الاقتصادمقالات

رئيس قسم التعاون والعلاقات في مركز الابتكار والريادة (الجامعة الأردنية) لينا الحياري تكتب لـ ” رقمنة “…… نحو بناء العقلية الريادية في التعليم الجامعي

رقمنة

*الدكتورة لينا الحياري 

مع تسارع التطورات التقنية في العالم ، وفي الوقت الذي تعيد فيه التكنولوجيا تشكيل خارطة الوظائف بوتيرة أسرع مما كنا نعتقد، يبرز تساؤل جوهري حول دور الجامعات –  يتصدر الحديث والنقاش – وهو : ” هل ما زالت الجامعات تُخرّج باحثين عن وظائف، أم صُنّاعاً للفرص؟”

ويرافق هذا التساؤل الرئيسي تساؤلات اخرى مثل : هل تقع على عاتق الجامعات مسؤولية توليد الشركات الناشئة، أم أن دورها الأعمق هو بناء العقلية الريادية لدى الشباب، سواء اختاروا طريق الوظيفة أو ريادة الأعمال؟

من الأخطاء الشائعة في نقاشاتنا المعاصرة هو حصر مفهوم “الريادة” في تأسيس الشركات الناشئة فقط.

فحقيقة الامر أن الهدف الأسمى للجامعات لا يتمثل في تحويل الحرم الجامعي إلى سوق للشركات، بل في بناء عقلية ريادية لدى الخرييجين.فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى “مؤسسي شركات”، بل إلى موظفين أيضا  يمتلكون جرأة المبتكرين، وحماس الرياديين، ومرونة القادة.

نحتاج اليوم إلى طبيب يوظّف الرقمنة لتحسين خدمات صحة الإنسان، ومعلم يكسر قالب التلقين التقليدي ويوظف الذكاء الاصطناعي، وموظف إداري يفكر خارج الصندوق لتبسيط الإجراءات وحل المشكلات وتيسر رحلة العميل.

ريادة الفكر أصبحت اليوم حصانة مهنية في عصر الذكاء الاصطناعي، العصر الذي لا يعترف بالرتابة ولا يكافئ الجمود.ولكي يتحول الطالب إلى ريادي في فكره داخل الجامعة، لا بد من منحه مساحة حقيقية للتجربة والخطأ،للاستكشاف وللسؤال،وللعمل ضمن مجموعات مع طلبة اخرين من خارج التخصص او الكلية، ولا بد من منحه المساحات الفكرية الآمنة للنقاش وابداء الرأي دون احكام.

والعقلية الريادية التي ننشدها اليوم هي تلك التي تُنتج موظفاً لا ينتظر الأوامر، بل يبادر إلى تطوير المنظومة التي يعمل ضمنها، وهذا الشكل من الريادة “الداخلية” هو المحرك الحقيقي للاقتصاد الحديث، وهو ما ينبغي أن تركز عليه البرامج الأكاديمية بمختلف تخصصاتها.

لسنا بحاجة إلى تخريج نسخ مكررة من أنماط تقليدية، بل إلى عقول مرنة قادرة على القيادة، والمبادرة، والمخاطرة المحسوبة في أي موقع تشغله.

ارى بان الاستثمار في بناء العقلية الريادية ليس ترفاً فكرياً، بل هو استثمار في إنسان يمتلك جرأة السؤال، ومرونة الحل، وشجاعة الابتكار.

ويمكن القول إن العمل على ترسيخ العقلية الريادية لم يعد خياراً أكاديمياً، بل أصبح طوق النجاة الوحيد؛ ففي عالم اليوم، إما أن تكون جزءاً من عملية الابتكار، أو تجد نفسك يوماً ما مجرد متفرج على قطار يمرّ بسرعة البرق.

*رئيس قسم التعاون والعلاقات في مركز الابتكار والريادة (الجامعة الأردنية)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى