
في هذا السياق، تعاني السفن منذ بدء الحرب من اضطرابات واسعة في أنظمة تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، أدت إلى أعطال خطيرة في تحديد الإحداثيات، بحيث ظهرت بعض السفن وكأنها موجودة في مطارات أو حتى داخل منشآت حساسة مثل محطات الطاقة النووية.
ووفق تقرير لشركة ويندوارد المتخصصة في الاستخبارات البحرية، فقد طاول التشويش أكثر من 1100 سفينة تجارية في مياه الإمارات وقطر وسلطنة عمان وإيران. وأوضحت الشركة أن هذا التشويش الإلكتروني عطّل أنظمة الملاحة، وأجبر بعض ناقلات النفط على تغيير مساراتها أو التوقف عن استقبال الإشارات، في مؤشر إلى مستوى التعقيد والخطورة الذي بلغه هذا النوع من الهجمات. ونقلت شبكة “سي أن أن” عن كبيرة محللي الاستخبارات البحرية في الشركة ميشيل ويز بوكمان قولها إن “ما نشهده حالياً في الخليج العربي يشكل خطراً بالغاً على الملاحة البحرية”.
ولا تقتصر خطورة التشويش على تعطيل الإحداثيات فحسب، بل تمتد إلى تهديد مباشر لسلامة الملاحة. فالسفن العملاقة، مثل ناقلات النفط التي قد يصل طولها إلى 300 متر وتحمل مئات آلاف الأطنان، تحتاج إلى مسافات كبيرة وزمن طويل لتغيير مسارها أو التوقف، ما يعني أنها قد تقطع كيلومترات عدة قبل الاستجابة لأي خلل. وفي حال تعذّر تحديد مواقع السفن القريبة بدقة، يتضاعف خطر الاصطدام، خصوصاً خلال الليل أو في ظروف الرؤية المحدودة، ما يفتح الباب أمام حوادث قد تكون مميتة.
كما أن تأثير هذه الاضطرابات يمتد إلى الاقتصاد العالمي، إذ يمرّ نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر الخليج ومضيق هرمز. ويعني أي خلل في أنظمة الملاحة أو تعطيل لحركة ناقلات النفط احتمال اضطراب في سلاسل الإمداد وارتفاع في أسعار الطاقة، ما يضفي على التشويش بُعداً استراتيجياً يتجاوز المجال العسكري إلى التأثير المباشر على الأسواق العالمية.
ومع تصاعد هذه المخاطر، بدأت شركات الدفاع والتكنولوجيا بتطوير حلول بديلة لتجاوز الاعتماد على نظام “جي بي إس” لتحديد المواقع، فطوّرت شركة رايثيون البريطانية نظاماً يُعرف باسم “لاندشيلد”، وهو جهاز مضاد للتشويش يمكن تركيبه على مركبات مختلفة، ويعتمد على قنوات متعددة لتعويض الإشارة المعطّلة. كما ابتكرت شركة أدفانسد نافيغيشن الأسترالية نظاماً يعتمد على بيانات البوصلة الدوّامة ومقاييس التسارع ــ وهي تقنيات مشابهة لتلك المستخدمة في الهواتف الذكية ــ لتحديد الموقع من دون الحاجة إلى إشارات الأقمار الاصطناعية.
بالتوازي مع هذه الحرب الإلكترونية في البحر والجو، تتكشف جبهة أخرى على الأرض، حيث تتحول أدوات مدنية يومية إلى وسائل استخباراتية فعالة، وعلى رأسها كاميرات المراقبة. ففي عصر الأجهزة الرخيصة والمتصلة بالإنترنت، باتت هذه الكاميرات تمثل شبكة جاهزة يمكن استغلالها بمجرد اختراقها.
في هذا الإطار، كشف تقرير لصحيفة فايننشال تايمز أن إسرائيل استخدمت كاميرات مرور مخترقة في طهران لمراقبة تحركات المرشد الإيراني علي خامنئي قبل اغتياله في 18 شباط الماضي. ووفق التقرير، تمكنت جهات استخباراتية إسرائيلية من اختراق عدد كبير من الكاميرات، شمل عملياً شبكة كاميرات المرور في العاصمة الإيرانية، واستمرت عمليات المراقبة لسنوات بهدف تتبع تحركات خامنئي ومحيطه الأمني. وشملت عمليات الرصد حرّاسه الشخصيين، وسائقي كبار المسؤولين، وأفراداً من دائرته المقربة، ما سمح ببناء صورة دقيقة عن أنماط الحركة اليومية. وشُفّرت البيانات الآنية، بما فيها تلك الملتقطة قرب مجمعه السكني، وأُرسلت إلى خوادم في إسرائيل، ما وفر معلومات استخباراتية حساسة ساعدت في التخطيط لعملية اغتياله.
ولا يقتصر هذا النمط على الصراع الإيراني الإسرائيلي، بل يشكّل جزءاً من اتجاه عالمي في الحروب الحديثة. إذ كشفت تقارير، بينها تحقيق لإذاعة أوروبا الحرة، أن الاستخبارات العسكرية الروسية اخترقت آلاف كاميرات المراقبة في رومانيا ودول أخرى ضمن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بهدف مراقبة تدفق المساعدات العسكرية والإنسانية إلى أوكرانيا. في المقابل، حصلت مجموعات قرصنة تطوعية أوكرانية على تقدير رسمي بعد نجاحها في اختراق كاميرات واستخراج بيانات من شركات عسكرية روسية، واستخدامها للتجسس على القوات الروسية. وفي المراحل الأولى من الحرب عام 2022، عملت هذه المجموعات على رسم خرائط رقمية لمئات الكاميرات العامة، واكتشفت استخدامها من قبل القوات الروسية، قبل أن تساهم في تعطيلها.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن تحول جذري في طبيعة الصراع، حيث تتداخل الحرب الإلكترونية مع الاستخبارات الميدانية، وتتحول البنى التحتية المدنية، من إشارات الملاحة إلى كاميرات الشوارع، إلى أدوات مركزية في إدارة العمليات العسكرية. وبين إشارات مشوشة وعدسات مخترقة، تتشكل ساحة حرب جديدة أقل ظهوراً، لكنها لا تقل خطورة عن المواجهات التقليدية.
العربي الجديد




