
رقمنة
ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الحادية عشرة منها
المهندس خالد العلاونة
لماذا تنجح نفس فكرة الابتكار في جهة حكومية، بينما تتوقف عند حد الفكرة في جهة أخرى رغم توفر نفس الإمكانات؟
الإجابة غالبًا ليست في الأدوات… بل تبدأ من القيادة.
في المقال السابق، تناولنا أهمية اختبار الأفكار قبل تعميمها عبر مختبرات الابتكار، ودورها في تقليل المخاطر وتحسين النتائج. لكن التجربة أثبتت أن وجود الأدوات وحده لا يكفي، ما لم تتوفر بيئة تسمح باستخدامها بفعالية.
فالابتكار في العمل الحكومي لا يتعطل بسبب نقص الأفكار، بل بسبب الخوف من طرحها. وهنا يظهر الفارق الحقيقي: بين قيادة تطلب الابتكار… وقيادة تزيل العوائق أمامه.
تؤكد الدراسات العالمية بشكل متكرر أن المؤسسات التي تتمتع بما يُعرف بـ”الأمان النفسي” (Psychological Safety) تحقق مستويات أعلى من الابتكار. ففي دراسة أجرتها Google ضمن مشروع Project Aristotle، تبيّن أن العامل الأهم في أداء الفرق لم يكن المهارات أو الموارد، بل شعور الأفراد بأن بإمكانهم التعبير عن أفكارهم دون خوف من الإحراج أو العقوبة.
وفي السياق الحكومي، يتضاعف هذا التحدي. فطبيعة العمل ترتبط بالمساءلة، والأنظمة غالبًا ما تُفسَّر بطريقة تحفظية. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تخلق القيادة بيئة آمنة من الخطأ… أم بيئة آمنة للأفكار؟
في الواقع، يمتلك موظفو الصف الأمامي في كثير من الجهات الحكومية أفكارًا عملية نابعة من احتكاكهم المباشر بالمواطنين. لكن هذه الأفكار لا ترى النور، ليس لأنها ضعيفة، بل لأن البيئة لا تشجع على طرحها.
خذ مثالًا من حكومة الإمارات، التي أطلقت “مختبرات المسرعات الحكومية”، حيث تم تمكين فرق عمل متعددة التخصصات من اختبار حلول خلال 100 يوم فقط، ما أدى إلى تحسينات ملموسة في خدمات حيوية. لم يكن سر النجاح في الفكرة بحد ذاتها، بل في الدعم القيادي الذي أتاح التجربة السريعة دون تعقيد إداري.
وفي المملكة المتحدة، أظهرت تقارير Government Digital Service (GDS) أن إشراك الموظفين في تطوير الخدمات الرقمية ساهم في تقليل زمن إنجاز بعض الخدمات بنسبة تجاوزت 30%. هذا التحسن لم يكن تقنيًا فقط، بل نتيجة ثقافة تسمح بالمحاولة والتطوير المستمر.
الدرس هنا واضح: عندما تدعم القيادة التجربة وتختصر الإجراءات، تتحول الأفكار إلى نتائج خلال أسابيع بدل سنوات.
القيادة في هذا السياق لا تؤدي دور “الموافق النهائي” فقط، بل دور الممكن: تفتح المجال للأفكار
تحمي التجربة من الإيقاف المبكر
وتوجه الجهود نحو أولويات واضحة
فالابتكار لا يعني كثرة المبادرات، بل تحقيق أثر ملموس.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الابتكار يعني نجاح الفكرة من المحاولة الأولى. الواقع مختلف تمامًا. في البيئات الفعالة، يُنظر إلى الفشل كجزء من عملية التعلم.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الحكومات التي تتبنى نهج “التجربة والتعلم” تحقق نتائج أفضل على المدى المتوسط مقارنة بتلك التي تسعى إلى الكمال منذ البداية.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي في سلوك القيادة: هل تكافئ النتيجة فقط… أم تكافئ المحاولة أيضًا؟
لنأخذ مثالًا بسيطًا من الواقع اليومي: موظف في مركز خدمة يلاحظ تعقيدًا في إجراء معين.
في بيئة تقليدية: يحتفظ بالملاحظة لنفسه.
في بيئة داعمة: يطرح الفكرة، تُجرب بشكل محدود، تُحسَّن، ثم تُعمم.
الفرق ليس في الموظف… بل في البيئة التي صنعتها القيادة.
ولتحويل هذه القناعة إلى ممارسة، يمكن للقيادات البدء بخطوات عملية، مثل: تخصيص جلسات دورية لطرح الأفكار دون تقييم فوري
تبني تجارب صغيرة (Pilot) قبل التعميم
مكافأة المبادرات حتى وإن لم تحقق نجاحًا كاملًا
ربط الابتكار بأهداف واضحة بدل تركه كجهد جانبي
قد تدعم الأنظمة الابتكار، لكن الثقافة هي التي تحدد استمراريته.
وهذه الثقافة لا تُكتب في الأدلة التنظيمية… بل تُمارس يوميًا من قبل القيادة.
حين تؤمن القيادة بأن الابتكار ليس مشروعًا مؤقتًا، بل أسلوب عمل، تتحول الأفكار من مبادرات فردية إلى قدرة مؤسسية مستدامة.
ويبقى السؤال الأهم لكل جهة: هل نصنع بيئة تخاف من الخطأ… أم بيئة تتعلم منه؟




