بل أكثر من الجينات، والمال، والنجاح الوظيفي!

تخيّل أن هناك دراسة تتعقب حياة مئات الأشخاص من طفولتهم حتى شيخوختهم، تسجّل تقلباتهم، علاقاتهم، مؤشرات صحتهم الجسدية والنفسية، وتنظر في أثر كل ذلك. لتخلص إلى نتيجة قاطعة مفادها أن الأشخاص الذين عاشوا علاقات دافئة، وكونوا صداقات حقيقية وسط مجتمعات صغيرة يسنِدون ويُسندون فيها عاشوا لفترة أطول، وتمتعوا بصحة أفضل، وكانت نسبة إصابتهم بالاكتئاب وأمراض القلب أقل بكثير.

بينما أولئك الذين كان محيطهم هشّاً أو ضعيفاً عانوا من شيخوخة أقسى، وكانت أجسادهم أكثر عرضة للمرض رغم توفر المال والنجاح. حيث أظهرت النتائج بأن أثر الوحدة على الجسد يعادل التدخين، وأن العيش بلا روابط قوية يرفع مستوى التوتر المزمن، ويضعف المناعة، ويزيد الالتهاب الداخلي، ويقصّر العمر بمعدلات تشبه آثار إدمان الكحول.

لذلك لا أعتقد بأننا نبالغ حين نقول بأننا ننجو بالآخرين وليس بمعزل عنهم. وهذا يتعدى كونه رأي بل خلاصة ثمانية عقود من المتابعة العلمية، الطبية، البحثية، الدقيقة.

رغم هذا بتنا نرى تزايد شعور الناس بالوحدة، وقلة الأصحاب، وسط إصرار على فرض “حدود” باتت تُستخدم في كثير من الحالات كجدران لا كجسور للعلاقات. هذه الثقافة سريعة الانتشار لم تعد تترك مساحة للتمهل، ولا لفهم الظروف، ولا لخلق الأعذار لمن نحب. حتى نسينا أن البشر ليسوا آلات تؤدي وظائفهم بلا خطأ، ولا مزاج، ولا اختلاف. لا مشكلة في بعض هذه النصائح، لكن خطورتها أنها حين تُعمّم، تفقد معناها.

في ثقافتنا العربية كلمات أشك بأن لها وجود في لغات أخرى مثل العشرة. نحن شعوب تربّت على: أن الجار ليس مجرد بابٍ بجانبك، بل مسؤولية.

 الصديق ليس للتسلية فقط، بل بيتٌ آخر.

 الحب ليس رفاهية نتخلى عنها عند أول مطب، بل مشاركة، ومساندة، وخطوات مرهقة بالكثير من الأحيان.

العائلة ليست علاقات على الورق، بل سبيلاً للنجاة.

لذلك، حين نأخذ فيض نصائح وسائل التواصل الاجتماعي حرفياً نخسر شيئاً من هويتنا الاجتماعية. نخسر القُرب. نخسر الحميمية. نخسر دفء البيوت التي كانت تُبنى بالتعب اللطيف، لا بالانسحاب.

وهذا هو جوهر الفكرة: التعب الجميل في العلاقات ليس عبئاً بل علامة أننا لسنا وحدنا وثمن صغير لحياة كبيرة غنية نعيشها مع الذين نحب. يسندونا أوقاتاً ونسندهم أوقاتاً.

فمن في البشر نجا وحده؟

ومن منا أحب.. دون أن يتعب قليلاً؟

*كاتبة أردنية فلسطينية

Dana.zeedan@gmail.com

المصدر : صحيفة ” رأي اليوم “

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى