
رقمنة
سجل المؤشر الأردني لثقة المستثمر ارتفاعا لافتا خلال الربع الثاني من العام الحالي، بنسبة بلغت 21.9 %، ليصل إلى 186.6 نقطة، مقارنة مع 153.1 نقطة في الربع الأول، في تطور يعكس تحسنا في تقييم المستثمرين لأداء الاقتصاد الوطني وتوقعاتهم بشأن مسار النشاط الاقتصادي، وسط تحديات إقليمية وحالة من عدم اليقين على المستوى العالمي.
وأكد اقتصاديون أن هذا الارتفاع يعكس تحسنا في مناخ الاستثمار وثقة المستثمرين بقدرة الاقتصاد الأردني على الحفاظ على استقراره وتعزيز جاذبيته، لا سيما مع تزامنه مع نمو الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحسن أداء بورصة عمان، إلى جانب نمو الصادرات الوطنية وتراجع عجز الميزان التجاري.
وأشاروا، في تصريحات لـ”الغد”، إلى أن أهمية التحسن المسجل لا تقتصر على ارتفاع المؤشر بحد ذاته، بل تمتد إلى ما يمكن أن يترتب عليه من دعم للقرارات الاستثمارية، وتوسيع المشاريع القائمة، واستقطاب استثمارات جديدة، وخلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاج والصادرات.
وشدد الخبراء على أن الاستفادة من هذا التحسن تتطلب البناء على المؤشرات الإيجابية من خلال تسريع تنفيذ المشاريع الاقتصادية، ومواصلة الإصلاحات التشريعية والإجرائية، وخفض كلف الإنتاج والتشغيل، وإزالة العقبات التي تواجه القطاع الخاص، بما يسهم في تحويل الثقة المتزايدة إلى استثمارات فعلية ونشاط اقتصادي مستدام.
النشاط الاقتصادي يقود ارتفاع الثقة
وكان منتدى الإستراتيجيات الأردني قد كشف عن ارتفاع المؤشر الأردني لثقة المستثمر خلال الربع الثاني من العام 2026 بنسبة 21.9 %، ليبلغ 186.6 نقطة، مقارنة مع 153.1 نقطة في الربع الأول.
وجاء الارتفاع مدفوعا بصورة رئيسة بالقفزة المسجلة في مؤشر الثقة في النشاط الاقتصادي، الذي ارتفع بنسبة 74.3 %، ليصل إلى 200 نقطة، مقابل 114.7 نقطة في الربع الأول، مسجلا أعلى مستوى ربعي له خلال السنوات الثلاث الماضية.
في المقابل، تراجع مؤشر الثقة في النظام النقدي إلى 161.4 نقطة، مقارنة مع 182.8 نقطة في الربع الأول، كما انخفض مؤشر الثقة في النظام المالي إلى 185 نقطة، مقابل 200 نقطة في الفترة ذاتها.
وتعكس هذه التحركات تباينا في أداء المؤشرات الفرعية، إذ جاء الارتفاع الإجمالي في ثقة المستثمر مدفوعا بالتحسن الكبير في تقييم النشاط الاقتصادي، رغم تراجع مؤشري الثقة في النظامين النقدي والمالي.
وعلى صعيد الأسواق المالية، ارتفع مؤشر بورصة عمان بمقدار 305 نقاط، ليصل إلى 7517 نقطة في الربع الثاني، مقارنة مع 7212 نقطة في الربع الأول، في إشارة إضافية إلى تحسن أداء السوق خلال الفترة.
وتزامن ذلك مع بلوغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 3 % في الربع الثاني من العام الحالي، فيما وصلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 458 مليون دينار، وهو ثاني أعلى مستوى ربعي مسجل خلال السنوات الثلاث الماضية، وفق البيانات التي استعرضها المنتدى.
ويعد المؤشر الأردني لثقة المستثمر مؤشرا ربعيا لقياس مستوى الثقة بالاقتصاد الوطني، ويستند إلى ثلاثة مؤشرات فرعية تشمل الثقة في النشاط الاقتصادي، والثقة في النظام النقدي، والثقة في النظام المالي.
وبحسب المنتدى، يعكس المؤشر الجهود المبذولة لزيادة الاستثمار في المملكة وتطوير بيئة الأعمال، بما يسهم في دعم النمو الاقتصادي وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين.
وأكد عضو مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال الأردنيين صلاح الدين البيطار أن ارتفاع المؤشر الأردني لثقة المستثمر بنسبة 21.9 % خلال الربع الثاني يعكس تحسنا في نظرة المستثمرين تجاه الاقتصاد الوطني، ويؤكد قدرته على الحفاظ على استقراره وتعزيز جاذبيته الاستثمارية رغم التحديات الإقليمية.
وأوضح البيطار أن أهمية هذا الارتفاع تكمن في دلالته على تحسن توقعات المستثمرين وثقتهم بقدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع المتغيرات، مشيرا إلى أن تنامي الثقة يمثل عاملا مهما في دعم قرارات الاستثمار والتوسع في المشاريع القائمة واستقطاب استثمارات جديدة.
وأضاف أن النتائج تكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، إذ تعكس قدرة الاقتصاد الأردني على التكيف مع التطورات الخارجية، مستفيدا من عناصر الاستقرار الاقتصادي والمالي، فضلا عن موقع المملكة وما توفره من فرص استثمارية في قطاعات متعددة.
وأشار إلى أن استمرار تحسن الثقة يمكن أن ينعكس إيجابا على النشاط الاقتصادي من خلال زيادة الاستثمارات، وتوسيع المشاريع القائمة، وخلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاج والصادرات.
وشدد البيطار على أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل الثقة إلى استثمارات فعلية ومشاريع إنتاجية مستدامة، مبينا أن الحفاظ على المسار الإيجابي يتطلب مواصلة تطوير التشريعات والإجراءات، وتبسيط متطلبات ممارسة الأعمال، وخفض الكلف، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ودعا إلى تكثيف الترويج للفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة، واستهداف المستثمرين في الأسواق الإقليمية والدولية، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، بما يعزز النمو الاقتصادي والتشغيل. وأكد أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال يشكلان عاملين أساسيين في استثمار التحسن المسجل في ثقة المستثمرين وتحويله إلى نمو اقتصادي مستدام.
الاختبار الحقيقي في تحويل الثقة إلى استثمارات فعلية
من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد الحدب السرحان أن الارتفاع اللافت في المؤشر الأردني لثقة المستثمر يكتسب أهمية إضافية لحدوثه في فترة اتسمت بتوترات إقليمية وحالة من عدم اليقين العالمي.
وقال إن القفزة الأبرز تمثلت في ارتفاع مؤشر الثقة في النشاط الاقتصادي بنسبة 74.3 %، ليصل إلى 200 نقطة، وهو أعلى مستوى ربعي خلال ثلاث سنوات، ما يعكس تحسنا واضحا في تقييم المستثمرين لاتجاه النشاط الاقتصادي، وليس مجرد تحسن محدود في أحد المؤشرات المالية.
وأوضح السرحان أن قوة هذه النتيجة ترتبط بتزامنها مع تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية، بما في ذلك النمو الاقتصادي، وتدفقات الاستثمار، والصادرات، وأداء بورصة عمان، إلى جانب تراجع عجز الميزان التجاري.
وأضاف أن تحرك مجموعة من المؤشرات في الاتجاه الإيجابي نفسه يمنح ارتفاع الثقة أساسا اقتصاديا أكثر متانة، ويعزز احتمالات انعكاسه على قرارات المستثمرين.
وبين أن تحسن الثقة يمكن أن يؤثر في النشاط الاقتصادي من خلال تشجيع المستثمرين على توسيع مشاريعهم القائمة أو الدخول في استثمارات جديدة، خصوصا عندما يقترن بنمو مستقر، وتحسن في المؤشرات المالية، واستمرار تدفقات الاستثمار، وارتفاع تقييم الأصول المحلية.
ومع ذلك، أكد السرحان أن الحكم على تطور بيئة الاستثمار يتطلب استمرار التحسن لعدة فصول متتالية، وربطه بمؤشرات عملية، من بينها عدد المشاريع الجديدة، وحجم إعادة استثمار الشركات القائمة، والوظائف التي تولدها الاستثمارات، ونمو الصادرات والإنتاجية.
وشدد على ضرورة التعامل مع ارتفاع المؤشر باعتباره فرصة ينبغي استثمارها، لا نتيجة نهائية بحد ذاتها، داعيا إلى تسريع تنفيذ المشاريع الجاهزة، ومتابعة المستثمرين الذين أبدوا اهتماما سابقا بالسوق الأردنية، والعمل على تحويل التحسن في المزاج الاستثماري إلى رؤوس أموال ومشاريع منتجة داخل الاقتصاد الوطني.
كما دعا إلى تقليل كلف ممارسة الأعمال، وتعزيز قدرة المؤسسات المعنية على معالجة المشكلات التي تواجه المشاريع خلال مراحل التنفيذ، بما يحد من الفجوة بين الإعلان عن الفرص الاستثمارية ودخولها حيز التنفيذ الفعلي.
الاستقرار النقدي والمشاريع الكبرى يعززان المؤشرات الإيجابية
بدوره، عزا الخبير الاقتصادي منير دية التحسن الكبير في المؤشر الأردني لثقة المستثمر إلى مجموعة من العوامل والمؤشرات الإيجابية التي دعمت أداء الاقتصاد الوطني خلال الربع الثاني من العام الحالي.
وأشار إلى أن هذه العوامل تشمل نمو الاقتصاد، وارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي، وزيادة الثقة في النشاط الاقتصادي بأكثر من 70 %، إلى جانب نمو الصادرات الوطنية بأكثر من 14 %، وحوالات العاملين في الخارج.
وأوضح أن هذه المؤشرات تكتسب أهمية مضاعفة في ظل التحديات الجيوسياسية والظروف الإقليمية المحيطة، لافتا إلى أن الاقتصاد الأردني استطاع الحفاظ على زخمه رغم صعوبة البيئة الخارجية.
وعزا دية جانبا من التحسن إلى السياسات النقدية التي ينتهجها البنك المركزي الأردني، والتي أسهمت، بحسب تقديره، في الحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار، إلى جانب ارتفاع الودائع المصرفية إلى أكثر من 50 مليار دينار، والحفاظ على استقرار النشاط المصرفي.
كما أشار إلى أن تنفيذ برامج رؤية التحديث الاقتصادي، وإطلاق المشاريع الاقتصادية الكبرى والبدء بتنفيذها، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية والنقل والطاقة والمياه، أسهم في تنشيط الاقتصاد وتعزيز الثقة بالمؤشرات الاقتصادية الكلية.
وأكد دية أن استمرار الزخم الإيجابي يتطلب تنفيذ البرامج والخطط والمشاريع ضمن الجداول الزمنية المحددة، إلى جانب اتخاذ قرارات حكومية تتناسب مع متطلبات المرحلة، ولا سيما في مجالات تشجيع الاستثمار، وإزالة العقبات أمام المستثمرين، وخفض كلف ممارسة الأعمال، والحفاظ على معدلات تضخم مستقرة.
وتوقع أن يسهم استمرار تنفيذ المشاريع الكبرى واستقطاب الاستثمارات في تحقيق نتائج إيجابية إضافية على مستوى الاقتصاد الكلي، تنعكس تدريجيا على سوق العمل والدخل ومستويات المعيشة، من خلال توفير فرص عمل جديدة، وزيادة النشاط الاقتصادي، وتحسين الخدمات.
وشدد على أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب متابعة حكومية مستمرة لتنفيذ المشاريع في مواعيدها، واستكمال الإصلاحات التشريعية والإجرائية، وخفض كلف الإنتاج، وإزالة العقبات التي تواجه القطاع الخاص.
من المؤشر إلى الاستثمار.. تحدي المرحلة المقبلة
تعكس نتائج الربع الثاني تحسنا ملحوظا في ثقة المستثمرين، مدعوما بصورة رئيسة بالقفزة في مؤشر الثقة بالنشاط الاقتصادي، إلى جانب مجموعة من المؤشرات الإيجابية المرتبطة بالنمو والاستثمار والأسواق المالية والتجارة الخارجية.
غير أن استدامة هذا التحسن ستظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل التوقعات الإيجابية إلى تدفقات استثمارية مستمرة ومشاريع إنتاجية جديدة، بما ينعكس على التشغيل والإنتاجية والصادرات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تسريع تنفيذ المشاريع الاقتصادية، وتحسين كفاءة الإجراءات الحكومية، وتخفيض كلف الإنتاج والتشغيل، وتوفير بيئة أكثر مرونة للقطاع الخاص، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على توليد قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.
وبذلك، لا تكمن أهمية ارتفاع مؤشر ثقة المستثمر في بلوغه 186.6 نقطة فحسب، بل في قدرة السياسات الاقتصادية على البناء على هذه الثقة، وترجمتها إلى نشاط استثماري ملموس يوسع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الأردني ويعزز قدرته على مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.
الغد – عبد الرحمن الخوالدة




