الاقتصادمقالات

الخبير في مجال الأعمال الالكترونية أحمد غندور يكتب لـ ” رقمنة ”: التحول الرقمي….خيار وطني أم واقع مفروض؟

رقمنة 

*الاستاذ الدكتور أحمد غندور 

هذا المقال لا يأتي ضمن الترقيم الرسمي لسلسلة محو الأمية الرقمية، بل يأتي كوقفة تأملية ضرورية قبل الانتقال إلى المرحلة الثالثة من السلسلة، مرحلة الاندماج في المنظومة الرقمية.

هو ليس خروجًا عن المسار، بل قراءة له من مستوى أعلى، مستوى الدولة والاختيار الوطني.

خلال الشهور الماضية، تناولت سلسلة محو الأمية الرقمية التحول الرقمي من زاوية المواطن. بدأنا بالأساسيات، بالوعي، بالأمن السيبراني، بالذكاء الاصطناعي، ثم انتقلنا إلى الإطار الوطني، الحوكمة، الهوية الرقمية، والإنتاج. هذا المسار كان مقصودًا. أردنا أن نؤسس الإنسان قبل أن نناقش النظام، وأن نفهم الفرد قبل أن نحاسب الدولة.

لكن مع هذا التراكم، يفرض سؤال نفسه اليوم بقوة. هل نحن، كدولة، نتعامل مع التحول الرقمي كخيار استراتيجي نملكه ونقوده، أم كواقع عالمي فُرض علينا ونسعى فقط للحاق به؟

هذا السؤال ليس نظريًا. هو سؤال سياسات وقرار واتجاه.

الأردن، كما غيره من الدول، يعيش ضغط التحول الرقمي العالمي. الخدمات تتحول، الاقتصادات تُعاد صياغتها، والذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا بل بنية تحتية غير مرئية. وفي هذا السياق، طُرحت مسودة استراتيجية التحول الرقمي للأعوام 2026–2028 للنقاش العام قبل اعتمادها، واستفادت في صيغتها النهائية من ملاحظات ونقاشات واسعة شاركت فيها جهات رسمية وأكاديمية ومهنية. هذه الخطوة تعكس إدراكًا رسميًا لأهمية المسار، ومحاولة واعية لصياغته بصورة تشاركية لا فوقية.

لكن وجود استراتيجية، مهما كانت جيدة على الورق، لا يعني بالضرورة أننا اخترنا التحول الرقمي. الفرق كبير بين أن نمتلك وثيقة، وأن نمتلك إرادة تنفيذ. وفرق أكبر بين أن نطبّق أدوات رقمية، وأن نعيد التفكير في نموذج الدولة نفسه.

التحول الرقمي كخيار وطني يعني أن نسأل أسئلة صعبة قبل التنفيذ. ما الذي نريد رقمنته، ولماذا، ولمن. هل نريد دولة رقمية تقلل الكلفة فقط، أم دولة رقمية تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة. هل نريد رقمنة الخدمات، أم رقمنة القرار والحوكمة والمساءلة.

الخطر الحقيقي ليس في التأخر عن التحول، بل في التحول غير الواعي. في أن نرقمن الإجراءات القديمة بدل أن نعيد تصميمها. في أن ننقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشة. في أن نُنتج منصات جميلة بلا أثر حقيقي على حياة الناس.

من هنا جاءت سلسلة محو الأمية الرقمية، ليس كمشروع تقني، بل كمشروع وعي. لأن الدولة التي لا يمتلك مواطنوها وعيًا رقميًا ستبقى دائمًا تلهث خلف التحول بدل أن تقوده. ولأن المواطن الذي لا يفهم التكنولوجيا سيبقى مستخدمًا خائفًا، لا شريكًا فاعلًا.

اليوم، ونحن على أعتاب الانتقال إلى المرحلة الثالثة من السلسلة، مرحلة الاندماج في المنظومة الرقمية، يصبح من الضروري أن نرفع النقاش من مستوى كيف نستخدم إلى مستوى لماذا نختار.

التحول الرقمي كخيار وطني يعني أن نمتلك نموذجنا الخاص. أن نستفيد من التجارب الدولية دون استنساخها. أن نبني على واقعنا ومواردنا وثقافتنا، لا أن نُسقط نماذج جاهزة لا تشبهنا. يعني أن ندمج الخبرة المحلية مع الخبراء الدوليين، لا أن نستبدل الأولى بالثانية.

ويعني أيضًا أن نعترف بأن التحول الرقمي ليس مشروع وزارة واحدة، ولا منصة واحدة، ولا تطبيقًا واحدًا. هو مشروع دولة، يتقاطع فيه التعليم والاقتصاد والتشريع والثقافة والإدارة العامة. وقد يكون السؤال المشروع هنا، هل نحتاج وزارة رقمية، أم نحتاج عقلًا رقميًا عابرًا للوزارات.

أما عن المستقبل القريب، فالأسئلة حول الجامعات الافتراضية والتعليم الرقمي وقبول المجتمع بمخرجاته ليست أسئلة تقنية، بل أسئلة ثقة. الثقة لا تُبنى بالتصريحات، بل بالجودة والحوكمة والنتائج الملموسة. وحين يرى المجتمع أن المخرجات الرقمية تضاهي أو تتفوق، ستُعاد تشكيل القناعات تلقائيًا.

هذا المقال ليس إجابة نهائية، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة. هو دعوة للتفكير الجماعي. دعوة لأن ننظر إلى التحول الرقمي ليس كقطار فائق السرعة نحاول اللحاق به، بل كمسار نختار اتجاهه وسرعته ومحطاته.

في المقال القادم، رقم 16، نبدأ المرحلة الثالثة من السلسلة، مرحلة الاندماج في المنظومة الرقمية، حيث نناقش التمويل الرقمي والشمول المالي، ونطرح سؤالًا جديدًا. كيف نربط الإنتاج الرقمي بمنظومة اقتصادية وقانونية تضمن الاستدامة والمشاركة العادلة.

لكن قبل ذلك، كان لا بد من هذه الوقفة.
لأن من لا يختار طريقه، سيجد نفسه دائمًا يسير في طريق اختاره الآخرون.

*الخبير في مجال الأعمال الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى