الاقتصادبنوك

“الصكوك الإسلامية”.. تحوّل في فلسفة التمويل العام وأداة لتعزيز التنمية

رقمنة

يفتح قرار مجلس الوزراء، الموافقة على إصدار أمانة عمّان الكبرى صكوك تمويل إسلامي بقيمة 400 مليون دينار، نافذة جديدة أمام المؤسسات العامة لتنويع مصادر تمويلها وإعادة هيكلة التزاماتها المالية، في خطوة تتجاوز توفير السيولة إلى اختبار قدرة أدوات التمويل الإسلامي على تخفيض كلف خدمة الدين وتعزيز كفاءة الإنفاق العام وربط التمويل بمشاريع تنموية وإنتاجية.

ويأتي القرار، في إطار توجه يستهدف تعزيز كفاءة الإدارة المالية والاستفادة من فرص التمويل الإسلامي المتاحة في السوق المحلية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أدوات تمويل أكثر مرونة وقدرة على دعم المشاريع الرأسمالية، دون تحميل المؤسسات العامة أعباء مالية تفوق قدرتها على الاستدامة.

وبموجب القرار، ستصدر أمانة عمّان الكبرى صكوك تمويل إسلامي بقيمة 400 مليون دينار، بصيغة الإجارة المنتهية بالتمليك وبعائد سنوي يبلغ 5.5 بالمئة ل5 أعوام، لتكون هذه الخطوة الأولى من نوعها في المملكة لصالح مؤسسة عامة من قطاع البلديات وفق ما أعلنته الحكومة.

ويستند المشروع إلى دراسات اقتصادية ومالية متخصصة امتدت عدة أشهر، بالتعاون بين الأمانة والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، ممثلاً بالبنوك الإسلامية.

كما أسست الأمانة شركة متخصصة بالصكوك الإسلامية لتمويل مشاريعها واستكملت الوثائق اللازمة للإصدار والموافقات المطلوبة من هيئة الأوراق المالية، بما فيها إجازة نشرة الإصدار من مجلس المفوضين وهيئة الرقابة الشرعية المركزية.

وسيتولى البنك المركزي الأردني إدارة الإصدار في السوق، على أن يوجّه إلى البنوك وشركات التأمين والمؤسسات وصناديق الادخار والاستثمار والتقاعد، مع إتاحة تداول الصكوك في بورصة عمّان وفق الشروط والأحكام والترتيبات التنظيمية المعتمدة.

ورأى خبراء اقتصاديون أن التوجه نحو الصكوك الإسلامية يمثل تحولا في منهجية تمويل المؤسسات العامة من الاعتماد على أدوات اقتراض تقليدية إلى الاستفادة من أدوات تمويل مرتبطة بالأصول والمشاريع وقادرة على استقطاب شرائح جديدة من المستثمرين، لا سيما الباحثين عن استثمارات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

وأكدوا أن نجاح هذه التجربة لا يُقاس بمجرد إتمام الإصدار، وإنما بقدرتها على تخفيض تكلفة خدمة الدين وتحسين إدارة التدفقات النقدية وتوجيه الموارد إلى مشاريع ذات جدوى اقتصادية وتنموية، إلى جانب تعزيز الثقة بالسوق المالية المحلية وتوسيع دورها في تمويل الاقتصاد.

وقال الرئيس التنفيذي لبورصة عمّان، مارن الوظائفي، إن إدخال الصكوك الإسلامية وخصوصا القابلة للتداول، يمثل إضافة نوعية إلى أدوات التمويل المتاحة في السوق المحلية ويوفر بديلا عن السندات التقليدية، ليفتح المجال أمام استقطاب شرائح جديدة من المستثمرين.

وأوضح أن الصكوك تسهم في تعميق السوق المالي وتعزيز مستويات السيولة من خلال توسيع قاعدة المشاركين، سواء من المستثمرين الأفراد أو المؤسسات وفي مقدمتهم البنوك الإسلامية وصناديق الاستثمار التي تبحث عن أدوات متوافقة مع الشريعة.

وأضاف أن ارتباط الصكوك بالأصول يمنحها خصائص تمويلية واستثمارية مختلفة ويمكن أن يعزز ثقة المستثمرين بالسوق وينعكس إيجاباً على أحجام التداول ونشاطه، فضلاً عن توسيع دور سوق رأس المال ليصبح مصدراً لتمويل المشاريع، لا مجرد مساحة لتداول الأوراق المالية القائمة.

من جهته، أكد وزير المالية الأسبق، الدكتور محمد أبو حمور، أن قرار مجلس الوزراء يحمل دلالات اقتصادية تتجاوز الجانب الإجرائي، ليفتح المجال أمام تطوير منهجية تمويل المشاريع العامة والانتقال إلى أدوات أكثر ارتباطاً بالأصول والمشاريع الإنتاجية.

وأوضح أن الصكوك الإسلامية يمكن أن تسهم في توجيه التمويل نحو الإنفاق الرأسمالي المنتج وتعزيز كفاءة إدارة المال العام وربط الموارد المالية بأهداف تنموية واضحة، بدلا من الاقتصار على تلبية الاحتياجات التمويلية قصيرة الأجل.

وأشار إلى أن تمويل مشاريع أمانة عمّان من خلال الصكوك يمكن أن يخفف الضغط على الموارد المالية التقليدية ويدعم إعادة هيكلة الالتزامات ويوفر آجالاً تمويلية أكثر ملاءمة لطبيعة المشاريع طويلة الأجل.

وبيّن أن هذه الخطوة تحمل رسائل إيجابية للأسواق، من حيث توجه الأردن نحو تعميق سوق التمويل الإسلامي وتفعيل السوق المحلية مصدرا لتمويل المشاريع، إلى جانب تعزيز قدرة المؤسسات العامة على تنفيذ برامجها دون الاعتماد المفرط على الدعم الحكومي أو الاقتراض التقليدي.

من جانبه، أكد أستاذ المالية في جامعة آل البيت، الدكتور عمر غرايبة، أن الصكوك الإسلامية تمثل تحولا في فلسفة التمويل، وليست مجرد أداة بديلة للاقتراض، لافتا إلى أنها تقوم على ربط رأس المال بالنشاط الاقتصادي والأصول وفق طبيعة العقد المستخدم، ليعزز العلاقة بين التمويل والاقتصاد الحقيقي.

وأوضح أن هذا النموذج يمكن أن يوفر مرونة أكبر في هيكلة التمويل ويخفف بعض الضغوط على التدفقات النقدية مقارنة بأدوات الدين التقليدية المحددة بالإلتزامات، شريطة أن تُصمم الإصدارات بما يتناسب مع طبيعة المشاريع وقدرتها على توليد الإيرادات وأن تُدار المخاطر المرتبطة بها بكفاءة.

وأشار غرايبة إلى أن التجارب الدولية أظهرت قدرة الصكوك على المساهمة في سد فجوات التمويل طويل الأجل، خصوصا في القطاعات كثيفة رأس المال، مثل البنية التحتية والطاقة والنقل، مبينا أن انتشار هذه الأداة يعكس تزايد الاهتمام بها ضمن منظومة التمويل والاستثمار العالمية.

وبيّن أن التوسع في استخدام الصكوك في الأردن يمكن أن يفتح قنوات تمويل إضافية أمام المؤسسات العامة، ويوسع قاعدة المستثمرين المشاركين في تمويل المشاريع ودعم الاستثمار.

ولفت إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب توافر دراسات جدوى دقيقة، ووضوحاً في هيكل الإصدار، وتحديداً للمخاطر والعوائد، إلى جانب الإفصاح والحوكمة والرقابة، لضمان حماية المستثمرين وتعزيز استدامة التمويل.

وفي السياق ذاته، بيّن أستاذ المالية في الجامعة الهاشمية، الدكتور محمد الدويري، أن تكلفة التمويل تمثل المحور الأساسي في تقييم الجدوى الاقتصادية لإصدار الصكوك الإسلامية، مشيرا إلى أن توظيف الصكوك الإسلامية ضمن إطار مالي متكامل يتيح للمؤسسات العامة فرصاً أوسع لتنويع مصادر التمويل، وتحسين إدارة الالتزامات المالية، وتوجيه الموارد نحو المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والتنموية، بما يعزز كفاءة استخدام المال العام ويرفع قدرة المؤسسات على الاستمرار في تقديم خدماتها.

بترا –  رائف الشياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى