ذكاء اصطناعي

خبراء: الذكاء الاصطناعي فرصة للأردن لتعظيم قيمة الإنسان والمعرفة وبناء اقتصاد قائم على الابتكار

رقمنة

 يشكل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات التي تعيد رسم ملامح الاقتصاد والتعليم والإعلام والخدمات والقطاعات الإنتاجية، فيما تبرز أمام الأردن فرصة مهمة لتوظيف هذه التقنيات في تعظيم قيمة رأس المال البشري وتحويل المعرفة والخبرات الوطنية إلى حلول ومنتجات وخدمات قابلة للتوسع والوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
ويرى رئيس جامعة عجلون الوطنية ومدير مركز الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في اتحاد الجامعات العربية الدكتور فراس الهناندة أن الأردن يمتلك قاعدة بشرية متعلمة وجامعات وكفاءات علمية وتقنية، ما يجعل الاستثمار في الإنسان والمعرفة مدخلًا أساسيا لبناء اقتصاد أكثر اعتمادا على الابتكار.
ويؤكد الهناندة أن حضور الأردن في اقتصاد الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقوم على ما يسميه “ذكاء الحلول”، من خلال توظيف العلم والبيانات والتقنيات الذكية في معالجة قضايا ترتبط بحياة الناس والاقتصاد الوطني، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى حلول قابلة للتطبيق والتوسع.
ويشير إلى أن قطاعات المياه والزراعة والطاقة والنقل والصحة والتعليم والخدمات العامة تمثل مجالات واسعة يمكن أن تتحول إلى مختبرات حقيقية للابتكار، لافتًا إلى أن تحويل هذه القضايا إلى مشاريع بحثية وتطبيقية داخل الجامعات يمكن أن يربط المشكلة الوطنية بالباحث والبيانات والتقنية والشريك الاقتصادي، وصولًا إلى حلول قابلة للتوسع.
ويضيف أن هذه المنظومة قادرة على توليد شركات ناشئة وفرص عمل نوعية ومنتجات معرفية وخدمات رقمية يمكن أن تتجاوز السوق المحلية، مؤكدا أن تصدير المعرفة يمثل فرصة استراتيجية للأردن، إذ يمكن للحلول التي تطور محليًا لمعالجة تحديات المياه أو الزراعة أو الطاقة أن تجد تطبيقات في دول أخرى تواجه تحديات مماثلة.
ويبرز الهناندة مفهوم “ذكاء التخصص”، باعتباره أحد الاتجاهات المهمة في مستقبل التعليم العالي، موضحًا أن قيمة الذكاء الاصطناعي تتضاعف عندما يلتقي بالمعرفة العميقة بالتخصص، بحيث يستطيع المهندس أو الطبيب أو الزراعي أو الاقتصادي أو القانوني توظيف الأدوات الذكية ضمن مجاله لإنتاج حلول أكثر دقة وارتباطًا بالواقع.
ويرى أن الجامعات الأردنية أمام فرصة لإعادة تطوير تجربة الطالب بحيث تجمع بين المعرفة التخصصية والقدرة على استخدام الأدوات الذكية وفهم البيانات وتحليل النتائج وبناء الحلول، مؤكدًا أن قيمة الطالب في عصر الذكاء الاصطناعي تتعزز بقدرته على الجمع بين المعرفة العميقة والقدرة على توظيف التكنولوجيا في صناعة قيمة حقيقية.
وفي هذا السياق يرى أستاذ التكنولوجيا المالية في جامعة عجلون الوطنية الدكتور خالد العمري، أن الذكاء الاصطناعي يفتح أمام الاقتصاد الأردني مجالات واسعة لتطوير الخدمات المالية وتحسين كفاءة اتخاذ القرار، خصوصا مع تنامي حجم البيانات الناتجة عن التعاملات الرقمية والخدمات الإلكترونية.
ويشير العمري إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي لا ينبغي أن يقتصر على أتمتة الخدمات، بل يتعين أن يمتد إلى تطوير منتجات مالية أكثر ملاءمة لاحتياجات الأفراد والمؤسسات، وتحسين القدرة على تحليل المخاطر والتنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية، بما يسهم في بناء منظومة مالية أكثر كفاءة وشمولًا.
ويؤكد أن الجامعات يمكن أن تؤدي دورا محوريا في هذا المجال من خلال ربط تخصصات التكنولوجيا المالية والاقتصاد وإدارة الأعمال والذكاء الاصطناعي، وتشجيع الطلبة على تطوير تطبيقات وحلول قابلة للتحول إلى مشاريع وشركات ناشئة، مشددًا على أهمية تعزيز ثقافة ريادة الأعمال والعمل الحر إلى جانب تأهيل الطلبة بالمهارات التقنية.
بدوره يرى المتخصص في الإعلام الرقمي والدراسات الإعلامية الدكتور عدي قاقيش أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولا عميقا في صناعة الإعلام، بدءً من جمع المعلومات وتحليل البيانات ووصولًا إلى إنتاج المحتوى وتخصيصه وتوزيعه، الأمر الذي يفرض إعادة تعريف المهارات التي يحتاجها الصحفي والإعلامي في المرحلة المقبلة.
ويقول إن الإعلامي لم يعد مطالبا فقط بالقدرة على الكتابة وإنتاج المحتوى، وإنما يحتاج إلى فهم أدوات الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامها بصورة مهنية، مع المحافظة على مهارات التحقق والتدقيق والقدرة على التمييز بين المعلومات الحقيقية والمحتوى المضلل أو المصطنع.

ويؤكد قاقيش أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الإعلام لا تكمن في استبدال الصحفي، وإنما في مساعدته على الوصول إلى المعلومات وتحليل البيانات واكتشاف الأنماط والاتجاهات، بينما تبقى مسؤولية التحقق والسياق والحكم المهني مرتبطة بالإنسان.
ويحذر من أن الانتشار المتسارع للمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يفرض على المؤسسات الإعلامية الاستثمار في مهارات التحقق الرقمي ومحو الأمية الإعلامية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع قواعد واضحة لاستخدام الأدوات الذكية بما يحافظ على الثقة العامة بالإعلام.
من جانبه، يؤكد أستاذ الدراسات القانونية في جامعة جدارا الدكتور عبدالله الدردور أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يستدعي تطوير الإطار القانوني بصورة تواكب سرعة التطور التقني، خصوصا في القضايا المرتبطة بالبيانات والخصوصية والمسؤولية عن القرارات التي تنتجها الأنظمة الذكية.
ويشير إلى أن التحدي القانوني لا يتمثل في مواكبة التكنولوجيا فقط وإنما في تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق الأفراد والمجتمع، مبينًا أن أي منظومة للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى قواعد تحدد المسؤوليات وتضمن الشفافية وتحمي البيانات الشخصية والملكية الفكرية.
ويرى الدردور أن الجامعات ومراكز البحث العلمي يمكن أن تسهم في بناء المعرفة القانونية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، من خلال دراسات تستبق التطورات التقنية وتساعد المشرّع وصانع القرار على بناء تشريعات مرنة وقابلة للتطوير.
وفي الإطار ذاته يرى الباحث القانوني الدكتور سالم الجبور أن الحوكمة تمثل أحد المفاتيح الأساسية لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى ضرورة وجود معايير واضحة تحكم جمع البيانات ومعالجتها واستخدامها، وتحدد مسؤولية المؤسسات والأفراد عند حدوث أخطاء أو أضرار.
ويؤكد الجبور أهمية بناء منظومة متكاملة لا تركز على الجانب التقني وحده، وإنما تشمل التشريع والرقابة والحوكمة والتوعية، موضحا أن نجاح التحول الرقمي يرتبط بدرجة الثقة التي يشعر بها المواطن تجاه الأنظمة والخدمات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن الأردن قادر على تطوير نموذج متوازن في هذا المجال، يجمع بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق، خصوصًا من خلال التعاون بين الجامعات والقطاعين العام والخاص، والاستفادة من الخبرات القانونية والتقنية في بناء سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي الجانب الأخلاقي يرى الباحث في الأخلاقيات الإعلامية الزميل الدكتور جمال البواريد أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يضع المسؤولية الأخلاقية في مقدمة القضايا التي ينبغي التعامل معها، خصوصا في ظل القدرة المتزايدة على إنتاج النصوص والصور والأصوات ومقاطع الفيديو بصورة يصعب أحيانًا تمييزها عن المحتوى الحقيقي.
ويؤكد البواريد أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام والمعرفة يجب أن يقوم على مبادئ الدقة والشفافية والمسؤولية، مع ضرورة الإفصاح عن استخدام المحتوى المولّد آليًا في الحالات التي تستدعي ذلك، وعدم التعامل مع مخرجات الأنظمة الذكية باعتبارها حقائق نهائية دون تحقق بشري.
ويشير إلى أن الخطر لا يكمن في التقنية ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، مبينا أن غياب الضوابط الأخلاقية قد يؤدي إلى توسيع دائرة التضليل وانتهاك الخصوصية وإنتاج محتوى متحيز أو مضلل، في حين يمكن للتوظيف المسؤول أن يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز المعرفة وجودة المحتوى.

ويجمع الخبراء على أن بناء منظومة وطنية فاعلة للذكاء الاصطناعي يتطلب تكاملًا بين الجامعات والبحث العلمي والقطاعات الاقتصادية، إلى جانب توفير البيانات الموثوقة والبنية الرقمية والتمويل والشراكات التي تسمح بتحويل الأفكار البحثية إلى تطبيقات عملية.

محمد المومني

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى