ريادة الاعمالمقالات

المهندس خالد العلاونة يكتب “لرقمنة”:من الخدمة الموحدة إلى الخدمة المتمحورة حول المواطن(6)

رقمنة 

ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة السادسة منها .

 . المهندس خالد علاونة

في المقالات السابقة تحدثنا عن معنى الابتكار الحكومي، وعن ضرورته في الظروف العادية وأوقات الأزمات. واليوم نقترب أكثر من الحياة اليومية للمواطن، ونسأل سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: لمن تُصمَّم الخدمات الحكومية أصلًا؟ هل تُصمَّم وفق ما تراه الجهة مناسبًا، أم وفق ما يحتاجه المواطن فعلًا؟
لفترة طويلة، ساد منطق يمكن تلخيصه بعبارة واضحة: “هذا ما نقدمه”. كانت الخدمة تُبنى انطلاقًا من الهيكل الإداري، ومن توزيع الصلاحيات بين الدوائر، ومن الإجراءات الداخلية. المواطن في هذا النموذج كان مطالبًا بفهم النظام كما هو، والتكيّف معه، حتى لو كان معقدًا أو مرهقًا.
لكن مع تغيّر الزمن وارتفاع وعي الناس، بدأ يظهر خلل هذا المنطق. المواطن لا يهتم كيف تُقسّم الصلاحيات داخل المؤسسة، ولا يعنيه عدد الإدارات المعنية بالمعاملة. ما يعنيه هو أن ينجز خدمته بأقل جهد ووقت ممكن، وبأوضح مسار.
هنا بدأ التحول نحو مفهوم “الخدمة المتمحورة حول المواطن”. الفكرة ببساطة هي أن ننظر إلى الخدمة من زاوية تجربة المستخدم، لا من زاوية الهيكل الإداري. بدل أن نسأل: كيف تنظّم الجهة إجراءاتها؟ نسأل: كيف يعيش المواطن هذه التجربة خطوة بخطوة؟
خذ مثالًا بسيطًا: تسجيل مولود جديد. في النموذج التقليدي، قد يُطلب من الأهل مراجعة أكثر من جهة، وتقديم مستندات متكررة، والانتظار في أكثر من طابور. كل جهة تنفّذ جزءًا من اختصاصها، لكن الأسرة تعيش التجربة كمسار واحد مرهق. في النموذج المتمحور حول المواطن، يُعاد تصميم المسار ليصبح موحدًا وواضحًا، وربما يُنجز الجزء الأكبر إلكترونيًا أو في نقطة خدمة واحدة.
الأمر نفسه ينطبق على تجديد رخصة، أو فتح سجل تجاري، أو الحصول على ترخيص بناء. في المنطق القديم، المواطن يتنقل بين النوافذ، وفي المنطق الجديد، الخدمة هي التي تُعاد صياغتها بحيث تقلّل هذا التنقل. الفرق هنا ليس تقنيًا فقط، بل فكري: منطق “كيف نتمسك باختصاصاتنا؟” يتحول إلى “كيف نسهّل على الناس؟”.
الخدمة المتمحورة حول المواطن لا تعني إلغاء القوانين أو تجاوز المتطلبات، بل تعني ترتيبها بطريقة أكثر وضوحًا وإنسانية. قد يكون التغيير في إعادة تصميم نموذج طلب، أو في توضيح الخطوات بلغة أبسط، أو في توفير موظف إرشاد يختصر نصف الوقت على المراجع. أحيانًا يكون الفرق بين خدمة مرهقة وأخرى سلسة هو سؤال بسيط: ماذا يشعر المواطن في هذه اللحظة؟
ومن أهم ما يميز هذا التحول أنه يعترف بأن تجربة الخدمة جزء من الثقة العامة. حين يشعر المواطن أن النظام يفهم احتياجاته، ويأخذ وقته وظروفه بعين الاعتبار، تتغير نظرته بالكامل ويزداد شعوره بالإنتماء. حتى لو بقيت بعض المتطلبات كما هي، فإن وضوح المسار واحترام الوقت يحدثان فرقًا حقيقيًا.
كما أن هذا النهج يفيد المؤسسة نفسها. عندما تُبسَّط الإجراءات وتُوحَّد القنوات، يقل الضغط على الموظفين، وتقل الأخطاء، ويتحسن الأداء العام. الخدمة المتمحورة حول المواطن ليست تنازلًا إداريًا، بل استثمار في كفاءة أعلى.
وبالتالي التحول من الخدمة الموحدة إلى الخدمة المتمحورة حول المواطن هو انتقال من التفكير الداخلي إلى التفكير الخارجي. من سؤال “كيف نعمل نحن؟” إلى سؤال “كيف يعيش المواطن هذه التجربة؟”. وهذا التحول، رغم بساطته الظاهرية، هو أحد أهم مظاهر الابتكار الحقيقي في العمل الحكومي.

في المقال القادم، سنتناول جانبًا عمليًا من هذا التحول، ونتحدث عن إعادة تصميم الخدمات الحكومية (Service Design)، وكيف يمكن ترجمة هذا المفهوم إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى