
رقمنة
ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الأولى منها.
. المهندس خالد علاونة
لم تكن الحكومات في بداياتها لتكون منصات ابتكار، بل لتكون أدوات تنظيم وضبط. كان المطلوب منها أن تحافظ على النظام، تطبق القوانين، وتؤمّن الحد الأدنى من الخدمات التي تضمن استقرار المجتمع. ولزمنٍ طويل، كان هذا الدور كافيًا، بل وناجحًا. غير أن العالم لم يتوقف عند تلك المرحلة، بينما بقيت كثير من الهياكل الحكومية تعمل بالعقلية ذاتها، وكأن الزمن لم يتغير.
اليوم، لم يعد السؤال الذي يطرحه المواطن: هل تقدم الحكومة خدمة؟ بل كيف تقدمها، وبأي سرعة، وبأي مستوى من الجودة. المواطن الذي يتعامل يوميًا مع خدمات مرنة وسريعة في حياته الخاصة، لم يعد يتقبل بطء الإجراءات أو تعقيدها، ولا يرى في البيروقراطية مبررًا، بل عبئًا. هذا التحول في توقعات الناس كشف بجلاء أن الإدارة التقليدية، مهما كانت منضبطة، لم تعد كافية وحدها.
المشكلة لم تكن يومًا في القوانين، ولا في المؤسسات بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُدار بها. فحين تتحول الإجراءات إلى غاية بدل أن تكون وسيلة، وحين يصبح الالتزام الشكلي أهم من الأثر الحقيقي، تبدأ الفجوة بين الدولة ومواطنيها بالاتساع. عند هذه النقطة تحديدًا، برز الابتكار كحاجة طبيعية، لا كشعار عصري أو موضة إدارية.
الابتكار في العمل الحكومي لا يعني القفز في المجهول، ولا كسر النظام القائم، بل إعادة النظر فيه بعين واقعية. هو محاولة واعية للإجابة عن سؤال بسيط في ظاهره، عميق في نتائجه: هل يمكن أن نؤدي ما نقوم به اليوم بطريقة أفضل؟ أيسر؟ أقرب إلى الناس؟ هذا السؤال، حين يُطرح بصدق داخل المؤسسات، يصبح بذرة التغيير الحقيقي.
من هنا جاء الحديث عن الدولة الذكية، لا بوصفها دولة مليئة بالتطبيقات والمنصات، بل دولة تفهم أن الذكاء يبدأ من طريقة التفكير قبل أن يظهر في الأدوات. الدولة الذكية هي التي تستمع، تتعلم، وتعدّل مسارها عند الحاجة. هي دولة لا تخشى التجربة، ولا ترى في الخطأ نهاية الطريق، بل فرصة للفهم والتحسين.
الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الدولة الذكية لا يحدث بين ليلة وضحاها، ولا يتم بقرار واحد. هو مسار تراكمي يبدأ بتغيير الثقافة المؤسسية، وبإعادة تعريف دور الموظف الحكومي من منفذ للإجراءات إلى شريك في تحسينها. في هذا النموذج، لا يُقاس النجاح بعدد المعاملات المنجزة، بل بمدى تأثيرها الإيجابي على حياة الناس.
الواقع يثبت أن الحكومات التي نجحت في هذا التحول لم تبدأ من التقنية، بل من الإنسان. بدأت من طرح أسئلة مختلفة، ومن قبول فكرة أن بعض الطرق القديمة، رغم نجاحها سابقًا، لم تعد مناسبة اليوم. وحين تغيّرت طريقة التفكير، أصبحت الأدوات الحديثة مجرد وسائل طبيعية لخدمة هذا التوجه، لا عبئًا إضافيًا عليه.
الابتكار هنا لا يلغي الماضي، بل يبني عليه. فالإدارة التقليدية وفّرت الاستقرار، بينما يأتي الابتكار ليمنح المرونة. الدولة الذكية لا تهدم ما سبق، بل تعيد توظيفه بما ينسجم مع واقع متغير ومتطلبات جديدة. هي دولة تجمع بين الانضباط والتجديد، وبين الخبرة المتراكمة وجرأة التطوير.
في جوهره، الابتكار في العمل الحكومي ليس مشروعًا تقنيًا ولا خطة زمنية محددة، بل تحول في النظرة إلى دور الدولة نفسها. تحول يعترف بأن التغيير سنة كونية، وأن البقاء في المكان ذاته يعني التراجع. وحين تفهم الحكومة ذلك، تصبح أقرب إلى مواطنيها، وأكثر قدرة على خدمتهم، وأجدر بثقتهم.
هكذا تبدأ رحلة الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الدولة الذكية، لا كقفزة غير محسوبة، بل كخطوة عقلانية إلى الأمام، تحترم الواقع، وتستشرف المستقبل، وتضع الإنسان في قلب العمل الحكومي.




