
في الآونة الأخيرة شاع الحديث عن ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مسائل العبادات، واتخاذه مستشاراً ومجيباً عن أسئلة عديدة تدور في فلك الشرع والواجبات والفروض وغيرها؛ مما يتطلب على المسلم اتباعها في منهجه سواء التعبدي أو السلوكي أو في التعاملات التي يفرض الشرع أن لا تخرج إلى خارج دائرته.
ما يزيد من رغبة الأشخاص في اعتماده وطرح الأسئلة عليه، هو تمكنه من توفير إجابات عديدة ووفق مختلف المذاهب خلال وقت قصير جداً.
وبذلك هو يوفر وقتاً وجهداً كبيرين في حال بحث الشخص في مصادر أخرى مثل الكتب أو عبر الإنترنت، فضلاً عن طرح السؤال على شيخ متخصص سواء كان ذلك وجهاً لوجه أو عبر الهاتف.
روبوتات كهنة
خطوات أخرى أكبر اتخذتها بعض الأديان تؤكد فيها حلول الذكاء الاصطناعي محلّ الشيخ المتخصص -قس أو كاهن أو غير ذلك- ولجميعها أسبابها الخاصة.
- في معبد كودايجي بمدينة كيوتو اليابانية، كُشف عام 2019 عن روبوت يُدعى “ميندار”.
الروبوت يجسّد شخصية “كانون” (إلهة الرحمة في البوذية)، مهمته إلقاء عظات وشرح نصوص بأسلوب مبسّط، بهدف تقريب التعاليم البوذية إلى الأجيال الشابة.
- في عام 2017، قدّمت الكنيسة الإنجيلية في ألمانيا روبوتاً باسم BlessU-2 في مدينة فيتنبرغ، وفي صدر الروبوت شاشة تعمل باللمس تتيح للزائر اختيار نوع البركة واللغة.
يتحدث الروبوت خمس لغات، ويرفع يديه في أثناء منح البركة مع إضاءة خفيفة، ويمكن برمجياً اختيار صوت ذكوري أو أنثوي.
- ظهر روبوت باسم SanTO، صُمّم ليكون مساعداً روحياً يتلو نصوصاً من الكتاب المقدس والإجابة عن أسئلة دينية بسيطة، وقد جُرّب في دور رعاية للمسنين بألمانيا.
- في معبد لونغتشيوان بالصين قُدم روبوتاً يُدعى Xian’er، يشبه راهباً بوذياً، ويمكنه الإجابة عن أسئلة دينية عبر شاشة تعمل باللمس.
- بعض الحاخامات في الولايات المتحدة صرّحوا باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي لمساعدتهم في صياغة الخطب.
في عالم اليوم تُقاس الأشياء بقيمتها السوقية، وتُختصر فيه العلاقات بأزرار إعجاب، وعلى هذا المقياس تبدو الشعائر الدينية كأنها تنتمي إلى زمن أبطأ، زمن لا يُدار بالخوارزميات ولا يُختصر في مؤشرات الأداء.
غير أن هذا البطء ذاته قد يكون اليوم أحد أشكال المقاومة الصامتة في وجه تسليع شامل طال تفاصيل الحياة اليومية، من العمل إلى العاطفة، ومن المعرفة إلى الإيمان.
لم تعد المسألة تتعلق فقط بتراجع الالتزام أو تغير أنماط التدين، بل بتحول أعمق في معنى الوجود الإنساني داخل منظومة رقمية تُكافئ السرعة، وتُعلي من شأن الكفاءة، وتُعيد تعريف القيمة وفق منطق المنفعة.
صعود الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة إلى ما سبق ذكره، فالتقنيات القادرة على توليد المعرفة وتحليل السلوك والتنبؤ بالاختيارات تعزز شعوراً متنامياً بالقدرة على التحكم والسيطرة.
أستاذ الفقه المقارن في جامعة السلطان محمد الفاتح بإسطنبول الدكتور وليد فائق الحسيني، الذي تحدث لـ”الخليج أونلاين”، يرى أن استعمال النظام الآلي في مجال الفتوى دون مرور السؤال على إنسان متخصص بالفتوى “لا يجوز مطلقاً، بل هو أمر خطير”.
ويضيف الحسيني أن “ذلك قد يؤدي إلى عبث في الأحكام الشرعية”، والسبب- وفق قوله- هو أن “الفتوى ليست مجرد نصوص تُخزن في ذاكرة، ثم تُنقل عند طلبها من قبل السائل”.
ويستطرد موضحاً أن “الفتوى هي مبدأ يخضع لأمور لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يبلغها مهما تطور”، مبيناً أن “هناك فتاوى تتبع ضرورات معينة مختلفة من شخص لآخر”.
من جانب آخر، يشير الحسيني إلى أن “خصائص الذكاء الاصطناعي مادية صرفة، بينما الدين الإسلامي فيه الجانب الروحي إضافة للجانب المادي، والروح من أمر الله تعالى، اختص بها سبحانه، قال عز وجل: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)، ومن الفتاوى ما يتعلق بأمور روحية”، متسائلاً: “فكيف للحواسيب والأنظمة التقنية أن تتوصل إليها؟”.
ويلفت أستاذ الفقه المقارن إلى أن “في الفتاوى أموراً خطيرة تتوقف الحياة عليها، مثل الأمور المتعلقة بالنكاح والطلاق، فمن الخطأ أن يُحرم الحلال ويجعل المعاشرة بين الزوجين سفاحاً وإثماً”.
وأكد أن “الذكاء الاصطناعي لا يمكن بأي وجه أن يضاهي خلق الله تعالى، ولا يرقى بالآلة عن كونها آلة، ولا يمكن تشبيهه بالعقل الحي، فضلاً عن خلوه من الروح، فلا مجال لإدخاله في مجال الفتوى دون الرجوع إلى الإنسان”.
موقع الخليج اون لاين




