
رقمنة
تتبلور هذا العام جبهة توتر جديدة بين بروكسل وواشنطن، عنوانها تنظيم الاقتصاد الرقمي. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حذّر من احتمال اندلاع “حرب رقمية تجارية”، بعدما اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن القوانين الأوروبية المنظمة للتكنولوجيا تضر بالمصالح الأميركية.
جوهر الخلاف يتمحور حول “قانون الخدمات الرقمية” الأوروبي، الذي تنظر إليه بروكسل كأداة سيادية لضبط المنصات الكبرى وتقليل ما تصفه بـ”المخاطر النظامية”، فيما تعتبره واشنطن استهدافاً مباشراً لشركاتها العملاقة. ومع انتقال القانون من مرحلة التشريع إلى التنفيذ الفعلي عبر تحقيقات وغرامات، ارتفعت كلفة الامتثال إلى مليارات الدولارات، ما أعاد رسم خريطة المخاطر أمام الشركات الأميركية العاملة في أوروبا.
القانون يُلزم المنصات بإزالة المحتوى غير القانوني، وتعزيز الشفافية في الإعلانات والخوارزميات، ويشدد الالتزامات على الشركات التي يتجاوز عدد مستخدميها 45 مليون مستخدم شهرياً داخل الاتحاد الأوروبي. كما يمنح المفوضية الأوروبية صلاحيات رقابية مباشرة، مع إمكانية فرض غرامات تصل إلى 6% من الإيرادات السنوية العالمية للشركة المخالفة، إضافة إلى إجراءات تصحيحية تمس تصميم المنصات وآليات إدارتها للمحتوى.
بالتوازي مع تطبيق قانون الأسواق الرقمية، فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقات رسمية بحق منصات أميركية بارزة مثل “إكس” و”ميتا” و”جوجل”، وفرضت غرامات بمليارات الدولارات، كما أصدرت عقوبات مالية بحق “أبل” و”ميتا” في إطار قانون المنافسة. هذه الإجراءات اعتبرتها الإدارة الأميركية دليلاً على أن أوروبا تستهدف شركاتها تحديداً، وأن القيود المفروضة تمس حرية التعبير ونماذج الأعمال الرقمية.
ورغم أهدافه التنظيمية، يواجه القانون انتقادات تتعلق بغموض تعريف “المخاطر النظامية”، وتداخل الصلاحيات بين المفوضية والهيئات الوطنية، فضلاً عن غياب معايير تقنية دقيقة تفصل بين المحتوى غير القانوني والمحتوى الجدلي، ما يزيد من حالة عدم اليقين القانوني ويرفع احتمالات الطعون القضائية.
الرد الأميركي تراوح بين التهديد بفرض تعريفات جمركية إضافية، وفرض قيود تأشيرات على مسؤولين أوروبيين، وبين دعم مبادرات داخل أوروبا لتعزيز ما تسميه واشنطن “حرية التعبير”. وفي المقابل، تؤكد بروكسل أن إخضاع المنصات العملاقة لرقابة مشددة ليس إجراءً استثنائياً، بل مساراً مستمراً لضبط سوق رقمي بات يتجاوز الحدود الوطنية.
وتبرز أيرلندا في قلب هذا الصراع، بحكم استضافتها المقرات الأوروبية لعدد من عمالقة التكنولوجيا الأميركية. أي تشدد إضافي في الإنفاذ قد يرفع كلفة الامتثال ويؤثر في قرارات التوسع والاستثمار، ما يضع دبلن في موقع حساس بين الالتزام الصارم بالتشريعات الأوروبية والحفاظ على علاقتها الاقتصادية الوثيقة مع الولايات المتحدة.
ورغم الطابع التقني الظاهري للخلاف، إلا أن تداعياته المالية والاستثمارية تشير إلى أنه صراع اقتصادي بامتياز، تتداخل فيه اعتبارات السيادة التنظيمية مع حسابات النفوذ التجاري في أكبر سوقين رقميين في العالم.
المصدر : صحيفة الغد




