
رقمنة
تبرز إعادة التدوير في الأردن بوصفها فرصة اقتصادية وتنموية تتجاوز البعد البيئي، في ظل التوجه نحو تحويل النفايات إلى موارد إنتاجية، واستقطاب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، والحد من كلف الجمع والنقل والتخلص منها، وسط تأكيدات بأهمية تطوير منظومة متكاملة تربط التشريعات بالبنية التحتية والتكنولوجيا، وتعزز الشراكة مع القطاع الخاص، وترسخ ثقافة الفرز والاسترداد وإعادة الاستخدام.
وينسجم هذا التوجه مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي تركز على تعزيز النمو الاقتصادي المستدام، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة، من خلال تطوير قطاعات إنتاجية قادرة على توليد القيمة المضافة. ويشكل الاقتصاد الدائري، الذي تقوم فلسفته على تقليل النفايات وإعادة استخدام الموارد واسترداد المواد القابلة للتدوير، أحد المسارات التي يمكن البناء عليها لتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتحفيز الابتكار والمشروعات الريادية، وفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص، بما يسهم في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.
وأكد نائب مدير المدينة لشؤون البيئة والمناطق في أمانة عمّان الكبرى، المهندس محمد الفاعوري لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) أن إعادة التدوير يمكن أن تتحول إلى قطاع اقتصادي منتج إذا جرى التعامل مع النفايات باعتبارها موردًا قابلًا للاسترداد، فيما رأى الخبير في الشؤون الإدارية والتربوية فيصل التايه أن نجاح هذا التحول يتطلب تفكيرًا إداريًا واقتصاديًا جديدًا يربط التشريعات بالاستثمار، ويحول السلوك المجتمعي من الاستهلاك والتخلص إلى الفرز والاسترداد وإعادة الاستخدام.
وقال الفاعوري، إن التعامل مع النفايات بوصفها موردًا اقتصاديًا يتيح تقليل الكميات المرسلة إلى المكبات، ويحد من استنزاف المواد الخام، ويخلق فرص عمل في مجالات الجمع والفرز والنقل والمعالجة والتصنيع والتسويق، فضلًا عن تحفيز الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الدائري.
وأوضح أن أمانة عمّان تعمل على تطوير منظومة متكاملة تشمل تحسين البنية التحتية، والتوسع في الفرز من المصدر، وتشجيع الاستثمار، وتطوير مشاريع المعالجة والتسميد العضوي، ورفع الوعي المجتمعي، وتنظيم عمل العاملين في القطاع غير الرسمي، وتعزيز الاعتماد على البيانات في التخطيط واتخاذ القرار.
وكشف الفاعوري عن إحالة مشاريع بنوك إعادة التدوير في منطقتي تلاع العلي ووادي السير، فيما تتولى شركة رؤية عمّان للمعالجة وإعادة التدوير، المملوكة للأمانة، تركيب آلات استرداد العبوات ذات الحوافز في مرافق الأمانة ومواقعها المختلفة، بهدف توفير قنوات إضافية لاسترداد المواد وتشجيع المواطنين على المشاركة.
وأضاف الفاعوري، إن العمل جارٍ على دراسة وإعداد عطاء لإنشاء منشأة للمعالجة الميكانيكية والبيولوجية للنفايات، تعتمد على العمالة المكثفة، بتمويل مشترك من بنك التنمية الألماني والأمانة، بما يسهم في تطوير قدرات المعالجة وتعزيز الاستفادة الاقتصادية من النفايات.
وبيّن الفاعوري أن التجارب القائمة تشمل معالجة مخلفات الحدائق وتقليم الأشجار، وروث الحيوانات من الإسطبلات، والمخلفات النباتية والخضار في سوق الخضار المركزي، وتوجيهها نحو التسميد أو المعالجة المناسبة، مؤكدًا أن التوسع في هذه المشاريع يأتي ضمن التوجه لاستكمال سلسلة إدارة النفايات، بدءاً من الفرز عند المصدر، مروراً بالجمع والنقل والمعالجة، وصولًا إلى استرداد المواد والاستفادة منها اقتصاديًا.
وحول التحديات التي تواجه القطاع، أشار الفاعوري إلى اختلاط المواد القابلة للتدوير بالنفايات العضوية، وارتفاع كلف الجمع والنقل والفرز، وعدم استقرار بعض الأسواق والأسعار، والحاجة إلى بنية تحتية متخصصة باعتبارها أبرز العوائق أمام التوسع في إعادة التدوير.
وأكد أن الأردن يمتلك إطارًا تشريعيًا لتنظيم القطاع، من أبرز مكوناته القانون الإطاري لإدارة النفايات رقم 16 لسنة 2020، ونظام إدارة النفايات الصلبة غير الخطرة رقم 44 لسنة 2022، إلى جانب التعليمات المتعلقة بمسؤولية المنتج الممتدة عن الآثار السلبية للنفايات الناتجة عن مواد التعبئة والتغليف.
وبيّن أن شركة رؤية عمّان للمعالجة وإعادة التدوير ستتولى، من خلال وحدة مسؤولية المنتج ، تشغيل آلية مسؤولية المنتج الممتدة”EPR” ضمن نطاقها المعتمد، بما يدعم مشاركة الجهات المشمولة في إدارة مخلفات منتجاتها وعبواتها بعد الاستخدام.
وفيما يتعلق بالعائد الاقتصادي، أكد الفاعوري أن إعادة التدوير توفر فرصًا لتحويل المواد المستردة إلى مدخلات إنتاج، وتقليل الكميات المرسلة إلى المكبات وإطالة عمرها التشغيلي، مشيرًا إلى ضرورة تقييم الوفر المالي وفق كلف الجمع والفرز والنقل والتشغيل، وقيمة المواد المستردة، وكلف التخلص التي أمكن تجنبها.
وشدد الفاعوري على أهمية التكنولوجيا في تطوير عمليات الفرز والمعالجة، وتحسين كفاءة الجمع والنقل، وتوفير بيانات أكثر دقة، لافتا إلى أن نظام المعلومات والرصد الوطني للنفايات يمثل نواة لتوحيد البيانات وتعزيز القرارات المبنية على الأدلة.
من جانبه، قال الخبير في الشؤون الإدارية والتربوية فيصل تايه إن إعادة التدوير في الأردن لم تعد مجرد قضية بيئية مرتبطة بالتخلص من النفايات، بل أصبحت فرصة اقتصادية وتنموية تستحق إعادة النظر في أساليب إدارتها والتعامل معها.
وأضاف، إن التحدي الحقيقي لا يكمن بإدراك أهمية إعادة التدوير، بل في القدرة على تحويل هذه القناعة إلى منظومة عمل متكاملة تبدأ من تصميم المنتجات وأنماط الاستهلاك، مروراً بالفرز من المصدر والجمع والنقل والمعالجة، وتنتهي بوجود أسواق تستوعب المواد المعاد تدويرها وتعيد إدخالها في العملية الإنتاجية.
وأوضح أن أي خلل في إحدى حلقات هذه المنظومة ينعكس على كفاءتها ويحد من جدواها الاقتصادية، مشيراً إلى ضرورة الانتقال من التعامل مع النفايات بوصفها عبئاً خدمياً إلى النظر إليها باعتبارها مورداً قابلاً للاستثمار.
وأكد أن هذا التحول يتطلب تفكيراً إدارياً واقتصادياً مختلفاً يقوم على التخطيط طويل الأمد، وتحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وقياس النتائج، بدلاً من الاكتفاء بمبادرات متفرقة قد يبقى أثرها محدوداً ما لم تندرج ضمن سياسة وطنية واضحة.
ولفت إلى أن مسؤولية إدارة النفايات لا ينبغي أن تبقى محصورة في البلديات والمؤسسات الحكومية، إذ يشكل القطاع الخاص والمنتجون والمستهلكون أطرافاً رئيسة في المنظومة، ما يستدعي تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتفعيل مسؤولية المنتج عن مخلفات منتجاته وعبواته.
وأشار إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ هذه الثقافة، من خلال ربط المفاهيم البيئية بالممارسة اليومية، وتعزيز قيم تقليل الاستهلاك وإعادة الاستخدام والفرز من المصدر.
وأضاف، إن إشراك الشباب والنساء والمشروعات الصغيرة والريادية يفتح المجال أمام أفكار مبتكرة وفرص اقتصادية جديدة، تسهم في توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية والإنتاجية في القطاع.
وبين أن قياس النجاح يجب ألا يقتصر على كميات النفايات التي جُمعت، بل ينبغي أن يشمل الكميات التي أعيد تدويرها فعلياً، وحجم الاستثمارات التي استقطبها القطاع، وفرص العمل التي وفرها، ومدى مساهمته في خفض كلف إدارة النفايات والحد من آثارها البيئية.
(بترا)




