مقالات

الشريك المؤسس في ” رقمنة” خالد الأحمد يكتب : وادي رم ليس ديكورًا لهوليوود …. كيف يمكن للأردن أن يحول الصورة إلى اقتصاد ثقافي؟

رقمنة – خالد الأحمد 

بدأت كوريا الجنوبية مشروعها الثقافي الكبير عندما اكتشفت أن فيلمًا واحدًا قد يساوي أكثر من قطاع صناعي كامل. أما الأردن، فربما يقف اليوم أمام لحظة مشابهة. فبعد سنوات من ظهور وادي رم في أكبر أفلام العالم، لم يعد السؤال كيف نجذب الكاميرات، بل كيف نحول هذا الحضور إلى قيمة أردنية مستدامة.

حين أدركت كوريا أن الثقافة ليست هامشًا

في عام 1994، أجرى مجلس حكومي في كوريا الجنوبية حسابًا صادمًا.

فيلم واحد لستيفن سبيلبرغ حقق إيرادات تفوق ضعف إجمالي صادرات السيارات السنوية للبلاد.

فيلم Jurassic Park وحده حقق 850 مليون دولار.
 وهذا يعادل تقريبًا 1.5 مليون سيارة من هيونداي.

في ذلك الوقت، كانت كوريا بالكاد تصدّر 700 ألف سيارة سنويًا.

تلك المذكرة لم تكن مجرد مقارنة اقتصادية عابرة.
 كانت لحظة وعي.

لحظة جعلت الدولة تسأل نفسها بجدية:
 إذا كان فيلم واحد قادرًا على خلق هذه القيمة، فلماذا لا نبني نحن أيضًا آلة تصدير ثقافي؟

ومن هنا بدأ مشروع استمر ثلاثين عامًا، هدفه واضح: بناء صناعة ثقافية تُصدَّر إلى العالم، لا بوصفها ترفيهًا فقط، بل بوصفها أصلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.

البداية كانت جريئة… لكنها لم تنجح

في إحدى المحاولات المبكرة، عرضت سامسونغ على سبيلبرغ 900 مليون دولار لتمويل DreamWorks، لكن بشروط تتعلق بالتحكم الإبداعي والتوظيف الكوري داخل المشروع.

سبيلبرغ قال لاحقًا إن كلمة “semiconductor” تكررت على طاولة العشاء أكثر من 20 مرة.

فشلت الصفقة.
 لكن الفشل هنا لم يكن نهاية الفكرة، بل بداية نضجها.

كوريا فهمت شيئًا مهمًا:
 لا يكفي أن تشتري الثقافة من الخارج.
 يجب أن تبنيها من الداخل.

الأزمة المالية التي دفعت كوريا نحو الثقافة

ثم جاءت أزمة 1997.

كوريا دخلت في برنامج إنقاذ مع صندوق النقد الدولي بقيمة 58 مليار دولار.
 وفي وسط هذه الضغوط الاقتصادية، اتخذ الرئيس كيم داي جونغ قرارًا بدا غير متوقع: الاستثمار في الثقافة.

بينما كانت دول كثيرة تنظر إلى الثقافة كقطاع يمكن تأجيله في الأزمات، تعاملت كوريا معها كجزء من الحل.

قفز الإنفاق الحكومي على الثقافة من 14 مليون دولار إلى 84 مليونًا بحلول عام 2001.

هذه ليست مجرد زيادة في الميزانية.
 هذه كانت إشارة سياسية واقتصادية تقول إن الثقافة ليست كماليات، بل بنية تحتية ناعمة تبني صورة البلد، وتفتح أسواقًا جديدة، وتخلق سلاسل قيمة طويلة.

وكما وصفت الصحفية Yoon-A Hong، لم يكن هناك أصلًا سوق حقيقي للثقافة الكورية.
 كان يجب أن تُدفَع إلى الأسواق الخارجية دفعًا.

بمعنى آخر، كوريا لم تنتظر طلبًا عالميًا على منتجها الثقافي.
 هي صنعت هذا الطلب.

لي سو-مان وفكرة “الثقافة أولًا”

في الوقت نفسه، كان هناك شاب اسمه لي سو-مان.

مغنٍ سابق وطالب هندسة، كان يشاهد MTV في جامعة كاليفورنيا، ثم عاد إلى كوريا بفكرة اعتبرها كثيرون معاكسة للمنطق الاقتصادي التقليدي.

الفكرة كانت بسيطة، لكنها عميقة:
 بدلًا من أن ننتظر الثراء أولًا ثم ننتج الثقافة، لماذا لا نجعل الثقافة نفسها هي الطريق إلى الثراء؟

من هذه الفكرة أسس SM Entertainment، وابتكر مفهوم “التكنولوجيا الثقافية”، وبنى نظامًا متكاملًا لتصنيع النجوم وتدريب المواهب وإدارة الصورة والتوزيع.

هذا النظام يستقبل مئات آلاف المتقدمين سنويًا.
 يُقال إن نحو 300 ألف شخص يدخلون هذا المسار كل عام، بينما لا يصل إلى الظهور الفعلي سوى حوالي 1%.

قد يبدو الرقم قاسيًا، لكنه يوضح شيئًا أساسيًا:
 النجاح الثقافي الكوري لم يكن صدفة، ولم يكن انفجارًا عفويًا للموهبة.
 كان نتيجة بنية، ونظام، واستثمار طويل النفس.

بحلول 2024، كانت 9 من أصل 10 ألبومات الأكثر مبيعًا عالميًا تنتمي إلى K-pop.

هذا هو شكل النتائج حين تقرر دولة أن تتعامل مع الثقافة كما تتعامل مع الموانئ، والطرق، والطاقة، والتعليم.
 أي كبنية تحتية.

ماذا عن الأردن؟

هنا تصبح المقارنة مثيرة فعلًا.

الأردن لا يبدأ من الصفر.
 لدينا أصل ثقافي بصري مهم جدًا، وربما لا نعامله حتى الآن بالحجم الذي يستحقه.

وادي رم ظهر في بعض أكبر الأفلام العالمية.
 من Lawrence of Arabia إلى The Martian وRogue One وAladdin وDune.

هذا يعني أن العالم يعرف شكل الأردن.
 يعرفه بصريًا.
 يعرف تضاريسه.
 يعرف صحراءه.
 يعرفه بوصفه مشهدًا سينمائيًا قادرًا على تمثيل المريخ، أو كوكبًا خياليًا، أو فضاءً أسطوريًا.

وهذا في حد ذاته ليس أمرًا بسيطًا.

كثير من الدول تنفق سنوات طويلة وموازنات ضخمة حتى تحجز لنفسها مكانًا في المخيلة البصرية العالمية.
 الأردن، من خلال وادي رم تحديدًا، يملك هذه المكانة بالفعل.

لكن هنا يظهر الفرق الجوهري بين التجربتين.

كوريا قررت أن تبني اقتصادًا ثقافيًا.
 أما نحن، فما زلنا نستفيد من الثقافة غالبًا بوصفها خدمة موقع تصوير.

المشكلة ليست في جذب الأفلام، بل في ما بعد التصوير

السؤال ليس: كيف نجذب أفلامًا أكثر إلى الأردن؟

لأن هذا يحدث بالفعل.

السؤال الأهم هو:
 كيف نتوقف عن كوننا مجرد خلفية جميلة، ونبدأ في بناء قيمة أردنية فوق كل فيلم يُصوَّر هنا؟

هذا هو التحول الحقيقي.

أن تنتقل من اقتصاد “الاستضافة” إلى اقتصاد “الالتقاط”.
 أي أن لا تكتفي بإيراد الموقع والخدمات، بل تلتقط القيمة الأكبر التي تنشأ حول العمل الثقافي.

كوريا لم تنجح لأنها صدّرت الموسيقى فقط.
 نجحت لأنها بنت منظومة كاملة: تدريب، إنتاج، توزيع، صورة ذهنية، تسويق، تعليم، وشركات قادرة على تحويل الثقافة إلى أصل اقتصادي متكرر.

والأردن قادر على التفكير بالطريقة نفسها، لكن انطلاقًا من مزاياه هو، لا من نسخة مكررة عن كوريا.

وادي رم ليس موقع تصوير فقط. هو بوابة

يمكن النظر إلى وادي رم اليوم بوصفه أكثر من مجرد صحراء جميلة تستقطب هوليوود.

يمكن النظر إليه كبوابة.

بوابة للسياحة المرتبطة بالسينما.
 بوابة لتطوير كوادر محلية في الإنتاج والتصوير والخدمات الفنية.
 بوابة لتعزيز سلاسل القيمة المرتبطة بما بعد الإنتاج.
 بوابة لخلق خبرة أردنية متخصصة في العمل مع الإنتاجات الدولية.
 وبوابة، وهذا ربما الأهم، لقصص أردنية يمكن أن تخرج إلى العالم من نقطة القوة هذه.

اليوم، العالم يستخدم الأردن بصريًا.

لكن الفرصة الأكبر هي أن يستهلك الأردن ثقافيًا.

أن يأتي الناس لا فقط لأن فيلمًا صُوِّر هنا، بل لأن هناك تجربة أردنية متكاملة تستحق أن تُعاش.
 ولأن هناك قصة أردنية تستحق أن تُروى.
 ولأن هناك موهبة أردنية يمكن أن تنتقل من الخدمة إلى الخلق، ومن التنفيذ إلى الملكية.

من “ديكور عالمي” إلى “منتج ثقافي”

هذا هو التحدي الحقيقي أمام الأردن.

أن لا يبقى البلد مجرد ديكور عالمي ممتاز.
 بل أن يتحول إلى منتج ثقافي له بصمته وسرده وملكيته.

الفيلم الذي يُصوَّر في وادي رم يجب أن يخلق ما هو أكثر من أيام تصوير.
 يجب أن يخلق فرص تدريب.
 وخدمات محلية أعلى قيمة.
 وشراكات إنتاج.
 وحضورًا سياحيًا طويل الأمد.
 وحوافز لتطوير قصص محلية قادرة على السفر.

بكلمات أبسط:
 المطلوب ليس فقط أن نصبح مكانًا مناسبًا لتصوير القصص العالمية.
 المطلوب أن نصبح بلدًا يصنع قصصًا عالمية من مواده الخام الخاصة.

 

الدرس الأهم من كوريا

ربما أهم ما تعلمنا إياه كوريا هو أن الثقافة لا تُبنى بالمصادفة.

لا تكفي الموهبة وحدها.
 ولا يكفي الإعجاب العالمي العابر.
 ولا يكفي أن يراك الآخرون جميلًا على الشاشة.

التحول يبدأ حين تقرر الدولة، ومعها القطاع الخاص، أن الثقافة ليست ملفًا ثانويًا، بل قطاعًا اقتصاديًا جادًا.

تمامًا كما حدث في كوريا، يبدأ كل شيء من تغيير السؤال.

ليس: هل الثقافة مربحة؟

بل: ماذا يحدث عندما نبنيها كما نبني أي قطاع استراتيجي آخر؟

خاتمة

كوريا جعلت العالم يستهلك كوريا.

أما نحن، فما زلنا في كثير من الأحيان نسمح للعالم بأن يستخدم الأردن بصريًا، من دون أن نلتقط كامل القيمة الممكنة من هذا الحضور.

وادي رم ليس فقط موقعًا جميلًا.
 وقد لا يكون مجرد موقع تصوير أيضًا.

قد يكون المدخل الأول لاقتصاد ثقافي أردني حقيقي.
 لكن ذلك لن يحدث بمجرد استمرار التصوير.
 سيحدث فقط عندما نقرر أن نحول هذا الحضور البصري إلى بنية، وهذه البنية إلى صناعة، وهذه الصناعة إلى سردية أردنية تُعرف وتُطلب وتُصدَّر.

عندها فقط، لن يكون السؤال كم فيلمًا صُوِّر في الأردن.

بل:
 ما الذي بناه الأردن فوق كل فيلم صُوِّر فيه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى